وفق التفاصيل الأخيرة، تبيّن أن جريمة أنصار، في الجنوب اللبناني، التي سقطت ضحيتها 3 فتيات مع أمّهنّ، حصلت يوم الخطف أي في 2 آذار/مارس الحالي، عبر إطلاق الرصاص، واستمرّ اختفاء الجثث لثلاثة أسابيع، قبل العثور على المخطوفات وقد صرن أجساداً بلا روح. ح.ف الذي ربطته علاقة عاطفية بإحدى الفتيات الثلاث وهي تالا، عمد إلى استدراج ضحاياه، مقنعاً إياهن بالخروج إلى مطعم قريب لتناول الطعام. ورغم تمنّعهنّ، إلا أنه أصرّ، وأتى لاصطحابهنّ، إلى حيث لا عودة أبداً، بمساعدة شريكه في الجريمة، ما يعني أن الجاني خطط لجريمته وحدد مكانها وتوقيتها وجميع تفاصيلها.
لكنّ من ارتكب الجريمة ليس ح.ف وحده، فالمماطلة القضائية والأمنية كان لها دور في تسهيل الجريمة، وإن بطريقة غير مباشرة أو غير مقصودة، وتسهيل هروب الجاني إلى سوريا.
فعلى رغم تقديم أدلة وداتا اتصالات تثبت أن المواطن ح.ف مشتبه به على الأقل، إلا أن النيابة العامة الاستئنافية قامت بإخلاء سبيله ما سمح له بالهروب إلى سوريا. لكنّ أهل البلدة بحسب المعطيات المتوافرة عادوا واستدرجوه، مع أن هذا يُفترض أن يكون عمل القضاء والجهات المختصة، ليتم القبض عليه من جديد.
بهذه البرودة يتعاطى القضاء مع مجزرة بهذا الحجم كان يمكن تفاديها، أو على الأقل التعاطي معها بجدية أكبر. لكن القاضية غادة أبو علوان اعتبرت أن لا أدلة للإدانة وقتها، ورجّح التحقيق فرضية هروب السيدات، وهي فرضية شبه مستحيلة نظراً إلى أنهنّ تركن ثيابهنّ وأغراضهنّ وأوراقهنّ الثبوتية داخل المنزل الذي لم يتم تفتيشه حتى، كما يوضح أحد سكان البلدة الذين تواصلنا معهم.
أخيراً، أوقفت دورية من مديرية المخابرات في بلدة أنصار المواطن (ح.ف)، واعترف بأنه قام بعملية الخطف بمشاركة رجل سوري متوارٍ عن الأنظار (ح.غ) وأنهما نقلا الفتيات المخطوفات ووالدتهن إلى مغارة تقع في خراج بلدة أنصار، حيث تم تنفيذ الجريمة، ووضعت أحجار وردميات بطريقة عشوائية فوقهن ما نتج عنه كسور، كما تم وضع باطون على هذه الأحجار لإخفاء معالم الجريمة. سارع ذلك في تحلّل الجثث، كما أوضح الطبيب الشرعي علي ديب، علماً أن العثور على الجثث تأخر بسبب سوء الأحوال الجوية.
وبنتيجة الكشف الطبي الذي أجراه ديب، فقد تبيّن أن جريمة أنصار ناتجة عن إطلاق النار من سلاح صيد على الرأس، في ما يتعلق بالفتيات الثلاث، وفي الرقبة في ما يتعلق بالأم. ما يستبعد فرضية القتل بهدف بيع الأعضاء التي انتشرت مع خبر الجريمة، لأنّ الجثث لم تتعرض لأي عملية جراحية أو حتى تعذيب.
وإن كانت خلفيات الجريمة وأسبابها لم تتّضح بعد، إلا أنه لا يمكن إغفال فكرة أن الضحايا هم أربع نساء، ما يشير إلى أن الجريمة قامت أساساً على مبدأ الاستضعاف الذي يرى أن حياة النساء لا قيمة لها.
هي مأساة لا يمكن إلا أن تحيلنا إلى مجزرة بعقلين عام 2020، التي قتل خلالها «مازن.ح» 10 أشخاص؛ بينهم شقيقاه وزوجته، وقد اعترف بأنه ارتكب الجريمة بدافع الشكّ في خيانة زوجية، من دون أن يمتلك أي دليل على ذلك. وإذ أصبح لبنان بلداً مفتوحاً على الإنفلات الأمني، باتت الجرائم أسهل، في ظل قضاء استنسابي يقوم على تأجيل العدالة أو تقويضها إلى ما شاء الله. هو نفسه القضاء الذي حكم على زوج رولا يعقوب الذي ثبت أنه قتلها، بالسجن 5 سنوات فقط، بعدما أمضى 9 سنوات يعيش حياته بأمان وهدوء... وهو القضاء ذاته الذي تعاطى مع اختفاء باسمة وبناتها بلا مبالاة وبتسويف، حتى عدْن جثثاً هامدة، يحضّر أهل أنصار عرساً حزيناً لوداعهنّ.
كشف تقرير أعدّته الشركة "الدولية للمعلومات" اللبنانية، عن ارتفاع كبير بمعدلات جرائم السرقة والقتل، وقارنت الشهور العشرة الأولى من 2021 في الفترة عينها من عام 2019، أي قبل الانهيار الاقتصادي والمالي.
وبحسب التقرير، ارتفعت جرائم السرقة بنسبة 265 في المئة، وجرائم القتل 101 في المئة. ففي هذه الفترة عام 2019 وقعت في لبنان 89 جريمة قتل، بينما وقعت 179 جريمة في الفترة عينها في 2021. في المقابل، شهدت حوادث العنف المنزلي ارتفاعاً مرعباً عام 2021، إذ أفادت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بتلقيها على الخط الساخن المخصص للعنف الأسري، منذ بداية 2021 حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2021، 1184 شكوى، أكثر من 60 في المئة منها عنف زوجي، وأكثر من 90 في المئة عنف جسدي.
الآن تنتشر المطالبات بتنفيذ حكم الإعدام بقاتل باسمة وبناتها. بغض النظر عن مشروعية ذلك وإمكانية تنفيذه أصلاً، إلا أنه لا يكفي، ولا يردع، ولا يوقف مسلسل الجرائم المجانية، لا سيما جرائم قتل النساء التي تحرّكها العقلية الذكورية السامة التي ينبغي استئصالها.
يقول ألبير كامو في كتابه الشهير "المقصلة"، "إن القدرة التخويفية التي تمتلكها المقصلة (عقوبة الإعدام) لا تنال إلا الوَجِلين الذين لم يُخلَقوا للجريمة، وتعجز عن إخضاع من لا يمكن إخضاعهم..."




























