هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
صورة لكولين لويد على Unsplash
تردّد صدى الجدل الدائر حول الإجهاض في إسبانيا مؤخرًا في الصحافة الدولية، عبر عناوين من قبيل: "بعد فرنسا، تسعى إسبانيا إلى دسترة الحقّ في الإجهاض". غير أنّ عددًا من المنظمات النسوية ترى أن اقتراح الحكومة بإدراج هذا الحق في الدستور لا يعالج الإشكاليات الحقيقية، إذ يتمحور الخلاف حول كيفية تطبيق القانون، وما إذا كانت جميع النساء، بمن فيهن المهاجرات، يتمتعن فعليًا بإمكانية الوصول إلى هذا الحق.
"مناورة لصرف الانتباه"
تؤكد النسوية والنائبة السابقة عن الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) كونسويلو كاتالا: "هناك قضايا أكثر إلحاحًا ينبغي حلّها فيما يخصَّ الإجهاض من مجرد إدراجه في الدستور".
وساعدت كاتالا لسنوات في تسهيل عمليات الإجهاض في فالنسيا عندما كان لا يزال الإجهاض غير قانوني، كما شاركت كخبيرة في صياغة قانون 2010. وترى الممرضة المتقاعدة، والتي تعدّ من أبرز الوجوه المدافعة عن الصحة الجنسية والإنجابية للنساء، أن هذه المبادرة قد تتحول إلى "استغلال حزبي لحقّ ومطلب تاريخي للنساء."
وتضيف: "أعتقد أن هذه مناورة لصرف الانتباه. أي أنها تتفادى معالجة المشكلات الملموسة المرتبطة بتطبيق قانون الإجهاض."
وتقترح حكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز (في سياق الرد على معلومات مضللة نشرها حزب اليمين المتطرف حول ما يسمى بـ"متلازمة ما بعد الإجهاض") إدراج الحقّ في الإجهاض ضمن المادة 43 من الدستور، التي تعترف بالحقّ في حماية الصحة. ورغم أن الإجهاض لا يُذكر صراحة في نصّ الدستور، فإنه يُعدّ جزءًا من مضمون المادة 15 التي تكفل الحقّ في الحياة والسلامة الجسدية والمعنوية بوصفه حقًا أساسيًا.
تشرح كاتالا: " منذ أن أصدرت المحكمة الدستورية حكمها بشأن قانون عام 2010، بات الإجهاض يُعدّ حقًا أساسيًا بموجب المادة 15 من الدستور، غير أنّ المقترح الحالي يسعى إلى إدراجه ضمن المادة 43، التي لا تُصنَّف ضمن الحقوق الأساسية."
وبالتالي، ترى أن إدراج الإجهاض في المادة 43 سيخفض مستوى الحماية القانونية له.
منذ أن أصدرت المحكمة الدستورية حكمها بشأن قانون عام 2010، بات الإجهاض يُعدّ حقًا أساسيًا بموجب المادة 15 من الدستور، غير أنّ المقترح الحالي يسعى إلى إدراجه ضمن المادة 43، التي لا تُصنَّف ضمن الحقوق الأساسية
سنوات من النضال وحق انتُزع حديثًا
في كتاب إجهاض بـ8000 بيزيتا، تروي الصحفية باولا بويرا ناشير كيف سافرت عام 1977، وهي طالبة في الثالثة والعشرين، لأيام طويلة من أجل إجراء عملية إجهاض. وبعد المرور ببرشلونة، تمكنت أخيرًا من إجراء العملية في باريس. قصتها هي قصة مئات آلاف الإسبانيات اللواتي عبرن الحدود للإجهاض في ظروف آمنة وصحية. وقد شكّل هذا المسار نقطة تحوّل في حياتها، ربطتها إلى الأبد بالنضال من أجل الحريّة الجنسية والإنجابية للنساء.
