"أنا مش قادرة أمشي، بس اضطرّيت أهرب وأنا شايلة حالي عالعكاز"، بهذه الكلمات تختصر الحاجة أم حسام، 78 عاماً، معاناة كثير من النساء المسنّات في قطاع غزة، اللواتي لم ترحمهنّ الحرب ولا موجات النزوح المتكررة. وجدن أنفسهنّ ضحايا للإرهاق والقهر، حتى قبل أن تُدرج أسماؤهنّ في قوائم الموت بفعل آلة الحرب الإسرائيلية.
نزوح متكرر يفوق قدرة الجسد
في مدرسة مكتظّة شمال قطاع غزة، تجلس الحاجة أم جبر، 70 عاماً، على بطانية بالية، تحاول جاهدة حبس دموعها. بصوت متقطع، تقول: "نزحت 12 مرة، وكل مرة بفكّر إنها الأخيرة. ظهري انكسر، ورجلي ما عادوا يحملوني... نفسي أرجع على بيتي وأموت هناك، مش هون بين الناس."
لا تزال آلاف العائلات تعيش تجربة النزوح المتكرر، هرباً من القصف أو تحت وطأة تهديدات الاحتلال وتدهور الأوضاع في مراكز الإيواء. وفي خضمّ هذا المشهد القاتم، تتفاقم كارثة النساء المسنّات، اللواتي يعانين من أمراض مزمنة كالسُّكري، وارتفاع ضغط الدم، وهشاشة العظام، وضعف البصر أو السمع. كثيرات منهنّ أُجبرن على الهروب مراراً، نُقل بعضهن على عربات بدائية، بينما اضطرت أخريات إلى السير لساعات طويلة دون طعام أو ماء، ما أدّى إلى وفاة عدد كبير منهنّ نتيجة الإنهاك والتعب الشديد.
ونشرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، كشفاً يوثق أسماء الشهداء من فئة الأطفال، وفئة كبار السن، وفئة النساء المسجلين/ت منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي 2023 حتى 30 يونيو/ حزيران 2024.
كما أفادت وزارة التنمية الاجتماعية أن أكثر من 1200 امرأة مسنّة يعشن حالياً في مراكز الإيواء بمفردهن، بعد فقدان أبنائهن أو تشتّت عائلاتهن. بعضهن لا يعلمن شيئاً عن مصير أولادهن، وأخريات فقدن القدرة على الحركة، ويعتمدن بشكل شبه كامل على رعاية ومساعدة نساء أخريات داخل المركز.
وقال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قبل أيام إنّ نحو 1200 مسنّ ومسنّة فلسطيني/ة فقدو/ن حياتهم/ن خلال الشهرين الماضيين نتيجة سياسة التجويع الإسرائيلية، وسوء التغذية، والحرمان من الرعاية الصحية، وهي ممارسات بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة.
وأعرب المرصد عن خشيته من أن يكون العدد الحقيقي للوفيات أعلى بكثير، مشيراً إلى أن معدل الوفيات اليومية خلال الأسبوعين الأخيرين وصل إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تتوافد فيه يوميًا مئات الحالات من كبار/ات السن إلى المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية وهم/ن في حالة إنهاك شديد، في محاولة للحصول على السوائل والمغذيات الطبية.
في هذا السياق القاسي، تغدو النساء سنداً وملجأ لبعضهن البعض. تتقاسم المسنّات مع نساء شابات أو فتيات نازحات فتات الطعام وعبء الانتظار، يتناوبن على تضميد جراح بعضهن النفسية والجسدية، في ظل غياب أي دعم مؤسسي منظم أو منظومة رعاية فعلية.
أكثر من 1200 امرأة مسنّة يعشن حالياً في مراكز الإيواء بمفردهن، بعد فقدان أبنائهن أو تشتّت عائلاتهن. بعضهن لا يعلمن شيئاً عن مصير أولادهن، وأخريات فقدن القدرة على الحركة، ويعتمدن بشكل شبه كامل على رعاية ومساعدة نساء أخريات داخل المركز.
شهادات حيّة: معاناة منسية
أم عصام، 66 عاماً، تعاني من مرض السكري المزمن وتحتاج إلى حقن الأنسولين يومياً، لكن انقطاع الأدوية ونقص وسائل التبريد حرماها من العلاج. بصوت خافت تكاد تخنقه الوطأة الجسدية، تقول: "أيام ما باكل شي، بس المرض ما بيستنى... بأحس بجسمي عم ينطفئ شوي شوي."
من جهتها، تؤكد مديرة دائرة كبار السن في وزارة التنمية الاجتماعية، ميساء شحادة، في تصريح لـ "ميدفيمنسوية": "نواجه كارثة إنسانية حقيقية. النساء المسنات في مراكز الإيواء يعانين من تهميش كبير، فلا أسرّة طبية، ولا حمامات مخصصة، وبعضهن يُجبرن على افتراش الأرض دون أي دعم أو رعاية."
تضيف ميساء شحادة: "ما يحدث بحق هؤلاء النساء هو انتهاك صارخ لكرامتهن في خريف أعمارهن. هناك حالات وفاة سُجّلت داخل مراكز الإيواء دون أي رعاية، وأخريات فُقدن أثناء النزوح ولم يُعثر عليهن إلا بعد أيام."
لا تقف المأساة عند حدود الألم الجسدي، إذ تعاني كثير من النساء المسنّات من عزلة نفسية قاسية، ناجمة عن فقدان الأهل، أو الشعور العميق بعدم الأمان والانفصال عن السياق الأسري والاجتماعي. بعضهن كنّ يعتمدن بشكل كامل على أبنائهن وبناتهن أو أزواجهن في تفاصيل الحياة اليومية، من الحصول على الدواء إلى مجرد التنقل أو إعداد الطعام، لكن بعد فقدانهم/ ن أو تشتتهم/ ن، وجدن أنفسهن وحيدات وعاجزات عن تلبية أبسط احتياجاتهن.
في ظل هذه الظروف، تتحول الشيخوخة من مرحلة يُفترض أن تكون للراحة والسكينة، إلى عبء ثقيل يعيشه الجسد والروح معاً، في مواجهة قاسية مع الإهمال، والفقد، وانعدام الأفق.
إيمان، 28 عاماً، متطوعة في أحد مراكز الإيواء شرق غزة، تقول: "كلّ يوم أزور مجموعة من المسنّات. بعضهن يبكين من الوحدة، وبعضهن لا يطلبن شيئاً سوى أن يتحدث إليهن أحد. "
وفي هذا السياق، أطلقت عدة مؤسسات نسوية نداءات عاجلة لإنقاذ النساء المسنّات في غزة، طالبت فيها بتوفير مراكز إيواء مخصصة تضمن لهنّ الرعاية الصحية والغذاء والدعم النفسي. كما ناشدت منظمات حقوق الإنسان المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياتها وتوفير الحماية لهذه الفئة الهشّة.
في ظل هذا الواقع القاسي، تبقى قصص النساء الكبيرات شاهدة على وجه آخر للحرب… تنهار فيه الأجساد بصمت، وتذبل الأرواح دون ضجيج.




























