آية العديني تحمل صورة لكتابها – تصوير لميس الأسطل
"تجربتي في تغطية الحرب الحالية على قطاع غزة من أصعب وأصدق وأعمق التجارب في حياتي"، بهذه الكلمات تصف آية عملها في التصوير الصحفي. لم يكن عمل آية مجرد حدث تغطيه بل واقعًا تعيشه بكل تفاصيله.
تقول:"كنت أعمل على التقارير بين دويّ القصف وصوت الانفجارات، أركض أحيانًا بين الركام، وأحيانًا أختبئ خلف جدران هشّة، لكن في داخلي كان صوت واحد يصرّ على القول: ربما أموت، لكن يجب أن يصل الصوت".
تشير التقديرات إلى أنّ عدد الضحايا الفلسطينيين/ات جراء الحرب على غزة منذ عام 2023 تجاوز 70 ألف قتيل/ة، بينهم ما لا يقل عن 18 ألف طفل/ة، فيما أُصيب أكثر من 171 ألف شخص، من بينهم أكثر من 45 ألف طفل/ة، نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل.
آية صحافية فلسطينية من خان يونس جنوب قطاع غزة، متخصصة في الإعلام المرئي والمكتوب. تجمع بين المونتاج وكتابة وإنتاج التقارير الإنسانية. بدأت مسيرتها الصحافية مبكرًا أثناء دراستها في العلاقات العامة والإعلام، قبل أن تعمل مع صحف ووكالات محلية ودولية، ما منحها خبرة ميدانية واسعة وقربًا من قصص قد لا تصل إلى الشاشات.
في داخلي كان صوت واحد يصرّ على القول: ربما أموت، لكن يجب أن يصل الصوت
حين يصبح التوثيق شكلًا من أشكال البقاء
مع مرور الوقت، مالت آية أكثر إلى الإعلام المرئي وإعداد التقارير الإنسانية. كانت بدايتها الحقيقية عام 2021، عبر مشاركتها مع برنامج نساء في الأخبار، حيث بدأت بإنتاج تقارير مصوّرة باستخدام الهاتف المحمول، تقول: "تجربة غيّرت مساري المهني، وعرّفتني على قوة الصورة في نقل القصص الإنسانية".
ويهدف برنامج "النساء في الأخبار"، التابع لمنظمة وان-إيفرا وبالشراكة مع مؤسسات إعلامية وأفراد، إلى سدّ فجوة التوازن الجندري في المحتوى الإعلامي.
تقول آية: "الكاميرا ليست أداة تقنية فحسب، بل وسيلة لفهم العالم وسماع أصوات من لا يجدون من يصغي إليهم".
تتابع: "تجربتي المهنية صقلتني، لكن تجربتي الإنسانية هي التي شكّلتني، فكل تقرير قدّمته لم يكن مجرد عمل، بل محاولة لإنصاف حكاية لم يُصغِ إليها أحد بعد".
كل تقرير كان صراعًا بين مهنية آية وإنسانيتها، لكنها رغم القسوة واصلت التصوير، تقول: "الحرب جرّدتني من كل شيء تقريبًا، لكنها منحتني يقينًا واحدًا: أن الكلمة والصورة، مهما بدتا بسيطتين، قادرتان على فضح القبح وصون الذاكرة".
الكاميرا ليست أداة تقنية فحسب، بل وسيلة لفهم العالم وسماع أصوات من لا يجدون من يصغي إليهم
وعن أكثر المشاهد رسوخًا في ذاكرتها، تروي أنها شاهدت شابًا يبحث عن أمه بين أنقاض حيٍّ دمّره القصف، يناديها ويحفر بيديه العاريتين وكأن الزمن سباقٌ مع الحياة. تقول: "هممت بتصوير المشهد، ثم تراجعت، إذ شعرت أن الكاميرا قد تخون وجعه وتكشف ألمه دون إذنه. من بعيد، رأيته يربّت على شعرها كمن يهدّئ طفلًا، محاولًا منحها لحظة طمأنينة وسط الخراب، فبدت تلك اللحظة أكبر من أن تحتملها أي عدسة، ومحمّلة بمسؤولية تتجاوز التوثيق إلى احترام وجع الإنسان قبل عرضه".
