نيبال الهسي – تصوير لميس الأسطل
نيبال الهسي، 25 عامًا، من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، محبة للحياة، عاشقة للتعلم، تخصصت بالترجمة في جامعة الأزهر وتفوّقت في دراستها. في عامها الدراسي الأخير تقدم لها زوجها السابق، فأحبته متحدية رفض عائلتها، لتكوّن معه أسرة صغيرة.
بعد عام من زواجها، أنجبت طفلتها "ريتا"، واضطر زوجها للسفر إلى الداخل المحتل للعمل بسبب ديونه ووضعهما المادي الصعب. بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، سُجن زوجها مؤقتًا وأُفرج عنه لاحقًا في جنوب القطاع. نزحت نيبال وابنتها إلى منزل عائلتها لمدة ستة أشهر تحت القصف.
لاحقًا، طلب زوجها أن تنتقل إليه في الجنوب، فتحدّت عائلتها ونزحت وحدها مع ابنتها متجاوزة الحاجز الإسرائيلي، ثم استأجروا مسكنًا متواضعًا في مخيم البريج وسط القطاع، مستمرين رغم صعوبة الظروف.
قذيفة سقطت على المنزل
بعد خمسة أشهر، وفي الذكرى السنوية الأولى للحرب، خرج زوج نيبال لتتبع أثر القذائف العنيفة على منطقتهم، بينما كانت نيبال جالسة على السرير مع ابنتها، سعيدة بلحظة قالت فيها طفلتها "ماما" لأول مرة. في ذلك اليوم، سقطت أربع قذائف على الحي الذي تسكنه، أما الخامسة فسقطت على منزلها مباشرة.
نُقلت نيبال إلى مستشفى شهداء الأقصى في محافظة دير البلح، حيث بُترت إحدى ذراعيها، وتم بتر الأخرى بعد إصابتها بحروق من الدرجة الرابعة. تتابع نيبال بغصة: "أصبت بنزيف في الكبد وإصابة بالغة في إحدى رجليَّ أدت إلى تمزق اللحم، وتركت فراغًا كبيرًا، كما أصبت بحروق من الدرجة الثالثة في أنحاء متفرقة من جسدي. الحمد لله، لم يصب طفلتنا أي مكروه".
بعد يومين، نُقلت نيبال إلى المستشفى الأمريكي، حيث أمضت 40 يومًا تخضع لعمليات شبه يومية. تروي: "ذات مرة عانيت ألمًا شديدًا في بطني فاضطروا لفتحه مرة أخرى". خلال هذه الفترة، كانت ريتا تتنقل بين الأماكن، ويعتني بها الجيران. بعد ذلك خرجت نيبال إلى خيمة في مواصي محافظة خان يونس، لتعيش أيامًا مليئة بالعذاب النفسي والجسدي معًا. تقول نيبال: "طفلتي بالكاد تتعرف عليّ بسبب الإصابات في وجهي، وكانت خائفة مني بشكل مستمر، لكنني عذرتها. كنت دائمًا أتحلى بالصلابة وأظهر قوتي، رغم أنني ما زلت تحت تأثير الصدمة".
انهيار العائلة الصغيرة
وعن محاولتها التأقلم مع معاناتها بعد البتر، استعانت نيبال فتاة لمساعدتها وابنتها، وكان الأمر صعبًا جدًا لغياب أبسط مقومات الحياة، حتى استخدام المرحاض، والذي كان يسبب لها إحراجاً كبيراً. تتابع نيبال: "وفي ذلك الوقت صارت ابنتي تنادي الفتاة التي تعتني بي بـ'ماما'، وكان ذلك أكثر جزء آلمني في القصة كلها ".
كان زوجها في البداية داعمًا لها، يطمئنها دائمًا بأنه سيكون اليدين اللتين فقدتهما، فشعرت براحة وطمأنينة رغم كل شيء.
بعد عودة العائلة الصغيرة إلى منزلهم، لاحظت نيبال تغيرًا في تصرفات زوجها ومعاملته. تقول: "بات زوجي قاسيًا ويجرحني كثيرًا، ويرفض مساعدتي في تناول الطعام، ويخبرني بأنه مشغول دائمًا، ويغضب عليّ كثيرًا، حتى جاء اليوم الذي طلب فيه الانفصال صراحةً".
