هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
© UN Photo/Eric Kanalstein
رهل سيّا
هل يمكنك أن تحكي لنا عن نفسك؟
أنا صديقة مشتاق. أبلغ من العمر 38 عامًا، من مواليد بهسود بمحافظة وردك بأفغانستان. حصلت على شهادة قابلة. وأنا كبرى إخوتي السبعة. ولحسن الحظ، تزوجت الرجل الذي حلمت به، ويدعى علي جعفري. وعشنا معًا في تناغم ومحبة وتكافل على مدى 15 عامًا، أنجبنا خلالها ثلاثة أطفال بنتان وابن أعتبرهم أجمل ما في حياتي. وهم أذكياء وموهوبون، ومستقلون وأصحاب عزيمة.
نشأت في أسرة تضم أبًا مثقفًا وأمًا حنونة. ومنحتني هذه القيم الشجاعة والإصرار على تخطي العقبات التي اعترضت طريقي مما ساعدني على تحقيق الذات واستغلال كامل قدراتي. لهذا تمكنت من تغيير حياتي وحياة عائلتي والمحيطين بي.
ماذا تشعرين عند استعادة ذكرياتك، خاصة تجربتك كامرأة تدير معهدًا صحيًا كبيرًا في أفغانستان؟
أكثر ما أعتزر به في مسيرتي المهنية في أفغانستان هو تمكين العديد من الفتيات من فرصة الدراسة والعمل في المجال الصحي. لطالما اعتقدت أن التعليم والعمل في المجال الصحي أمران أساسيان لتعزيز مكانة المرأة وتمكينها. وتمثل رؤية هؤلاء الشابات وهن يحققن أحلامهن ويدخلن مجال التعليم بالنسبة لي مصدر سعادة لا توصف، خاصةً وأنا أدرك أن لي دورًا في هذه الإنجازات.
ما هي العقبات التي واجهتك في حياتك اليومية وعملك في أفغانستان؟ وهل كانت هناك لحظات معينة أثرت فيك بشكل خاص؟
مثّل النظام الجمهوري الذي عرفته أفغانستان على امتداد عشرين سنة فرصة رائعة للشعب الأفغاني لممارسة الديمقراطية والسير قدما على طريق التقدم والتنمية. لكن، علي أن أقر بكل أسف بانه رغم محاولات البعض إبداء شيء من التفتح الفكري والسلوك الديمقراطي، ظل عامة الناس متمسكين بالتقاليد وبقيم المجتمع الذكوري. هذا الواقع وضع الكثير من العقبات أمام النساء، مما جعلنا نواجه تحديات هائلة شعرنا أحيانًا بأنها تفوق طاقتنا.
ورغم هذا، لم نستسلم. واصلنا الكفاح بأمل تمهيد الطريق لبناتنا ليعشن في عالم أفضل. وقد كانت جذور المجتمع الذكوري وغياب المساواة في الحقوق بين الجنسين، إضافة إلى العادات القبلية والعنصرية، عقبات هائلة أحبطت عزيمة النساء الأفغانيات. ومنذ سقوط النظام عام 2021، تفاقمت هذه العقبات وازدادت تعقيدا حتى خيل لنا أننا أصبحنا في متاهة لا نهاية لها. ومع ذلك، لم نفقد الأمل أبدًا، لأن النضال من أجل العدالة والمساواة مستمر رغم كل شيء.
كيف كان شعورك عندما أجِبرتِ على مغادرة أفغانستان؟ غمرني حزن عميق وألم لا يزال يلازمني بعد ثلاث سنوات كظل ثقيل. لطالما تساءلت إن كنت سأتمكن يومًا من العودة إلى وطني الحبيب. خلال حياتي، عانيت من الهجرة مرتين، وفي كل مرة كانت الآلام تتضاعف، مخلفةً في داخلي شعورًا لا يوصف بالفقدان. أؤمن بأن الهجرة واحدة من أكثر التجارب المدمرة التي يمكن أن يعيشها الإنسان، تجربة تترك أثراً عميقاً في القلب والروح.
كيف شعرتِ عندما وصلتِ إلى إيطاليا؟ وكيف واجهتِ هذا التغيير الجذري؟
لقيت هنا استقبالًا دافئًا من المؤسسات والأصدقاء الإيطاليين الذين أظهروا إزائي لطفًا وحرارة كان لها وقع كبير في نفسي. اكتشفت عالمًا قائمًا على الحرية والمساواة بين الجنسين والكرامة الإنسانية كقيم أساسية. كما ساعدني أصدقائي الإيطاليون على خلق بيئة طبيعية لعائلتي، بيئة خالية من التمييز وتسود فيها الصداقة والوفاء.
