هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
"بو ع الطّابو": تفكيك العقليات الأبوية
بأسلوب يجمع بين الدعابة والجدية، تقف ستيفاني حداد بمفردها خلف الميكروفون لتفكيك الصور النمطية الجندرية، والتصرفات الذكورية، والأفكار التي يقوم عليها النظام الأبوي. في غضون خمس دقائق فقط، تستخدم صانعة المحتوى اللبنانية أسلوب التساؤلات والمقارنات لتسليط الضوء على الظلم الذي تتعرض له النساء، وانعدام المساواة بينهن وبين الرجال في المجتمعات العربية. وهي فجوات تمتد إلى ثقافات أخرى حول العالم، ولا تقتصر على هذه المجتمعات فحسب.
وتتساءل ستيفاني حداد بنبرة غاضبة: "كيف؟ كيف؟ كيف نلوم الضحية عندما تتعرض للاغتصاب في العالم العربي؟" ثم تدين بحدّة كل من يعتبرون الحديث عن الدورة الشهرية (الحيض) أمراً مخجلاً، قائلة: "عار عليكم!" قبل أن تواصل تفكيك المعتقدات السائدة.
يعتمد نجاح هذا البودكاست إلى حدّ كبير على شخصية ستيفاني حدّاد المؤثرة والجريئة، إذ يتجاوز عدد متابعيها 35 ألف شخص على إنستغرام، حيث تنشر محتوى يتماشى مع المواضيع التي تطرحها في "بُو عَ التابُو".
في إحدى المقابلات المصوّرة مع الـ "دي جي" اللبناني جاك سليمان، علّقت ستيفاني قائلة: "كنت أعتقد أن الناس سيتابعونني بسبب حسّ الدعابة الذي أتمتع به، لكنني فوجئت بأن معظم الرسائل التي أتلقاها يسألني أصحابها وصاحباتها: ’كيف يمكنكِ التعبير عن غضبكِ كامرأة في العالم العربي بهذه السهولة؟!’ بعضهم/بعضهنّ يطلب مني تناول مواضيع معينة، لأنهم/هنّ لا يستطيعون/ن فعل ذلك بأنفسهم/ن".
في كلّ حلقة من حلقات البودكاست، تتجرأ ستيفاني حدّاد على كسر أحد التابوهات، ببساطة وفعالية. ألم يحن الوقت لنقول "بُو"؟
يمكن الاستماع إلى المواسم الثلاثة من "بُو عَ التابُو" بنسختيه: الصوتية على موقع منصة "وومينيا(Womena)"، والمرئية على منصة "يوتيوب".
"نساء على المحك: من الهيمنة على النساء إلى قتلهن" – حين يصبح الخاص سياسياً (باللغة العربية مع ترجمة فرنسية)
يصعب الاختيار بين البودكاستات المتميزة المنشورة ضمن ركن "نسويات" على منصة الاستماع التابعة لوسيلة الإعلام التونسية المستقلة "إنكفاضة".
في سلسلة "نساء على المحك: من الهيمنة على النساء إلى قتلهن"، التي تتألف من أربع حلقات، اعتمد فريق تحرير هذه الصحيفة الرقمية على المزج بين الشهادات والتحليل، لتفكيك العنف الممنهج الذي تتعرض له النساء، والذي قد يصل في بعض الحالات إلى القتل.
من خلال سرد قصص رفقة الشارني، التي قُتلت على يد زوجها الضابط في الحرس الوطني، وأميرة، الناجية من عقد كامل من العنف الزوجي، وسعاد، المدانة بقتل زوجها المُعنِّف، يسعى هذا البودكاست إلى "تكريم ذكرى" هؤلاء النسوة" و"إحقاق العدالة" لصالحهن.
ورغم أن جميعهنّ تقدمن بشكاوى، فإنهن لم يحصلن على أي حماية من الجهات الأمنية المعنية.
وعلى امتداد الحلقات الأربع، تتكشف للمتابع/ـة مواطن الضعف والانهيار في النظام القضائي، الذي يُفترض أن يحمي الضحايا ويعاقب المعتدين. لكن البودكاست لا يكتفي بذلك، بل يناقش أيضاً دور المجتمع في تطبيع العنف وتشجيعه أحياناً، مما يعزز الإفلات من العقاب.
خُصصت الحلقة الأخيرة لتناول التغطية الإعلامية لقضايا العنف ضد النساء، حيث تغيب المعايير الأخلاقية والمهنية في كثير من الأحيان.
توضح نجود الرجبي، مخرجة البودكاست، النهج التحريري الحذر الذي تمَّ اعتماده لمعالجة هذا الموضوع الحساس: "كان هدفنا إعطاء الأولوية لأصوات الضحايا وشهاداتهن، مع وضعها في سياقها عبر تحليلات الخبراء، ضمن حدود ما هو مقبول لهنّ وما يشعرن بالراحة في الإفصاح عنه. كنّا شفافات تماماً في نهجنا، وخلال المقابلات، منحنا الضحية حرية التعبير الكاملة، مع إتاحة خيار الحفاظ على هويتها مجهولة، إن شاءت."