تتابع آية: "وفي مكانٍ آخر، كان رجلٌ مسنّ يجلس على الأرض يجمع دفتره وكتبه المبعثرة، كمن يلمّ شظايا حياته، كل ورقة يستعيدها كانت جزءًا من ذاكرته، وكل صفحة تعيد إليه شيئًا من إنسانيته المفقودة".
وتلفت العديني: "ما جعلني أبكي حقًا لم يكن الدمار المادي وحده، بل صمت الناس الذي كان أحيانًا أبلغ من أي صراخ، وكيف تحوّلت حياتهم إلى محاولة مستمرة للبقاء إنسانيين وسط الخراب".

حين بكت الكاميرا بصمت
بعد إحدى ليالي التصوير الطويلة تحت القصف، عادت العديني لمراجعة اللقطات، فواجهت مشاهد لم تعد تحتملها. كانت العدسة ثابتة وباردة، تسجّل كل شيء بوضوحٍ قاسٍ، بينما كانت هي خلفها تنهار بصمت. من هنا خرجت عبارة "عين الكاميرا لا تبكي، لكن قلبي فعل".
من تلك اللحظة وُلدت فكرة الكتاب، ليس فقط كعنوان، بل كاعتراف صادق بأن الصحافية أو الصحفي، مهما تظاهر/ت بالقوة، يظل/ت قلبًا ينبض بالألم، يبكي/ت بصمت خلف كل صورة تهزّ العالم ولا يسمع أحد صوته/ا.
أدركت آية أن الكلمات يمكن أن تكمل العدسة، وأن الكتابة قادرة على إيصال ما لم تستطع الصورة نقله.
وهكذا بدأت آية الكتابة صفحةً بعد أخرى، في محاولة للتحرر من صمت القصف وإعادة الصوت إلى القصص المنسيّة، وجعل الكتاب مساحة للحظات لم تستطع الكاميرا التقاطها إلا ببرودها. لكن كتابة الكتاب ونشره في ظل الحرب كان تحديًا يوميًا، بين الركام ودويّ الانفجارات، في ظل انقطاع الكهرباء وتقلّب الهدنات وشعور دائم بعدم اليقين. ومع ذلك، شكّلت الكتابة لها متنفسًا ووسيلة للتحرر من الألم، ومحاولة لتوثيق ما تعجز الكاميرا وحدها عن روايته.
وعن أبرز التحديات في رحلة إصدار الكتاب، توضّح العديني أن أصعبها كان تنظيم الأفكار وترتيب الفصول في ظل حياة غير مستقرة، ومكان كتابة يتغيّر تبعًا للأوضاع. كانت تكتب أحيانًا على ضوء الهاتف أو الحاسوب المحمول، وتتوقّف أحيانًا أخرى خوفًا على سلامة أسرتها. كما شكّل النشر تحديًا إضافيًا، من التواصل مع الناشرين إلى متابعة الجوانب التقنية للطباعة والنشر الإلكتروني، في ظل القصف المتواصل وانقطاع الإنترنت.
وتتابع: "حتى الآن، لم يُنشر كتابي بالكامل بعد، وهو في مرحلة الترويج بالتعاون مع دار الهالة للنشر والتوزيع المصرية، التي رافقتني منذ البداية وقدّمت دعمها في كل خطوة، من ترتيب وتنقيح الفصول وصولًا إلى التحضير للطرح. لقد وضعت ثقتها بالكتاب، وآمنت بالفكرة، وقدّمت له الرعاية التي يحتاجها". يُذكر أن الكتاب سيُعرض قريبًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
وسط هذه الخطوة الكبيرة، الداعم الحقيقي لآية كان والدها. تقول: "والدي، الذي كان خارج البلاد حين طرحتُ عليه فكرة الكتاب، شجّعني منذ البداية ودفعني للاستمرار. كلما شعرتُ بالإحباط، كانت كلماته تمنحني القوة لأكمل". كان يتصل بها بحماس ويسأل: "آه يا بابا، وين وصلتي؟ بدي أشوف كتابك، ديري بالك، أول نسخة إلي وبدي توقيعك عليها، وأنا متحمّس أشوف أسلوبك في الكتابة!".
ويقدّم الكتاب، في جوهره، رسالة لكل من يعيش الحرب أو الألم، مفادها أن ثمة دائمًا مساحة للنور، وأن مشاركة القصص الإنسانية خطوة نحو عالم يضع الإنسان قبل الحدث.




























