بين خيام النازحين/ ات في أحد مراكز الإيواء بمخيّم البريج وسط غزة، تمضي فاطمة بخطواتها كأنها النبض الخفيّ للمكان: تمسح دمعة طفل، تُهدّئ جوع امرأة، تربّت على كتف مسنّ أثقله التعب، تسعف مصاباً وتواسي مريضاً. ليست موظفة، بل نازحة مثلهم، غير أنّها تتحرك بينهم كقلب المخيم النابض.
لم تكتفِ فاطمة بمراقبة الواقع القاسي الذي يعيشه النازحون والنازحات الفارّون من القصف والموت الإسرائيلي، بل قررت أن تكون جزءاً من الحل. هكذا بدأت رحلتها كمتطوعة في مدارس الإيواء، تمدُّ يدها حيثما وُجد وجع أو حاجة.

من النجاة للقيادة
تروي فاطمة أبو صليح، 44 عاماً وأم لخمسة أبناء (ثلاث بنات وولدين)، حكايتها مع التطوع الذي تصفه بـ"المقاومة الناعمة". منذ نزوحها في 24 كانون الثاني/ يناير 2024، بعد أن دمّرت الغارات الإسرائيلية محيط منزلها بالكامل، لجأت مع أسرتها إلى مدرسة مكتظّة بمئات العائلات التي تفتقر لأبسط مقوّمات الحياة، وهناك بدأت رحلتها في مراكز الإيواء.
تقول فاطمة: "لم أخطّط يوماً لأن أكون متطوعة بين النازحين أو أن أقود فريق دعم داخل مراكز الإيواء، لكن حين رأيت العائلات المذعورة، والنساء المنهارات، والأطفال، أدركت أن الاستسلام ليس خياراً." وتضيف: "تطوّعي لم يكن طارئاً، بل امتداداً لتاريخ طويل للنساء الفلسطينيات في العمل المجتمعي النسوي."
قبل اندلاع الحرب، كانت فاطمة ربّة منزل، ثم وجدت نفسها نازحة، تمسك أيدي أبنائها، تهرب من الموت بقلب مثقل بالمسؤوليات.وفي خضم الاكتظاظ والانهيارات النفسية داخل مراكز الإيواء، برزت كصوت نسوي فاعل يقود عدّة مهام: حماية الأطفال والنساء من العنف، توفير مساحة أكثر أماناً وسط الفوضى، حلّ النزاعات العائلية، وبناء جسور بين بيئات وثقافات مختلفة اجتمعت قسراً تحت سقف الحرب.
تتابع فاطمة: "قدتُ فريقاً من ثماني فتيات، ولم تكن سلطتي قائمة على منصب رسمي، بل على محبة الناس وثقتهم بي. سرعان ما أصبحوا ينادونني بـ"المختارة"، وهذا اللقب وإن كان يبعث في نفسي الاعتزاز، إلا أنه يضاعف ثقل المسؤولية على كاهلي."
اللحظة الفاصلة في حياة فاطمة كانت حين انخرطت في عمليات الإنقاذ والإسعاف الأولي لجرحى القصف؛ فالتدريب البسيط الذي تلقّته لم يكن كافياً أمام هول ما واجهته في ميادين الحرب. وقد حصلت فاطمة على هذه التدريبات عبر مركز "صحة المرأة" في مخيم البريج وسط غزة، وهو مؤسسة أهلية غير حكومية.
تقول فاطمة: "حين وجدت نفسي أمام أشلاء وجثث متفحمة، أدركت أنني دخلت مرحلة أخرى لا علاقة لها بما تعلمته. كنت أبحث عن الروح في الجسد قبل أن أفكر في الضماد."
تتذكر فاطمة إحدى أكثر اللحظات رعباً حين تعرّضت مدرسة الإيواء في البريج للقصف يوم 6 آيار/ مايو 2025: "كنت أجلس في خيمتي أتحدث مع صديقاتي النازحات، وفجأة دوى قصف مروّع حوّل كل شيء إلى رماد. نجوت بأعجوبة، لكنني رأيت طفلاً يسقط من الطابق الرابع أمام عيني والده، وأشلاءً تتناثر في كل مكان. دُفنت الخيم تحت الرمال، وبدأت أزيح التراب بيدي لأنتشل الجثث. لم أكن أعلم إن كنت ما زلت على قيد الحياة. سحبت أجساداً متفحمة، وأشلاءً ممزقة، ومن بين الركام انتشلت يداً مبتورة لشاب… وجدوا يده ولم يجدوا جسده."