جميع الحلقات متاحة للاستماع هنا.
"مساحة": الاستماع إلى الناشطات في العالم العربي (باللغة العربية)
بودكاست "مساحة" من إنتاج شبكة البودكاست المستقلة "صوت"، بالشراكة مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، وهو الآن في موسمه الرابع.
على مدار حوالي ثلاثين دقيقة، تقدم ناشطات عربيات من جنسيات مختلفة وجهات نظرهن وتأملاتهن حول قضايا اقتصادية واجتماعية من منظور نسوي، مثل "ما هي العدالة الاجتماعية؟" و"كيف تواجه النساء تحديات سوق العمل؟".
لا يتبع البودكاست أسلوب الحوارات التقليدية المسجلة التي توهم بأنها مباشرة، بل تقود الصحفية النقاش من خلال خيط ناظم، وتعيد تركيب المداخلات بمهارة عبر المونتاج، مما يسمح بتقديم الحجج والأفكار بطريقة سلسة ومفهومة.
وباعتباره مكمّلاً لـ "عيب"، وهو بودكاست آخر من منصة "صوت" يستكشف القواعد الاجتماعية والأدوار الجندرية عبر قصص شخصية، يقترح بودكاست "مساحة" مجالاً للنقاش الفكري العميق والتحليلي.
وقد خُصصت العديد من حلقات الموسم الثاني لاستكشاف مختلف الحركات النسوية، مثل: "النسوية بعد الاستعمار" و"النسوية التقاطعية" و"النسوية البيئية". أما الموسم الحالي، فيركز على قضايا النساء في مناطق النزاع المسلح مثل السودان، والصحراء الغربية، وغزة.
منذ انطلاقه عام 2019، حظي بودكاست "مساحة" بمتابعة جمهور يُقدّر بنصف مليون شخص، أكثر من النصف منهم من السعودية، التي تتصدر قائمة الدول التي تحظى فيها شبكة "صوت" بالمتابعة.
تقول رنا داوود، منتجة البودكاست: "هذا رقم جيد، خاصة بالنظر إلى طبيعة المحتوى". وتضيف موضحة: " "مساحة" ليس بودكاستاً من النوع الخفيف، بل يتطلب انتباهاً وتركيزاً".
ويحتلُّ جمهور هذا البودكاست في مصر والإمارات، ومعظمهم/ ن من النساء، حيزاً لا بأس به. وتوضح رنا داوود قائلة: "نعتقد أن مستمعينا/مستمعاتنا لديهم/هنّ خلفية معرفية حول المواضيع التي نناقشها، فهم/هن لا يأتون/ين لاكتشافها للمرة الأولى."
وانطلاقاً من التعليقات التي تصلهم من المتابعين/المتابعات، تستخلص رنا أن العديد منهم/منهن ناشطون/ات وصحفيون/ات وباحثون/ات، مشيرة إلى أن بعض الأساتذة يستخدمون/ن حلقات من البودكاست كمادةٍ تعليميةٍ في الجامعات.
جميع الحلقات متاحة للاستماع هنا.
البودكاست: فضاء للتعبير الحر والآمن
بالنسبة لمن يتولون إنتاج هذه البودكاستات، يُعدّ هذا الوسيط الإعلامي أداةً فريدة من نوعها تتمتع بالعديد من المزايا. وتقول رنا داوود من شبكة "صوت" في هذا السياق: " إنه وسيلة فعالة لجمع الناس حول تجارب مشتركة، حيث تُتاح مساحة كافية للنقاش العميق، دون قيود كثيرة. كما أن عدد الكلمات ليس محدداً مسبقاً، كما هو الحال في الإعلام المكتوب. والمتابعون يصغون بانتباه، ونحن نتحدث إليهم بشكل مباشر."
وتؤكد منتجة الموسم الأخير من بودكاست "مساحة"، بسنت سمحوت، على نفس الفكرة قائلة: " يمنحنا هذا الشكل من الإعلام حرية تناول مواضيع لا نستطيع التطرق إليها بنفس الطريقة عبر الوسائط الأخرى، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي. أشعر أنه أقل عرضة للرقابة، لأن البودكاست يُبث فعلياً في كل مكان."
من جهتها، ترى نُجود رجبي، التي عملت سابقاً مع منصة "انكفاضة"، أن للصوت قوة تأثيرية خاصة، لا سيما في الموضوعات الحساسة التي تتطلب شهادات شخصية، كما كان الحال في "نساء على المحك: من الهيمنة على النساء إلى قتلهن". وتشرح الصحفية قائلة: "التحدث أمام الكاميرا يثير فينا رهبة أكثر وشعوراً بأن هناك من يتطفل علينا، في حين أن البودكاست يجعل الضيفات أكثر ارتياحاً. إن الصوت قادر على نقل مشاعر قوية، وأشعر أحياناً أنه يؤثر فيّ أكثر من الوثائقيات المصورة."
وتؤكد كلّ هذه الحقائق أن البودكاست وسيلة ثمينة لإسماع أصوات النساء وجعل نضالاتهن مسموعة ومدوية.




























