الحمرا، كان اسم الشارع وحده يعني "الضهرة" باللهجة اللبنانية، أي الخروج. كان والدينا يقولان: "البسوا لنكزدر بالحمرا" أي لنتمشى في شارع الحمرا.
كان التجوّل لساعات، والتوقّف لدقائق أمام واجهات المحلات الضخمة التي لا نملك ثمن ما فيها، يمنحنا فرحاً لا يوصف. لا أعلم السبب، لكن ذلك الشعور كان يشبه سعادة الأطفال البريئة، التي يدهشها كل ما يوحي بالعظمة. وشارع الحمرا كان واحداً من تلك الأشياء.
كان حيّ الحمراء من أبرز الواجهات السياحية للعرب والأجانب، احتضنت فنادقه ومطاعمه ومقاهيه الزوّار/ ات لسنوات طويلة، قبل أن تضربه الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلد، وتحوله تدريجياً إلى شارع شبه خالٍ، حتى من سكّانه.
لم أكن أتخيّل أنه في يوم من الأيام سأصبح من سكان الحمرا، الوجهة السياحية للعرب والأجانب "أيام العزّ"، عندما كنّا وكانت بيروت بخير، أو أنني سأتحوّل إلى زبونة لتلك المتاجر التي كنت أنظر إليها بعيون حالمة، حين وقفت أمام واجهاتها قبل حوالي عقدين من الزمن، لأتقصّى ما هي أبرز الأزياء والألوان "الدارجة".
يقول المثل الشعبي "ربّ ضارة نافعة"، ولسخرية أقدارنا، الحرب كانت سبباً في هذه النقلة النوعية بحثاً عن الأمان بعيداً عن الإستهدافات الإسرائيلية التي لم توفر حتى العاصمة وحتى قبل ساعات من دخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ.
كنت أظن أن مكوثي في الشارع المكتظ، "شارع المقدسي"، لن يطول أكثر من أيام. من كان يتوقّع أن تطيل الحرب نُزوحنا حتى اليوم؟ وأن الحمرا سيتحوّل إلى "الحيّ المألوف" الذي أخرج فيه إلى الدكّانة القديمة بـ"البيجاما والمعطف الفرو".
أربعة أشهر فقط كانت كافية لأكسر تلك الهالة التي كانت تلف شارع "الضهَرات" في طفولتي، وتحوله في نظري إلى شارع عادي، أضيق بزحمته وأتذمّر من صخبه.
التعرف من جديد على حيّ الحمرا
في اليوم الأول من النزوح، جُلت الشوارع سيراً على الأقدام أبحث عن بدائل لما تركته خلفي في عجلة الهروب: مناديل، ملابس داخلية، كوب قهوة أستمتع به كل صباح، وأخيراً زاوية أُحوّلها إلى "منطقتي الخاصة" (My Zone)، ألوذ بها للكتابة.
هناك، تعرّفت على حسن، الشاب الثلاثيني الذي يحبُّ قطط الشارع ويطعمها. أطلقنا أسماءً على تلك القطط لاحقاً. يملك حسن كشكاً صغيراً لبيع الكتب والمجلات على الشارع الرئيسي. تبادلنا التحيات الصباحية، فناجين القهوة، والكثير من النقاشات أمام الكشك الملوّن. ومع مرور الأيام، أصبح حسن بمثابة "ابن الحيّ" خلال فترة النزوح.
زرت مقهى "الشجرة"، الذي يعرفه روّاد الحمرا في شارع "جان دارك"، للمرّة الأولى. إنارته الخافتة، طعامه اللذيذ، وقططه التي تستقر بأمان على كراسيه الخشبية، كلّها تفاصيل جعلتني أتساءل مراراً: "لماذا لم أعرف هذا المكان من قبل؟"
حينها فقط أدركت أن الحمرا ليست مجرد متاجر وواجهات فخمة كما عرفتها في طفولتي، بل هي أيضاً زوايا وأركان ومقاهٍ تشعرك بدفء "البيت" الذي حرمتنا منه الحرب.
لعلّ أيّام السلم لم تكن لتقودني إلى تلك الأزقّة لاستكشافها، لكنّ الحرب دفعتني إلى فرض نفسي على المكان كجارة جديدة. كلّ ما حولي بات "الحيّ" الذي يحقّ لي التسكّع فيه والتجوّل بين زواياه، غير آبهة بنظرات الاستغراب التي كانت تلاحقني بسبب حجابي، الذي كان يشعرني بالثقل وعدم الانتماء إلى أماكن كنت أحب ارتيادها.
كسرت الحرب هذا الحاجز في نظري، فالأشياء التي تجمعنا تفوق بكثير ما قد يفرّقنا من خلفيات دينية أو سياسية. والتناقض، في هذا السياق، هو أجمل ما فينا: كوب شاي على طاولة يقابله قدح عرق، ذلك المشروب الكحولي الشهير في لبنان، ورقص حتى الصباح يتقاطع مع من يمضي إلى المسجد عند الفجر. كلّ ذلك لا ينفي شيئاً، بل يؤكّد أننا نحب الحياة، ونعبر عن هذا الحب كلٌّ بطريقته، بطقوسه، وبسلوكياته التي تشبهه.
كسرت الحرب هذا الحاجز في نظري، فالأشياء التي تجمعنا تفوق بكثير ما قد يفرّقنا من خلفيات دينية أو سياسية.
"حياتي في شنطة"
ولأننا تعوّدنا دائماً أن نبحث عن الجانب المشرق حتى في المصائب والأحزان، حفاظاً على صحتنا النفسية وسط إعصار "الحياة". دفعتني الحرب إلى عيش تجارب جديدة وقاسية في الوقت نفسه ودروساً سأتعلّم منها، مثل تقدير الأمور البسيطة ومعرفة قيمتها الحقيقية التي لا تُقاس بثمن مادي، فقيمتها الحقيقية تكمن في حبّنا للحياة.
في الحرب، كنّا في مواجهة دائمة مع الموت. في أي لحظة، قد تسقط قذيفة أو صاروخ ينهي حياتك بلا سبب. لذلك كنت أعيش كلّ لحظة كما لو أنها الأخيرة، وأستلذ بها كأنها هدية مؤقتة.
الحرب كانت اختباراً قاسياً، لكنها أيضاً كانت تأكيداً على أننا لا نريد أن نكون ضحايا، بل ناجين. ناجين من كلّ محنة أو تجربة أو لحظة ظننا فيها أنه لا مخرج ولا أمل. لكن يبقى الأشد وطأة من كل شيء: أن تعيش في شنطة. أن تضطر لحمل حياتك في حقيبة صغيرة، هذا أبشع ما يمكن أن يعيشه الإنسان.
الشنطة دائماً جاهزة لنَفرَّ، لنترك المكان الذي نسكنه مؤقّتاً، ولنخوض رحلة جديدة من النّزوح والتشرّد. الشنطة أصبحت بيتي، وحياتي المصغّرة. وهنا سأقرّ وأعترف: أنّني أصبحت أكره حقائب السّفر. أكره النّظر إليها، لأنّها لا تذكّرني بشيء سوى أنّني سأحملها بحثًا عن الاستقرار والأمان، بعيداً عن الحرب والموت، ليس لأجرّها في ردهات المطار والدرج الكهربائي، لقضاء رحلة ترفيهيّة في بلد ما.




