مع ذلك، فان بدء حياة جديدة من الصفر وأنا في الخامسة والثلاثين من العمر مع ثلاثة أطفال لم يكن أمرًا سهلاً. كما أن فقدان والدي، الذي كان مصدر قوتي، زاد من شعوري بالضعف والحزن. شعرت وكأن جزءً مني قد غادر معه. لكنني قررت مواجهة هذا التحدي بإصرار لبناء مستقبل أفضل لأطفالي.
كيف كانت تجربتك في الاندماج في المجتمع الإيطالي؟ وما الصعوبات التي واجهتيها؟
أعيش في إيطاليا منذ حوالي ثلاث سنوات مع أطفالي الثلاثة. كانت البداية من الصفر تحديًا كبيرًا. في البداية، كافحت للتكيف مع فكرة تعلم لغة جديدة والتواصل مع الناس في حياتي اليومية. قضيت شهورًا منشغلة بقضايا النساء وأوضاع أفغانستان، مما أبطأ اندماجي.
شعرت بالغربة تجاه الثقافة واللغة الإيطالية، حيث كان كل شيء جديدًا تمامًا بالنسبة لي. ولكن مع تقبلي لثقافة إيطاليا وتعلم اللغة، تمكنت من تجاوز هذه العقبات تدريجيًا. لم يكن ذلك بالامر اليسير، لكنني نجحت في النهاية في بناء حياة جديدة
ما هو التغيير الأكبر الذي شعرتِ به عند الانتقال من العيش في أفغانستان إلى العيش في إيطاليا؟
لم أعرف يومًا الأمان والراحة النفسية في أفغانستان. كامرأة تنتمي الى الهزارة (1)، واجهت مشكلتين رئيسيتين: أحيانًا كنت أشعر بانعدام الأمن النفسي والعاطفي لكوني امرأة، وأحيانًا أخرى بالضعف الجسدي والروحي لكوني هزارة. هنا، يعاملني الناس باحترام، كإنسانة وهذا كان أكبر تغيير بالنسبة لي
ما هو أول نجاح حققتِيه في حياتك الجديدة؟
اجتيازي للامتحان النهائي لدورة تدريبية استمرت عامًا كاملًا باللغة الإيطالية. احتفل زملائي الإيطاليون بي بحرارة، مع التصفيق والعناق. خلال هذا العام، واجهت سلسلة لا تنتهي من التحديات، ولكن رغم ذلك، تمكنت من النجاح، وهذا الإنجاز له قيمة عظيمة بالنسبة لي.
ما تأثير الهجرة على هويتك كامرأة وعاملة؟
أثرت الهجرة على حياتي بشكل إيجابي، إذ زودتني بالمعرفة والخبرة والنضج. ساعدتني هذه التحولات على أن أصبح نسخة أكثر اكتمالًا وأصالة من نفسي. أسعى الان الى إنشاء مشروع ناجح هنا في إيطاليا يوفر فرص عمل للنساء سواء في أفغانستان وايطاليا على حد سواء. أحلم بالمساهمة في بناء مستقبل أفضل لنا جميعًا.
ما هي جوانب الثقافة الأفغانية التي حافظتِ عليها، وما هي عناصر الثقافة الإيطالية التي تبنيتيها؟
حافظت على قيم الثقافة الأفغانية التي أعتز بها، مثل الكرم والاحتفال بالمناسبات والأعياد والموسيقى التقليدية، والأطباق التقليدية الافغانية. وفي الوقت نفسه، تبنيت بسعادة الانفتاح والبساطة التي تميز الثقافة الإيطالية.
إذا كنت تستطيعين توجيه رسالة إلى نساء أخريات اضطررن إلى الهجرة، ما عساك تقولين لهن؟
أقول لهن: عليكنَّ التحلي بالصبر والصلابة. قد تبدو صعوبات الهجرة قاسية للغاية، ولكن بمجرد التغلب على العقبة الاولى، تصبح الامور أسهل.
ما الذي تودين أن يعرفه العالم عن تجربة المهاجرين؟
المهاجر هو إنسان بلا وطن. حتى لو مرت السنوات واندمج تمامًا في مجتمعه الجديد، فإن قلبه يظل متعلقًا بوطنه الأم ولن ينساه أبدًا. يهاجر الناس على أمل حياة أفضل، تاركين خلفهم ذكريات وعلاقات وأماكن عزيزة على أنفسهم. لا تحكموا عليهم بقسوة، فاختيارهم للهجرة غالبًا ما يكون مليئًا بالتضحيات والشجاعة.
الهزارة: أقلية عرقية تعيش في أفغانستان، باكستان، وإيران.
تم إجراء هذا التحقيق بدعم من AGEE - التحالف من أجل المساواة بين الجنسين في أوروبا.


