تتابع قائلة: " طلبت منه الصبر حتى أتمكن من السفر لتلقي العلاج في الخارج وتركيب أطراف صناعية. كنت أتساءل كيف سأعتني بريتا وأتابع أمورها وحدي، وعندما تكون معه سأظل خائفة وقلقة عليها وسط القصف والتدمير، لكنه رفض تمامًا. فخرجت من منزلي مع ابنتي ليلًا، متوجهة إلى منزل والدي".
"يدي غابت، لكن قلبي ما زال يحتضن ريتا"
كل ما كانت تريده نيبال هو بقاء طفلتها تحت جناحيها، لكن انفصال زوجها عنها وذهاب الطفلة إليه غيّر الوضع. بدأت علاقة نيبال بريتا تنقطع لفترات طويلة، وكانت الطفلة تنسى أنها والدتها. كما عمل زوجها على إبعادها عنها، بحسب كلام نيبال، وعندما زارتها بين الحين والآخر، لم تكن قادرة على الاعتناء بها كما ينبغي، إذ كان والداها في سن الشيخوخة، وشقيقتها النازحة فقدت أولادها مؤخرًا ولا تزال تحت تأثير الصدمة. تقول: "كنت أشعر أنني عبء على الجميع، وأدفع أجرًا لكل من يساعدني مع ابنتي حتى لا أثقل عليهم. يدَي غابتا، لكن قلبي ما زال يحتضن ريتا"
وتشير الهسي إلى أنه مع عودة الحرب بعد انتهاء الهدنة، انتقل زوجها وابنتها إلى الجنوب، بينما بقيت هي مع عائلتها، وكان زوجها يوضح لها أن ريتا في حضانته لأنها عاجزة عن رعايتها. تقول: " لم أكن مطلقة رسميًا منه، لأنه يرفض ذلك لتجنب دفع مستحقاتي المالية، فلم يكن أمامي شيء سوى الخلع". والخلع فسخ عقد الزواج بناءً على رغبة الزوجة مقابل تعويض تدفعه للزوج.
"أخبرني أنه حتى ولو استطعت السفر لتركيب الأطراف، فلن يسمح لي بأخذ ابنتي معي"
وتختتم حديثها: "بعد أشهر قررت الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي لأروي قصتي ومعاناتي، علّني أتمكن من تركيب الأطراف الصناعية والعودة إلى حياتي الطبيعية، للاعتناء بابنتي والحفاظ على حضانتها. وحتى اللحظة، ما زلت عالقة وغير قادرة على تحقيق أهدافي، ومع ذلك تأثرت كثيرًا عندما رأيت تعاطف الناس مع قصتي، وشعرت بعوض الله في محبتهم لي".
قصة نيبال واحدة من آلاف القصص لنساء وفتيات فقدن أطرافهن في الحرب، ويواجهن معاناة مزدوجة؛ بين ألمٍ نفسي لا يهدأ، وضغطٍ اجتماعي يضاعف قسوة الحياة بعد الفقد.
وفقًا للإحصائيات الرسمية، بلغ عدد الجرحى الذين يحتاجون إلى تأهيل طويل الأمد حوالي 19 ألف جريح، بينهم أكثر من 4800 حالة بتر، مع 18% من الأطفال و11% من النساء.
من جهته، يذكر طبيب العظام في مجمع ناصر الطبي بمحافظة خان يونس، محمد شموط، أن عدد حالات البتر التي أجراها منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة كبيرة جداً. يقول: "قمنا ببتر طرف طفل لم يتجاوز العشرة أيام، وآخر لم يتجاوز العشرة أعوام بُترت يديه، بالإضافة إلى شابة مخطوبة بُترت قدمها وانفصل عنها زوجها، والنساء الحوامل اللواتي بُترت أطرافهن وأجهضن أجنتهن".
ويشير شموط إلى أن معظم عمليات البتر نجمت عن انفجارات أو قصف إسرائيلي أو طلقات نارية أدت إلى تهتك شديد في العظام والأنسجة، موضحًا أن الأطباء والطبيبات يلجأون/ن للبتر حين يستحيل إنقاذ الطرف أو السيطرة على الالتهابات. ويؤكد أن النظام الصحي في غزة منهار بسبب كثرة الإصابات ونقص المعدات والأدوية، والحاجة ماسّة إلى الأطراف الصناعية لدعم مبتوري الحرب.




























