"لماذا توديّن أن تصبحي شاعرة؟" أتذكر كيف طُرح علي هذا السؤال قبل أكثر من عقد من الزمن. سؤال لم تكفِه إجابتي "لأني أحب الكتابة"، فكان الردّ: "هل سيطعمكِ الشعر الخبز؟"، وكنت أرتبك في كل مرة أضطر فيها إلى تبرير حبي للشعر بدلاً من الحديث عنه أكثر، أو إلى محاولة إيجاد حلول تسمح لي بأن أكتب الشعر وآكل الخبز في الوقت نفسه. أما الحل بالنسبة للأكبر سنّاً فكانت في أن أجد وظيفة حكومية "محترمة" وأن أترك الشعر لأوقات الفراغ. "لن يقدّم الشعر لكِ شيئاً"، هكذا حاولوا إقناعي.
بعد أكثر من 15 عاماً على المخاوف التي حاول مجتمعي زرعها داخلي، أتذكر الانتقادات التي كانت تُكال لي، ليس فقط في ما يتعلق بالكتابة، إنما بمجالات أخرى وبعبارات كثيرة كانت تبدو مخيفة في حينها، مثل "لا تجلسي بطريقة خطأ"، "أغلقي قدميكِ"، "انتبهي من ركوب الدراجة فقد تفقدين عذريتك بسببها"، "لن يطعمك الشعر خبزاً"...
أمشي في اسطنبول. أراقب النساء وألاحظ مقدار الاختلافات التي يحملنها، تتناهى إليّ كل العبارات التي كان يجب أن أخاف منها وأبتسم. في اسطنبول الكثير من الاختلاف، اختلاف من الطبيعي أن تجمعه أهم المدن السياحية في العالم، لكنه يبقى أكثر ممّا تستطيع فتاة قادمة من سوريا على استيعابه دفعة واحدة.
ليست الحضارة وحدها ما نحتاج استيعابه نحن القادمات من أماكن مشتعلة بالحروب والفقر والجهل، إذ يتوجب علينا كذلك استيعاب رؤية اختلافات لا تنتهي في النساء القادمات من بلاد أخرى، إذ ألاحظ أن النساء في أماكن أخرى يعشن مخاوف مختلفة عن تلك التي تعيشها السوريات. فحياتنا كسوريات تقوم في المقام الأول على إرضاء المجتمع والحصول على قبوله حتى تتمكن الفتاة من قبول نفسها لا العكس. على النساء في بلدان عربية كسوريا تقديم أنفسهن داخل صورة محدّدة، حتى لو لم يكن مصرّحاً بها، فيمكنك ارتداء فستان، لكن لا يجب أن يكون قصيراً جداً، ويمكنك أن تصبحي شاعرة لكن قبل ذلك عليكِ أن تؤمّني وظيفة "محترمة"، ويمكنك أن تصبغي شعرك لكن لا تقتربي من الألوان الفاقعة والغريبة. أتخيل ردود الفعل حول فتاةٍ بشعر أزرق أو أخضر تمشي في مدينة سوريّة! بعد صبغ شعرها أحمراً، اضطرّت إحدى الصديقات إلى تغييره، بعد أن أجبرتها عائلتها على ذلك. الاختلاف في اسطنبول موجود في معناه الواسع الذي قد يهدّد الصورة النمطية المتوقعة من النساء. ربما يبدو الأمر عادياً لصديقتي القادمة من بيروت، فأيضاً في بيروت هناك نساء مختلفات، لكن ليس بقدر الاختلاف الموجود في هذه المدينة. فاسطنبول مدينة تجمع كل نساء العالم.
يمكنكِ ارتداء فستان، لكن لا يجب أن يكون قصيراً جداً، ويمكنك أن تصبحي شاعرة لكن قبل ذلك عليكِ أن تؤمّني وظيفة "محترمة"، ويمكنك أن تصبغي شعرك لكن لا تقتربي من الألوان الفاقعة والغريبة
أعبر شارع "استقلال"، أمرّ قرب كلب يتمدّد دون خوفٍ، آلاف الأشخاص يعبرون من قربه، لكنه يغطّ في نوم عميق، إنها مدينة مليئة بالكلاب والقطط المحمية بقوانين صارمة بشأن حقوق الحيوانات. لا يشغلني الاكتظاظ عن حواري الداخلي، فما زلتُ أفكر وأقارن نساء اسطنبول بنساء عالقات في رأسي من سوريا. إلى أي حد يمكن للمرأة السورية أن تعبّر عن نفسها أو اختلافها؟ فحتى الحدود والخطوط الحمراء تمتلك حدوداً حمراء أخرى داخلها. نحن السوريات مررنا بالكثير من المواقف وجعلتنا تلك الخطوط ندرك مدى سماكتها لا بل ونصنع المزيد منها، ذلك الخوف من الخروج عن الصورة النمطية مرعب بالنسبة إلينا. مرعب أن تكوني غيرَ ما هو متوقع من امرأة سورية أن تفعله.
