تسهل الإجابة عن السؤال أعلاه من الناحية الشكلية: ففي الحقيقة وبكل بساطة، "لا أحد يسأل عن النساء في الشرق الأوسط". المشكلة لا تكمن في سرعة إيجاد الإجابة، بل تأتي مما خلفها؛ من حقيقة أن هذا الشرق الأوسط المجنون يفرض على نسائه حياةً مستحيلة في ظل الحروب المشتعلة، ومصير النزوح والتهجير والعنف الذي يطاول كثيرات.
لا شكّ في أن المأساة لا تميّز جندرياً بين سكان هذه المنطقة الموبوءة، إلا أن النساء يتحمّلن، في الأزمات الحالية كما في كلّ مرة، معاناة مضاعفة. فعليهنّ تحمل العنف المفروض عليهنّ أصلاً (اقتصادياً وجسدياً وسياسياً)، إضافة إلى العنف والقهر اللذين تفرضهما ظروف الحروب ومشاهد الموت وفقدان الأمل.
ثلاثُ جبهات من القهر والأرقام الصادمة
من سوريا إلى لبنان وفلسطين، تتشابك خيوط النزاعات المسلحة لتشكل ثلاثُ جبهات من القهر، حيث يبدو صراخ النساء خافتاً وغير مسموع. وفي ذلك كله، فمعاناة النساء تتحول إلى عبء مضاعف يهدد بتقويض المكاسب الهشة التي تحققت في العقود الماضية. في قطاع غزة تحديداً، يظهر تأثير الحرب بشكل وحشي ومباشر، حيث تؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن ما يقرب من 70% من ضحايا الحرب الذين تم التحقق منهم هم من النساء والأطفال. كما أدت الحرب إلى نزوح قرابة مليون امرأة وفتاة، وفقاً لتقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، مما يضاعف تعرضهن للجوع والمرض والخطر. وتكشف هذه الأرقام العنف المتفاقم في سياقات النزوح، حيث تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن عدد التقارير حول العنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالنزاعات ارتفع بنسبة 50%، وشكلت النساء والفتيات 95% من الحالات الموثقة. ويتسبب الصراع أيضاً في حرمان ملايين الفتيات من حقهن الأساسي في التعليم؛ وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) إلى أن حوالي 7.5 مليون فتاة في المنطقة العربية حُرمن من التعليم بسبب النزاعات المسلحة وحدها.
قصص من الخطوط الأمامية: يسرى وأحلام
هذه الأرقام التي قد تبدو باردة وجامدة تخفي قصصاً مؤلمة عن نساء أُجبرن على تجاوز حدود الانهيار.
تروي يسرى، إحدى النازحات من جنوب لبنان، قصتها بعد مرور نحو سنة على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله: "لقد فقدت منزلي... ومنذ الحرب ونحن نعيش عند أقاربنا، أنا وثلاثة أطفال وزوجي المصاب. الدمار أخذ كل شيء حتى كشكنا الصغير لبيع القهوة".
من سوريا إلى لبنان وفلسطين، تتشابك خيوط النزاعات المسلحة لتشكل ثلاثُ جبهات من القهر، حيث يبدو صراخ النساء خافتاً وغير مسموع. وفي ذلك كله، فمعاناة النساء تتحول إلى عبء مضاعف يهدد بتقويض المكاسب الهشة التي تحققت في العقود الماضية.
تعمل يسرى الآن في تنظيف المنازل حتى تعيل عائلتها، بخاصة أن زوجها لم يعد قادراً على العمل بعدما فقد جزءاً من بصره بسبب الشظايا. وحتى بعد مرور كل هذا الوقت، ما زال عشرات الآلاف غير قادرين وقادرات على العودة إلى بيوتهم بسبب الدمار أو استمرار الوجود الإسرائيلي.
"سنوات طويلة بلا مأوى حقيقي... لكنني تحمّلت وصمدت لأجل أطفالي ولم أكد أملك رفاهية الانهيار"، هكذا تلخص أحلام، وهي لاجئة سورية في لبنان، معاناتها الطويلة والمعقدة. هربت أحلام من سوريا عام 2012 وعاشت ظروفاً صعبة بعد مقتل زوجها في الحرب. رغم أنها تحمل دكتوراه في العلوم الاجتماعية، اضطرت للعمل في كلّ شيء، من التنظيف إلى بيع الألبسة والخدمة في المقاهي، متحمّلة التحرش والاستغلال والابتزاز مقابل لقمة العيش، لأن "الشهادات لا تشبع جوع أطفالي" بحسب قولها.
أمل أحلام الأخير في العودة إلى حمص تبدد بعد سقوط النظام، إذ تبين أنها فقدت منازلها ومحلاتها هناك أيضاً، "فقدت آخر أملي، كنت أريد أن أرتاح قليلاً وأبيع ما أملك حتى أحقق أحلام أطفالي، وربما بعضاً من أحلامي التي قضمتها الحرب".
حين سألناها عن أحلامها، قالت: "أريد أن أفتح مركزاً اجتماعياً لمساعدة الأطفال من ضحايا الحرب، لعلّني أخفف بعض الجراح المفتوحة".
تواجه النساء في الشرق الأوسط تحديات على مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والسياسية والجسدية، وفي الحروب والأزمات تتضاعف تلك المعاناة.
فالنساء، خصوصاً اللواتي أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن في ظل غياب أو مقتل أو إصابة الأزواج، يُجبرن على خوض سوق عمل يفتقر لأدنى شروط الحماية. هذا التحول القسري للمرأة من دور إلى آخر يتركها عرضة للاستغلال والتحرش والابتزاز، كما روت لنا أحلام. كما أن العبء النفسي هائل؛ فالنساء غالباً ما يتحملن مسؤولية الرعاية النفسية للأطفال في خضم مشاهد الرعب والموت، دون أن يجدن مساحة خاصة لمعالجة صدماتهن.
هذه المعاناة الصامتة تستنزف طاقة المرأة، وتضعف قدرة المجتمع بأكمله على التعافي. وفي المخيمات والمناطق الحدودية الهشة، تتعرض النساء لخطر مضاعف بسبب الاكتظاظ وانعدام الخصوصية، ما يحول حياتهن اليومية إلى صراع دائم من أجل الكرامة وبعض الهواء لمواصلة التنفّس قدر المستطاع.
قد تنتهي الحروب، قد تأخذ هدنة، قد يقول صاحب الدبابة، "هذا يكفي الآن"، ويسكت صوت القصف لبعض الوقت... لكنّ الجراح لا شيء يسكتها، ومن خسرت كل شيء، أي تعويض قد يكفيها؟




























