لميس الأسطل
منديل على عيني زوجها.. ونور على كتبها
الدكتورة رغدة حمد، 53 عامًا، من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، أكاديمية في جامعة الأقصى، وامرأة فلسطينية عصامية كانت تُدرّس مقررات اللغة العربية. تزوجت في الرابعة عشرة ضمن أسرة ممتدة، وسط ظروف لم تساعدها على الدراسة، لكنها كانت تسرق من وقتها لحظات لتأدية واجباتها المدرسية بعد إنهاء الأعباء المنزلية مثل غسل الصحون وتنظيف البيت. أحيانًا كانت تضع منديلًا على عيني زوجها عند النوم لتشعل الضوء وتواصل دراستها، صامدة بعزيمة لا تلين في مواجهة الصعاب.
تروي الدكتورة رغدة: "أنهيت الثانوية العامة الفرع العلمي، وقُبلت لدراسة الطب في جامعة بوخاريست في رومانيا، لكن ظروفي الخاصة منعتني من السفر، فالتحقت بعلوم الحاسوب في جامعة القدس المفتوحة، إلا أن غيابي عن منزلي وابني محمد لساعات التدريب العملي تسبب بمشاكل كادت تنهي زواجي، فتركت الجامعة وضاع جهدي على مدار عامين". حاولت رغدة لاحقًا دراسة الزراعة، لكنها عندما اطلعت على الخطة الدراسية، شعرت أن التجربة ستتكرر، فعادت إلى بيتها محملة بالحزن.
وتضيف حمد: "كنت أعشق القراءة، قرأت العديد من الكتب المتنوعة في مجالات مختلفة، إلى جانب الروايات، شاعرة بآدميتي". بعد انتقالها إلى بيت مستقل، التحقّت بتخصص اللغة العربية وآدابها، مبتدئة رحلتها العلمية. وتتابع: "شعرت أحيانًا أن هناك قصة عشق بيني وبين الكتب، أشتاق إليها كأنني أفضفض لها عن نفسي"، وأنهت الجامعة على مدار أربع سنوات بتقدير جيد جدًا.
استحوذ حبّ العلم على رغدة، فرافقت زوجها إلى القاهرة والتحقت بجامعتي القاهرة وعين شمس، حيث أنهت الدبلوم والماجستير بتقدير امتياز، ثم نالت الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى رغم التكاليف الباهظة.
تقول حمد: "كانت حياتي قبل الحرب مليئة بالنشاط والحيوية وعمل الأبحاث العلمية، وامتلكت مكتبة كبيرة على عرض الحائط تضم نحو ألف كتاب. كنت أشتري الكتب دائمًا في كل مناسبة عند حضوري معارض الكتاب في مصر أو أي مكان آخر، وأعود بحقيبة ممتلئة بها، ناقلة هذا العشق لأبنائي لنعيش بهدوء نسبي ونظام جميل، يتخلله أحيانًا بعض الصخب".

"كل دقيقة كانت تمر علينا تنتزع من أعمارنا"
دق الموت على قطاع غزة أبوابه في السابع من أكتوبر عام 2023، وعانت حمد وعائلتها في الاجتياح الأول للجيش الإسرائيلي من قصف مباشر بالقنابل الحارقة على جدران منزلهم، ولدى حمد ثلاثة أبناء وبنتان، وفي الشهر الرابع من الحرب كانوا جميعًا مستلقين على الأرض من الخوف الشديد والبرد القارس والليل المظلم بدون أي إضاءة، فيما كان الجيش الإسرائيلي بدباباته إلى جوارهم.
تصف حمد تلك اللحظات: "لم نستطع التحرك أو حتى الذهاب إلى الحمام طوال ثلاثة أيام كانت أقسى من مضغ الصخر، تمنيت الموت حينها، فكل دقيقة كانت تمر علينا تنتزع من أعمارنا".
نزحت عائلة حمد داخلياً عدة مرات دون أن يغادروا إلى جنوب القطاع، متنقلين بين مخيم جباليا والشيخ زايد ومشروع بيت لاهيا والشيخ رضوان والشاطئ وحي النصر وشارع الوحدة، كما عاشوا في خيام على شاطئ البحر غرب مدينة غزة.
تقول حمد: "كان اليوم يمر كأنه دهر طويل وضيف ثقيل، خصوصًا بعد استشهاد ابني إبراهيم، العريس الجديد الذي أنجبت زوجته طفله الأول بعد شهور من استشهاده، فكبر لينطق "بابا" دون أن يرى والده. كما أُسر ابني محمد الذي اعتُقل أمام عيني في آيار/مايو 2024، ومنذ ذلك الحين لا أعرف إن كان حيًا أم استُشهد، ورغم تواصلي مع المؤسسات الحقوقية والدولية، فإن الرد الإسرائيلي كان دائمًا بأنه غير معتقل".