فبينما شرّعت المملكة المتحدة الإجهاض عام 1967 وفرنسا عام 1975، لم تُجرّم إسبانيا الإجهاض إلّا عام 1985 في ثلاث حالات: خطر على صحة المرأة، الاغتصاب، والتشوّهات الجنينية الخطيرة. ولم يُعترف بحق المرأة في إنهاء الحمل خلال أول 14 أسبوعًا إلّا عام 2010. أما قانون 2023 فقد منح الفتيات بين 16 و17 عامًا استقلالية عبر إلغاء شرط موافقة الأهل، وألغى فترة التفكير الإلزامية (ثلاثة أيام)، وأنشأ سجلًا للاعتراض الضميري لضمان توفر خدمات الإجهاض في المستشفيات العامة.
الاعتراض الضميري: عائق رئيسي
تحوّل الاعتراض الضميري إلى أحد أبرز العوائق أمام إجراء الإجهاض في المستشفيات العامة. فهو حق العاملين والعاملات في القطاع الصحي في رفض إجراء عمل طبي يتعارض مع معتقداتهم، لكن ممارسته تطرح إشكالية التوفيق بين حرية الضمير لدى الطبيب أو الطبيبة وحق المريضة في تلقي الرعاية.
توضح فرانسيسكا غارسيا، رئيسة جمعية العيادات المعتمدة للإجهاض(ACAI): "لم ننظّم الاعتراض الضميري من منطلق الضمير، بل من منطلق أن للمهني/ة الكلمة الأخيرة فيما يريد/ت فعله. وهكذا يصبح اعتراضًا مهنيًا، حيث يقرر الطبيب/ة مصير حقوق النساء."
وتضيف أن ممارسة الإجهاض ما تزال موصومة اجتماعيًا: "لا يبدو ذلك جيدًا في سيرتكِ الذاتية."
وترفض منطقة مدريد تقديم قائمة بالمعترضين والمعترضات ضميريًا رغم التزامها القانوني بذلك. وتؤكد المحامية غيما فرنانديث من منظمة Women’s Link Worldwide: "الأطباء/ات ملزمون/ات بتقديم جميع الخدمات الصحية المشمولة بالضمان الاجتماعي، ومن يريد/ت ممارسة الاعتراض الضميري يفعل/ت ذلك فرديًا، ولهذا يجب إنشاء سجلات للمعترضين والمعترضات، لضمان الخدمة بالتوازي مع أطباء/ات آخرين لا يعترضون/ن."
"لم ننظّم الاعتراض الضميري من منطلق الضمير، بل من منطلق أن للمهني/ة الكلمة الأخيرة فيما يريد/ت فعله. وهكذا يصبح اعتراضًا مهنيًا، حيث يقرر الطبيب/ة مصير حقوق النساء."
ضعف الوصول إلى الإجهاض في المستشفيات العامة
رغم التقدم القانوني، لا يزال الوصول المجاني والعام للإجهاض مسألة غير محسومة. أكثر من 80% من حالات إنهاء الحمل الطوعي تتم في عيادات خاصة مرخّصة. ويُذكر أن النظام الصحي في إسبانيا يُدار على مستوى الأقاليم. ففي مدريد، أُجريت 99.6% من حالات الإجهاض عام 2023 في عيادات خاصة متعاقدة.
تشرح غارسيا: "منذ قانون 1985، يُنظم الإجهاض في إسبانيا بهذه الطريقة: تدخل الخدمات العامة في اتفاقيات مع مراكز متخصصة لتقديم الخدمة. وهذا لا يقتصر على الإجهاض فقط".
وتوضح كاتالا أن العيادة المعتمدة ليست هي نفسها "العيادة الخاصة غير المعتمدة": " فالمرأة لا تتحمّل أي تكلفة في العيادة المعتمدة، إذ تتكفّل الدولة بها باعتبار الإجراء جزءًا من الخدمات الصحية الأساسية".