أمّ ومتطوعة لا تعرف الراحة
في كلّ مصاب تراه، تجد فاطمة ابناً أو ابنة، أخاً أو أماً. ترافق الجرحى حتى لحظة العلاج، وإن فارقوا/ن الحياة، تمكث إلى جانب عائلاتهم لتواسيهم كأنها واحدة منهم. بالنسبة إليها، تحوّلت مراكز الإيواء التي تتطوع فيها إلى بيوت ثانية.
تقول ضاحكة: "رغم المجاعة والضيق، النساء في المركز يعزمنني على فنجان قهوة أو طبق بسيط، يرونني جزءاً منهم. وحتى بعد أن عاد كثير من النازحين والنازحات إلى بيوتهم، ما زالت رسائلهم تملأ هاتفي. إحداهن فقدت زوجها، وأرسلت لي تقول: أتمنى أن تكوني معي في هذه اللحظة."
رغم هول المشاهد اليومية التي تواجهها كمتطوعة في مراكز الإيواء، لا تنسى فاطمة دورها كأم وزوجة. بعد عملها، تعود إلى منزلها لتحتضن أبنائها، تحضر وجبات بسيطة على نار الحطب في ظل المجاعة المستمرة، تغسل ملابسهم بيديها، تملأ جالونات المياه، وتعدُّ الصغار للنوم وسط الضجيج والقلق، قبل أن تعود لتتفقد النازحين/ ات من جديد.
تقول فاطمة: "لا يوجد فصل بين كوني أماً ودوري كمتطوعة، يجب أن أكون الاثنتين في الوقت نفسه. هذا قدرنا كنساء هنا. في البداية، لم أكن أعود إلى البيت، وكان أطفالي يشتاقون إليّ كثيراً، لكننا عدنا كعائلة لنعيد ترتيب يومنا، لأؤدي دوري المزدوج: أمٌ ومتطوعة في مراكز الإيواء."
تواجه فاطمة في تطوعها تحديات كبيرة في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، أبرزها المجاعة ومنع دخول المساعدات، لا سيما احتياجات النساء من لوازم شخصية. تقول فاطمة: "عندما تطلب مني نازحة فوطاً صحية، أو حليباً لطفلها الرضيع، أو طحيناً لسد أمعاء أولادها الخاوية، أشعر بضغط كبير. أعلم جيداً مدى الحاجة، لكن هناك فجوة كبيرة، ولا تصل أي مساعدات إلى مركز الإيواء في ظل الحصار المستمر. أحاول قدر المستطاع تلبية احتياجات النازحين والنازحات، مع الخوف الدائم من القصف الذي لا يترك لنا فرصة للراحة وسط التكدس."

دعم النساء وسط الخراب
تقول العديد من النازحات لـفاطمة إن حضور النساء في المراكز يمنحهن شعوراً بالأمان والراحة وسط لحظات القلق الشديد، فوجود نساء مثلها يوفر للنازحات شعوراً بالبيت والتضامن حتى بين البيوت المهدمة.
نهاية، تتوجّه فاطمة إلى النساء في غزة وفي أماكن النزاع الأخرى قائلة: "قوتكن أكبر مما تظنن، ودوركن لا يقل أهمية عن أي جندي في الميدان. لا تترددن في الوقوف والمساعدة، فكل يد تُسهم في بناء مستقبل أفضل.
تُجسّد فاطمة أبو صليح مثالاً حيّاً للبطولة اليومية غير المعلنة، بطولات النساء الفلسطينيات اللاتي ينهضن من تحت الركام ليس للنجاة فحسب، بل ليمدّدن أيديهن للآخرين. لم تكن طبيبة ولا قائدة رسمية، لكنها كانت كل ذلك وأكثر في أعين من لجأوا/ن إليها حين يتخلى عنهم العالم.




