كان اليوم يمر كأنه دهر طويل وضيف ثقيل، خصوصًا بعد استشهاد ابني إبراهيم، العريس الجديد الذي أنجبت زوجته طفله الأول بعد شهور من استشهاده، فكبر لينطق "بابا" دون أن يرى والده.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، أسفرت الحرب على غزة عن مقتل68159 مدني منهم 12400 امرأة و18592 طفل الى جانب عشرات الألاف من المفقودين منهم على الأقل نحو 5000 طفل وامرأة حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
"في المقبرة... وجدتُ الهدوء والنجاة معًا"
وتتابع حمد أنها في النزوح الأخير لم ترغب في مغادرة شمال غزة إلى الجنوب بعدما تحملت الكثير، لكنها تعرضت مع عائلتها في خيمتهم لشظايا القصف المتناثرة، وبعد القصف المتواصل آثرت حماية زوجها وذكريات أبنائها، خوفًا من لحظة قد تعجز فيها عن حمل أي شيء. تقول حمد: "ذهبت إلى الجنوب وحدي، فزوجي مريض بالسرطان، باحثة عن مكان يأوينا، لكنني لم أجد متسعًا لنا فجميع الأماكن كانت مكتظة بالخيام والسكان. وعندما ضاقت بي الدنيا، مشيت لأقرأ الفاتحة لأرواح من ارتاحوا في مقبرة النمساوي بجوار مستشفى ناصر في خان يونس، فوجدت الهدوء والراحة والبعد عن الضوضاء وحتى يكون لنا عظة يومية؛ فاتخذته مكانًا لنا".
أخذت حمد عائلتها وذهبوا إلى الجنوب عصرًا، حاملين حقيبة من الصور والذكريات، مودعين خلفهم التراب والحطام، ولم يكن معهم خيمة تسترهم. وصلوا إلى المقبرة الساعة العاشرة والنصف ليلًا، ثم أنزلوا أغراضهم وناموا عليها.
تصف رغدة تلك الليلة قائلة: "كانت أصعب من الخيال، نائمون تحت النجوم وبين القبور. هاجمتنا الكلاب الضالة فخِفنا وصرخنا، ورميت عليهم الحصى حتى قبيل الفجر. ثم هدأ الوضع قليلًا وغفونا على أغراضنا في الظلام، ووجدت نفسي أتحدث مع قبر إحدى النساء كأنني أعرفها منذ زمن بعيد، أفرغ لها ما يجول في نفسي من هم وشقاء وفقدان".

"الفاتحة على كل قبر قد يضم ابني"
بدأت رحلة رغدة داخل المقبرة في صباح اليوم التالي، فأعارتها صديقتها خيمة لتتدبر أمورها، فنصبتها وبدأت تتساءل عن كيفية تأمين الماء والطعام، وأدركت أنها مضطرة لقطع مسافات طويلة لذلك. كانوا ينامون، هي وعائلتها، وسط الرائحة النتنة التي تحاصر أنفاسهم، فيما تنهش الكلاب في قماش الساتر الخارجي. تتابع قائلة: "ومع ذلك لم أتخلَّ عن تدوين ما أريد كتابته في بحث أو نقد واقع معين في دفتري الخاص بالقلم الأزرق، بعيدًا عن مظاهر التطور التكنولوجي التي حُرمنا منها طيلة الحرب"، لافتة إلى أن كل من يهاتفها ويعلم بمكان وجودها يصاب بالدهشة والاستغراب، ويخاف الدخول إلى المكان، فيطمئن عليهم من بعيد.
وتختتم حمد حديثها قائلة: "في اليوم التالي للحرب سأزور جميع مقابر قطاع غزة لأقرأ الفاتحة على أرواح الموتى، علَّ ابني إبراهيم يكون بجوار أحدهم، وأن يفاجئني بكون ابني كري الأسير المفقود حيًا يُرزق، راجية احتضانه وشم رائحته عن قرب بعد عامين من بعد".
بين رفوف الكتب التي تناثرت تحت الركام، ومقابر تحولت إلى بيوتٍ للناجين، تواصل الدكتورة رغدة حمد البحث عن معنى للحياة وسط العدم. لا تزال تمسك بالقلم كما تمسكت يوماً بالضوء في ظلمة بيتها، مؤمنة بأن للعلم بقاءً يتجاوز الحرب والموت.




