شدّدت وزيرة الصحة مونيكا غارسيا، خلال عرض تقرير صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2025 حول هذا الموضوع، على ضرورة إجراء عمليات الإجهاض ضمن النظام الصحي العام. وقالت: "أولًا، لتفادي الخصخصة المزدوجة، إذ لا تكتفي الأقاليم بدفع تكاليف الإجهاض للعيادات الخاصة، بل تُضطر المرأة، حين تُقصى من نظامنا العام، إلى البحث عن هذه الخدمة في مكان آخر، وهي خدمة ـ أكرر ـ تدخل ضمن خدماتنا الأساسية. وثانيًا، لأننا نريد ضمان حرية اختيار النساء."
وأكدت أيضًا أن تسهيل الوصول إلى الإجهاض داخل النظام الصحي العام يضمن استمرارية الرعاية الطبية. وأوضحت غارسيا أن معظم النساء يكتشفن حملهن ويتابعنه ضمن النظام العام، لكن عند رصد مشكلة خطيرة، كتشوّه جنيني مثلًا، تختار بعضهن إنهاء الحمل، غير أنهن غالبًا ما يُضطررن إلى مغادرة النظام العام والتوجّه إلى عيادات خاصة لإجراء العملية، ما يقطع الصلة بين المرأة والكوادر الطبية التي كانت تشرف على رعايتها.
النساء المهاجرات: مهمّشات
رغم أن القانون يتيح الوصول إلى الإجهاض للنساء اللواتي لا يحملن بطاقة صحية أو اللواتي يعشن أوضاعًا إدارية غير نظامية، فإن عددًا من الأقاليم تفرض عوائق إدارية، مثل اشتراط تسجيل المرأة في السجل البلدي من أجل الحصول على الإجهاض، وهو ما يزيد من تعقيد الوصول إلى هذا الحق بالنسبة لنساء مثل ماريا (اسم مستعار لحماية هويتها).
اضطرت ماريا إلى دفع 600 يورو لإجراء عملية إجهاض في عيادة معتمدة في سرقسطة في كانون الثاني/ يناير 2021. تقول هذه البرازيلية القادمة من سلفادور دي باهيا، والتي كانت تبلغ 32 عامًا آنذاك وتعيش وضعًا إداريًا غير نظامي: "شعرت بأنني متروكة تمامًا". وتضيف: "سواء من حيث المعاملة التي تلقيتها في العيادة أو موقف بعض الإسبان/ات. البلد يقدّم نفسه بوصفه منفتحًا جدًا، لكنني أرى ازدواجية لا يمكن التوفيق بينها."
كما شعرت بأنها متروكة من قبل الحركة النسوية نفسها. وتنتقد قائلة: "هن نسويات لأنفسهن فقط. لا يوجد دعم لامرأة مهاجرة نسوية". غير أن منظمة كوميثيون أبورتو مدريد تؤكد أنها على دراية بالتمييز الذي تتعرض له النساء المهاجرات في أوضاع إدارية غير نظامية. وتقول إلينا مارتين، المتحدثة باسم المنظمة: "أرى فتيات شابات لم يُكملن بعد ثلاثة أشهر في إسبانيا بما يتيح لهن الدخول إلى نظام الرعاية الصحية العام، ولا يستطعن أيضًا الحصول على إجهاض". وتضيف: "الكثير من الشابات يُتركن لمصيرهن. فهن في وضع اقتصادي هش جدًا ولا يعرفن إلى أين يتوجهن طلبًا للمساعدة."
كان هذا هو حال ماريا. فقد أنهت للتو دراستها في الفلسفة البرتغالية، ولم تكن قادرة على تحمّل تكلفة الإجهاض، فتولى شريكها آنذاك دفعها. واختارت الطريقة الجراحية، الأعلى تكلفة مقارنة بالطريقة الدوائية، لأنها الأنسب لوضعها كمربية أطفال مقيمة : "كنت أعيش في المنزل. أنام وآكل وأعمل هناك. وكان سيكون من الصعب جدًا التعامل مع الأمر بالأدوية."
وتختم قائلة: "في ذلك اليوم، غادرت وأنا محطّمة نفسيًا بالكامل، رغم أن تعافيي الجسدي كان ممتازًا. من السهل جدًا في إسبانيا رفع العلم البنفسجي [ملاحظة المحرر: اللون الرمزي للحركة النسوية في العديد من البلدان] والقول إنك مؤيد لحرية الاختيار، لكنك لا تعرف حقًا ما الذي يجري داخل العيادات."
