لبنى صويلح
سافرت مريم عام 2009 إلى فرنسا لاستكمال دراستها، فحصلت على ماجستير في تاريخ المسرح من جامعة "السوربون" الجديدة ، ثم ماجستير في الفنون الجميلة قسم التصميم في مدينة رين. هناك، خاضت أولى تجاربها في الاستقلال، والاعتماد على ذاتها، وكونت العديد من الصداقات.
استقبلتها المدينة بالكثير من الحبّ ومنحتها مساحة للتجربة والتأمل، مما جعلها تقترب أكثر من المجتمع الفرنسي وتعيد تشكيل نظرتها للآخر والعالم من حولها.
بدأت التجربة كرحلة بحث عن المعرفة، لكن مع مرور الوقت، تحولت إلى شكل آخر من الاغتراب، كما تشرح مريم قائلة: "غادرت سوريا إلى فرنسا بهدف التعلم، وتطوير الذات، واكتساب مهارات جديدة. كانت فرصة للانفتاح على الآخر والتعرف على ثقافات مختلفة. لكن مع اندلاع الثورة السورية (2011)، تغيرت علاقتي بالمكان، وأصبح بالنسبة لي أشبه بسجن كبير".
سوريا الحاضرة في أعمال مريم
ومع تصاعد العنف الذي مارسه النظام السوريّ السابق لقمع الاحتجاجات، شعرت مريم بحتمية الوقوف ضد هذا الظلم، فأطلقت حملة "لا" التي شارك فيها العديد من الفنانين/ ات والناشطين/ ات للتنديد بالقتل والقمع والاضطهاد، ولاقت صدى واسعاً. شكلت هذه الحملة حدثاً مفصلياً في حياة مريم، إذ منحتها إحساساً بقدرتها على إيصال صوتها وأصوات الآخرين أيضاً، عبر الفن.
في عام 2016، سافرت مريم إلى لبنان، مدفوعةً برغبتها العميقة في نقل ما تعلّمته إلى الأطفال/ات المهجّرين/ات من سوريا، والذين ترى فيهم/ن مستقبل البلاد. هناك، كانت على احتكاك مباشر مع معاناتهم والصعوبات التي يواجهونها في الالتحاق بالمدارس، مما دفعها إلى المشاركة في تأسيس مشروع "إيد وحدة- دمى" إلى جانب مجموعة من الفنانين.
انطلق المشروع في مخيم شاتيلا ببيروت، حيث نظّمت ورش عمل مستمرة لتعليم الأطفال/ات فنون مسرح الدمى وتقنيات التحريك. تتحدث مريم عن هذه التجربة قائلة: "كان للفن تأثير مذهل على الأطفال والطفلات، منحهم/ن مساحة للإبداع والتعبيرعن مشاعرهم/ن المكبوتة من خلال الرسم، وتحريك الدمى، والتفاعل مع الجمهور. مع مرور الوقت، تعلموا القراءة والكتابة، واستعادوا/ن ثقتهم/ن بأنفسهم/ن، واكتشفوا/ن حبهم/ن لذواتهم/ن وللآخرين. لقد غيّرت هذه التجربة حياتي كما غيّرت حياتهم/ ن، إذ منحتهم/ ن القدرة على تحرير مشاعرهم/ ن، والتنفيس عن غضبهم/ ن، والبوح بأحلامهم/ ن، بعيداً عن الخوف من الأحكام المسبقة أو نظرة الآخرين".
وكما كانت تجربة العمل مع الأطفال/ ات السوريين/ ات محطة مؤثرة في مسيرتها، وجدت مريم في الحراك الثوري في لبنان (أكتوبر 2019) فرصة أخرى لاستخدام الفنّ كأداة للتعبير والاحتجاج. فأطلقت مشروع "عيون الثورة " مستوحية الفكرة من حملة تضامن اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي آنذاك تحت عنوان "ثورتنا عيونكم" دعماً للثوار/ات المدنيين/ات والإعلاميين/ات الذين/ اللواتي أصيبوا/ن في عيونهم/ن خلال الاشتباكات مع قوى الأمن. انتشرت صور لأشخاص يغطون إحدى أعينهم تعبيراً عن التضامن، مما دفع مريم إلى بدء مشروعها الفني. المشروع الذي بدأ كتفاعل يومي مع الحراك، تطور ليشمل جدارية تناولت موضوعات متنوعة، مثل العزلة (الحجر الصحي)، والعلاقة مع الطبيعة، والفقد، وكأنّها مذكرات بصرية لكلّ ما ترغب مريم في التعبير عنه. وما زال المشروع مستمراً حتى اليوم .
