كانت فقرة الرقص المسائية أشبه بالمقدّسات في طفولتي ومراهقتي، وامتد الأمر إلى أولى سنوات الجامعة، إلى أن أجلسني الخجل أمام برامج "التوك شو" التلفزيونية أو خلف صفحات الكتب.
لم أكن أفهم حقاً ما الذي كنت أواظب على التعبير عنه أو إفراغه عبر رقصي الذي كان دوماً أشبه بعرض مسرحي، مرفق بالغناء بصوت عالٍ. أعرف الآن أنني كنت أدافع عن حريتي وعن فردانيتي وعن جسدي وروحي. لا يستدعي الدفاع دوماً، اعتداءً مباشراً أو احتكاكاً حسياً مع معتدٍ ما، إنه دفاع بالمطلق عن الأنثى الصغيرة التي كانت تريد التحليق وكانت في لا وعيها تعرف أن لذلك أثماناً وضرائب، وأن الحرية في عالم النساء تستدعي غالباً الكثير من التعب والكثير من البكاء.
كنت في الرابعة عشرة ربما يوم أدّيتُ دور فيروز في مسرحية "بترا"، ضمن احتفالية صغيرة مع شبان وشابات الكنيسة في القرية. يومها خرجت مني بترا الصغيرة وانتفضت أمام العالم.
الجميع يومها أثنى على أدائي، لكن العرض لم ينتهِ مع انتهاء الاحتفالية، فقد ظللتُ أعيد تمثيل المشاهد أمام المرآة، مشغّلة "الكاسيت" القديم، الذي ما زلت أحتفظ به في درجي. بقيت "بترا" تتفجر بتمرّدها وجبروتها حتى لبستني الشخصية تماماً. وكان العرض المنفرد احترافياً لدرجة أنني لم أكن أؤديه سوى بالفستان الطويل ذاته ذي الكمّين الواسعين، وتسريحة الشعر المرفوع عن الكتفين والمكياج الفاقع. كانت "بترا" أول وعيي النسوي ربما.
ذات ليلة سأرقص انتصاراً لكل اللواتي قُتلن أو قُمعن أو اضطُهدن أو مورست على أجسادهن الوصاية... لأنهنّ أردن الحرية وحسب.
بعد ذلك عدتُ إلى الرقص المسائي أمام المرآة، وهو رقص بصراحة استمر معي حتى اليوم، إذ يشدّني الحنين حين أزور أهلي في القرية إلى الوقفة ذاتها والشعور ذاته، فأدخل غرفتي، أقفل الباب وأرقص. لكنّ طاقتي على الرقص المنفرد تخاذلت وباتت خاصرتي تعاندني، إذ تشعر بالإنهاك بعد وقت قليل.
قبل سنوات قليلة، في زيارتي الأولى إلى سوق طرابلس الشعبي، هالني مشهد بدلات الرقص الشرقي بمحاذاة محلات بيع الحجاب والنقاب... وقفتُ طويلاً هناك أسأل الباعة عن التفاصيل، مَن يشتري بدلات الرقص؟ متى كان افتتاح المتجر؟ من يصنع البدلات؟ كم سعرها؟
قالت صديقتي إن بإمكاني شراء واحدة إذا أردت... عادت الراقصة الصغيرة إلى الحياة فجأةً، تخيلت نفسي أرقص بكل ما أوتيت من طاقة أمام مرآة تعرفني وتعرف تجاعيدي والوزن الزائد الذي اكتسبته بسبب الكسل والجلوس خلف الشاشة كلوحة ثابتة، لا تحرّك سوى أصابعها. لكنّ شيئاً ما منعني، وشعرت بأنني لن أرتدي بدلة الرقص تلك إطلاقاً، اكتفيت بشراء منديل يوضع حول الخصر.
في الليلة التالية، أخبرت أصدقائي أنني اشتريت مشلحاً للرقص، أتذكّر عيونهم وهم يفكّرون بأنني أفصح لهم عن أمر بغاية السذاجة. أحضرت المنديل وربطته على خصري وضحكنا... إحدى الصديقات امتعضت، أمسكت يد حبيبها بسرعة وغادرا.
كان مشلحاً فقط ولم تكن بدلة كاملة، لكنها كانت كافية لإثارة الرعب، الحرية تثير الرعب عند الذين لا يفهمونها.
حين زرت مصر في بداية هذا العام، لم أشترِ أشياء كثيرة، لكنني اشتريت بدلة رقص، انتصاراً لبترا وللنساء المؤمنات بالحرية وللراقصات حول العالم وبخاصة الراقصة الصغيرة النائمة في روحي...
ذات ليلة في هذا الأسبوع أو في الأسابيع المقبلة، سأفعلها، سأرتدي بدلتي البنفسجية، سأقف أمام المرآة غير آبهة بأي تجعيدة أو وزن زائد، غير آبهة بشعري الذي لم يعد طويلاً وشبيهاً بشعر الأميرات ولكنه يعجبني.
ذات ليلة سأرقص انتصاراً لكل اللواتي قُتلن أو قُمعن أو اضطُهدن أو مورست على أجسادهن الوصاية... لأنهنّ أردن الحرية وحسب.




