"سواء من حيث المعاملة التي تلقيتها في العيادة أو موقف بعض الإسبان/ات. البلد يقدّم نفسه بوصفه منفتحًا جدًا، لكنني أرى ازدواجية لا يمكن التوفيق بينها"
مضايقات المحافظين المتطرفين
إلى جانب التمييز، تتعرض النساء والعاملات في هذا المجال لمضايقات من قبل جماعات محافظة متطرفة. تقول إلينا مارتين: "في إحدى العيادات الخاصة، التي كانت من أوائل العيادات التي أجرت عمليات إجهاض في مدريد، تكون المضايقات عنيفة". وتضيف أن الترهيب والاعتداءات تتزايد عامًا بعد عام. وتوضح: "حتى نحن، كحركة نسوية، نتعرض للاستهداف بأساليب تزداد عدوانية. في العام الماضي كنا خائفات فعلًا. لقد شتمونا وهددونا وأرهبونا."
وفي يوم الاثنين 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، بدأت في مدينة فيتوريا-غاستييث محاكمة 21 شخصًا شاركوا في تجمعات مناهضة للإجهاض أمام إحدى العيادات في تلك المدينة التابعة لإقليم الباسك. ويُتهم هؤلاء بتنظيم اعتصامات هدفت إلى إكراه جميع المريضات الداخلات إلى العيادة ومضايقتهن. وتُعد هذه أول محاكمة من هذا النوع تُعقد في أوروبا، ما يمنح نتائجها أهمية خاصة. وقد جرت هذه التحركات بين 28 أيلول/ سبتمبر و4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022. ويواجه المتهمون عقوبة السجن خمسة أشهر بتهمة الإكراه، وهي عقوبة يمكن استبدالها بـ100 يوم من الخدمة المجتمعية.
حقّ غير مضمون بالكامل بعد
علاوة على ذلك، يكاد التدريب على إجراء الإجهاض يكون غائبًا تمامًا في كليات الطب والتمريض، وهو ما يطرح إشكالية على المدى المتوسط، إذ إن الجيل الحالي من مقدّمي/ات هذه الخدمة يتقدمون في العمر، من دون وجود جيل جديد من المتدرّبين/ات ليحلّ مكانه. وتحذّر كاتالا قائلة: "الأمر خطير جدًا. ماذا سيحدث؟ لن يعرف أحد كيف يُجري عمليات الإجهاض".
وتؤكد الناشطات اللواتي تحدثن معهن أن الحق في الإجهاض لا يمكن اعتباره أمرًا مسلّمًا به. وتأسف إلينا مارتين قائلة: "لا شيء مضمون. ما زالت هناك نساء يُجرين عمليات الإجهاض خارج إسبانيا". ففعليًا، تُجبر النساء اللواتي تجاوز حملهن 22 أسبوعًا ويعانين من تشوّهات جنينية — وهي أقصى مدة يسمح بها القانون في مثل هذه الحالات — على السفر إلى بروكسل لإجراء الإجهاض، رغم الإطار القانوني القائم. ويعود ذلك إلى أن "اللجان السريرية" التي يتعيّن عليها إعطاء الموافقة في مثل هذه الحالات غالبًا ما ترفض ذلك.
وترى كاتالا أن الإجهاض مهدد باستمرار لأنه يشكّل "تحديًا مطلقًا للأمر المهيمن في المجتمع الأبوي. فعندما تختارين الإجهاض طوعًا، فإنك تعارضين الأوامر الأبوية بأن تكوني زوجةً وأمًا. أنت تقولين: انظروا، أنا أعرف أنني حامل، وأنا أقول لا!."
تم إنجاز هذا المقال بدعم من مكتب تونس لمؤسسة روزا لوكسمبورغ.





