خلال مراهقتي، وحين بدأت الكتابة، كان الشعر خارج الصورة النمطية للفتيات من حولي، فتيات يتنافسن على المراكز الأولى في الدراسة لتفتخر بهن عائلاتهن في نهاية العام، ينتظرن امتحان القبول الجامعي كمصير، كانت هذه دائرة الفتيات الأساسية والمقبولة، وكل ما هو خارجها مرفوض أو غير ضروري في أحسن الأحوال. في ذلك الوقت، كان فرع "التربية ومعلّم الصف" هو خيار الدراسة الأفضل للفتيات، باعتقاد كل من حولي، لأسباب ذكورية لم أفهمها في حينها. أما التبرير فيكمن في أنّ المعلّمة تنهي عملها باكراً عموماً، وتستطيع العودة بعد الدوام إلى منزلها لتنجز مهامها الطبيعية كطهو الطعام وتنظيف البيت والاهتمام بالأطفال، كما أنها ستتمتع بعطلة تمتد على الصيف بطوله تستطيع الاستفادة منها للبقاء مدة أطول مع عائلتها. حاول كثيرون إقناعي بهذه المزايا، لكني لم أقتنع. فالكتابة كانت أخرجتني مسبقاً من دائرة الصورة النمطية للنساء لم يكن ذلك سهلاً، فالمرأة الكاتبة هي صورة لا يحبّذ المجتمع احتواءها. قد لا يرفضها بشكل كامل، لكنه يفضّل لو أنها لم توجد.
أصعب ما تواجهه الفتيات في سوريا هو الحفاظ على اختلافهن. بمعنى آخر، على طريقة تعبيرهن عن أنفسهن والأشياء التي يحببن فعلها. والأمر فعلاً بهذه البساطة: كيف يمكن للفتاة السورية أن تخافظ على ما تحب أن تفعله من دون أن ينبذها محيطها؟
في الحقيقة، لم يقبلني مجتمعي ككاتبة إلا حين تم تكريمي من جهة عربية قبل سنوات، أي حين بات هناك جهة عُليا أجنبية تمنح تقديرها لي. وأعتقد أن من نبذوني ككاتبة، لم يتقبلوني لاحقاً لأنهم أدركوا أهمية الكتابة أو أهمية ما أفعله، بل لأن جهةً أعلى منهم قالت إن ما أفعله جيد! وهذا أمر غريب، إذ يشي بعجز المجتمع عن تقبّل الآخر إلا في حالة أصبح هذا الآخر أقوى منه حتى لو على صعيد تكريم فقط. فمن الشائع في سوريا تقبّلُ النساء فقط لأنهن أكثر قوّة من المنظّرين، فالمُدرّسة الجامعية لها قبول واسع، وكذلك الطبيبة والمرأة القيادية أو حتى التي تمتلك الكثير من المال، جميعهن نساء يمتلكن مزايا عالية تفتح الباب أمام القبول الاجتماعي لكياناتهن، لكنه يبقى قبولاً هشاً إذ يقوم على احترام المزايا لا احترام المرأة ذاتها. وكلما نزلت المرأة درجة واحدة على سلّم القوة المفترضة للمجتمع، واجهت صعوبات أكثر وباتت قيودها أعقد.
في الجانب ذاته تتساءل صديقاتي في سوريا عن الشكل الذي يجب أن تكون عليهن حياتهن، نساء تجاوزن الثلاثين ما زالت لديهن مشكلات حقيقة في تحديد شكل حياتهن أو ما يجب عليهن إنجازه. بعضهن ترعبهن فكرة عدم زواجهن حتى الآن، والتأخر في الدراسة وصمة أخرى. قيود السوريات كثيرة وهي تتشابه إلى حد كبير مع مثيلاتها في العالم العربي، فاختيار العيش وحيدة يجب أن يكون له أسبابه المقنعة وأهمها الدراسة أو العمل في منطقة أخرى، لا دوافع أخرى. هناك فتيات لم يمتلكن حتى فرصة اختيار الشريك، ليس لأنهن أُرغمن على الزواج بل لأن الرفض يعني تأخر الزواج ووصمة المجتمع "بالعانس". لذلك، يجب التمسك بأي فرصة للزواج ليصبح هذا العقد قارب نجاة من الوصمة، لا خياراً للشراكة من عدمها.
تحديات النساء السوريات متشابهة، فأن تُرفضي ككاتبة شديد التشابه مع رفضكِ نتيجة عدم زواجكِ أو حصولك على وظيفة. وأن يُنتقد شِعرك الجريء هو ذات الرفض لطريقة لباسك، إذ يبدو أي خروج عن النمطية كتهديد لسلطة المجتمع عليك.
عندما تكتبين الشعر، أنت تنتصرين على مجتمعك. وعندما تصبغين شعرك باللون الذي يحلو لك، أنت أيضاً تنتصرين، وعلى طريقتك.




