الفنّ كوسيلة للعلاج
في عام 2018، قدّمت مريم عرضها المسرحي "الأنا الأخرى" في بيروت. كان العرض عملاً أدائياً صامتاً جمع 82 دمية غير متشابهة، تمثل شخصيات فقدت كل منها جزءاً من جسدها، وكأن التهالك الذي أصابها يعكس الألم والصدمات التي تنتقل من جيل إلى جيل. تجسّد الدمى فكرة الحشود التي تبدو كتلة واحدة متجانسة، لكنها في الواقع مؤلفة من أفراد مختلفين، تحوّلوا بفعل الكارثة إلى مجرد أرقام، أشبه بسحابة بشرية تائهة، بلا أرض ثابتة، فاقدين للاستقرار، يبحثون عن فرصة للحياة.

أما في عرض" تمزّق" (2021) الذي عُرض في باريس، فقد دمجت مريم بين الرقص والموسيقى ومؤثرات الإضاءة والظل، إلى جانب تحريك الدمى، لتخلق تجربة بصرية غنية بالدلالات حول مصير الإنسانية. جسّد العرض لحظة التشتت التي يعيشها الإنسان، خاصة اللاجئ العالق بين ماض يطارده، وحاضر غامض، ومستقبل مجهول.
إلى جانب عملها في المسرح والرسم وتصميم الدمى والسينوغرافيا، تعمل مريم كأخصائية علاج بالفنّ، حيث تساهم في دعم الشباب/ات الذين واللوات يعانون/ن من اضطرابات سلوكية من خلال أسلوب فنّي تفاعلي.
ترى مريم أن العلاج بالفنّ كان له تأثير كبير عليها شخصياً، ساعدها في التصالح مع ذاتها والتعافي من الصدمات، ومواجهة الواقع. بدأت تجربتها في هذا المجال في سن الثامنة عشرة في سوريا، عندما عملت مع جمعية تابعة للكنيسة مع أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. لاحقاً، تطوعت مع جمعيات تعنى بالأطفال/ات المصابين/ات بالسرطان، والمهمشين/ات، والعراقيين/ات الذين قدموا/ن إلى سوريا محملين/ات بصدمات الحرب.
بعد انتقالها إلى فرنسا، استمرت في هذا المجال، وعملت مع منظمات تهتم بالأطفال/ات المصابين/ات بالتوحد والاضطرابات السلوكية، ولاحظت تحسناً كبيراً في حالاتهم/ن، حيث ساعدهم/ن الفنّ على التحرر من القيود الداخلية، والتعبير بحرية عن مشاعرهم/ن.
"المرأة في أعمالي هي تمثيل لي"
ترى مريم أن المرأة في مجتمعاتنا العربية دائماً ما تكون مؤطرة بتوقعات تحدُّ من خياراتها وحريتها وتمنعها من العيش كما ترغب، وبالنسبة لتناول المرأة في أعمالها، تقول: "نظراً لأن أعمالي تحمل التزاماً سياسياً واجتماعياً وإنسانياً، فمن الطبيعي أن تكون المرأة جزءاً أساسياً منها. المرأة في أعمالي هي تمثيل لي. بما أملكه من قوة، أطمح إلى أن أكون مصدر إلهام للنساء الأخريات."

يُعد عرض Tricots d’âmes(2015)، والذي يمكن ترجمته إلى "حياكة الأرواح"، أحد أهم المشاريع النسائية التي عملت عليها مريم. وهو عمل فني تفاعلي ضخم تدعو فيه مريم الناس للمشاركة في الحياكة الجماعية باستخدام خيوط مصنوعة من ملابسهم/ن القديمة. يشارك الجمهور بإحضار ملابس لم يعودوا بحاجة إليها، يتم قطع أجزاء منها وتحويلها إلى خيوط، ثم نسجها معاً، وكأنهم/ن يحيكون قصصهم/ن وذكرياتهم/ن المختزنة في ملابسهم/ن، ويتشاركونها معاً، ليعيدوا إحياءها في لحظة إبداع جماعي. تقول مريم عن المشروع: "انبثقت الفكرة عندما دعيت للمشاركة في مهرجان للأشغال اليدوية. آنذاك، كنت متأثرة بصور التقطها صديق لنساء سوريات في مخيمات اللجوء، يبدعن في صنع حياة من أبسط الإمكانيات، قادرات على تشكيل مساحات من الدفء، والأمان، والحميمية رغم قسوة المكان المحيط. أردت تجسيد قوة المرأة وقدرتها على الخلق، فاستلهمت الحياكة، التي تُعتبر تقليدياً حرفة نسائية، وربطتها بمفهوم "اللاشيء" لصنع عمل إبداعي نابض بالحياة".
تستقر مريم اليوم في باريس، دون أن تعلم أين ستكون محطتها القادمة، أما عن فكرة العودة إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تقول: "القرارمعقد وصعب، خصوصاً بعد كل هذه السنوات من الغياب، بالطبع، هو هاجس يسكنني، لكن لا يمكنني التنبؤ بما قد يحمله المستقبل، أتمنى أن أعود إلى وطن يمنحني مساحة للتعبير عن ذاتي وفنّي بحرية".