"هناك ارتفاع لافت في الانتهاكات المرتكبة على يد بعض العاملين في الإغاثة، كثيرون يستغلون حاجة النساء للحصول على المساعدة في ظل غياب الرقابة، والأخطر أن النساء يتراجعن عن التبليغ خوفًا من الوصمة أو من حرمانهن من المساعدات." بهذه الكلمات لخّص الناشط الحقوقي غسّان القيشاوي واقع النساء في غزة، بعد عامين من حربٍ استنزفت السكان وأثقلت الحياة بأشكال جديدة من الانتهاكات. وقد قتلت الحرب 70 000 مدني. /ية. وأشار القيشاوي إن العامين الأخيرين شهدا انهيارًا شبه كامل للمنظومة القضائية والتشريعية في غزة، مما خلق بيئة مثالية للاستغلال والابتزاز، خاصة في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء.
وأردف: "نسمع شهادات لفتيات يخشين ذكر اسم المندوب في المخيم. بعضهن يقلن: لم أحصل على المساعدة… لكنني تلقيت التهديد." وشدد القيشاوي على أن 90% من عائلات غزة تعتمد اليوم على الإغاثة، وغياب قنوات آمنة وسرية للتبليغ يجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال. الفئات الأكثر هشاشة - بحسب قوله - تشمل الأرامل، والمطلقات، والنساء اللواتي فقدن المعيل.
وبالتوازي مع انخفاض قدرة النساء على التبليغ، تعاظمت "ثقافة الصمت" خوفًا من الوصمة أو فقدان المساعدة الاغاثية.
أشار صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في تقاريره لعامي 2024-2025 إلى أن النساء والفتيات في غزة يعشن "ظروفًا إنسانية كارثية"، تشمل الجوع، وانعدام المأوى، وتدهور الحماية، ما يجعل خطر الاستغلال الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي أعلى من أي وقت مضى.
ابتزاز مقابل كرسي متحرك
في منطقة الزوايدة جنوب قطاع غزة، وجدت نور (اسم مستعار)، وهي شابة في العشرينات، نفسها أمام كابوس لم تتخيل يومًا أن تعيشه، كانت قد نزحت مع أسرتها المكوّنة من سبعة أفراد بعد قصفٍ دمّر منزلهم في شمال القطاع.
بقيت الأم المقعدة دون سرير أو كرسي، فيما انقطعت الأسرة عن أي مصدر دخل، ووجدت نور نفسها - باعتبارها الكبرى - مطالبة بإيجاد طريقة لإنقاذ العائلة.
بعد أن أغلقت أبواب المؤسسات الإغاثية المحلية في وجهها بحجة الحصار وإغلاق المعابر، لم تجد نور سوى أن تكتب مناشدة عبر "فيسبوك"، تطلب فيها كرسياً متحركاً لوالدتها. لم يمر وقت طويل حتى وصلتها رسالة من حساب يحمل صورة وهمية لرجل ادّعى أنه يعمل في مؤسسة إنسانية.
في البداية، بدا حديثه مطمئنًا، سأل عن احتياجات العائلة، ثم طلب صورًا "لتوثيق الحالة" تحت ضغط الحاجة، أرسلت له صورًا لها داخل الخيمة، لكن سرعان ما انقلبت النبرة الإنسانية المزعومة إلى خطاب متصيّد. بدأت الأسئلة الشخصية تتكاثر: "كيف شكلك؟ هل أنتِ مرتبطة؟ احكيلي عن حياتك…"
تروي نور: "كان يرن عليّ 4 أو 5 مرات يوميًا، يتحجج بالاستفسار، لكنه يريد معرفة كل شيء عني شعرت بأن هناك خطأ، فرفضت الاستمرار معه."
بعد أيام، بدأ التهديد: إما صور "أكثر خصوصية"، أو مكالمات فيديو، أو نشر الصور التي بحوزته. ويُعدّ نشر صور "عادية" لفتاة داخل خيمتها حدثًا بالغ الخطورة في المجتمعات المحافظة في غزة، وقد يجرّ عليها مشكلات كبيرة تمسّ "سمعتها" وأمانها الاجتماعي.
"كان يرن عليّ 4 أو 5 مرات يوميًا، يتحجج بالاستفسار، لكنه يريد معرفة كل شيء عني شعرت بأن هناك خطأ، فرفضت الاستمرار معه."
تقول نور وقد اختنق صوتها: " لم أعد أستطيع النوم، كنت أشعر أنني مطاردة. أخاف على سمعة عائلتي وعلى أمي المريضة."
لاحقًا، استطاعت إحدى الجهات النسوية المحلية مساعدتها على تقديم شكوى إلكترونية وحذف الحساب الوهمي، كما حصلت على دعم نفسي بعد أسابيع من التوتر المستمر.
كشف مركز "صدى سوشال" أن 47.2% من الفلسطينيات المشاركات في استبيانه تعرّضن لابتزاز إلكتروني مباشر، وأن 60.9% يواجهن أشكالًا مختلفة من العنف الرقمي. هذه الإحصاءات ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على واقع متفجّر، تتداخل فيه الحرب مع التهجير والمجاعة وانهيار منظومات الحماية.
"إذا بتساعديني... بساعدك"
في مخيم المواصي جنوب خانيونس، تقف ريم (اسم مستعار)، أرملة في السادسة والعشرين، تحمل طفلًا بيد وتُمسك بالأخرى بطانية بالية تحتمي بها من برد خيمة ممزّقة.
فقدت ريم زوجها قبل عامين إثر قصف دمّر منزلهم خلال الحرب على غزة، منذ ذلك الحين، أصبحت الناجية الوحيدة المعيلة لطفلين أحدهما في الرابعة والآخر في الخامسة.
تروي ريم محاولة الابتزاز التي تعرّضت لها على يد أحد مندوبي المخيمات مقابل الحصول على مساعدة. والمندوب هو الشخص الذي يتولى إدارة مخيمات النازحين والنازحات، ويُشرف على إيصال المساعدات إليهم/هن بالتنسيق مع الجهات المانحة. وتجدر الإشارة إلى أن تعيينه لا يتم عبر أي جهة رسمية، بل غالبًا ما يُختار بحكم الأقدمية في المنطقة أو لكونه أول من أنشأ المخيم. ولتسهيل عملية توزيع الدعم، تتواصل الجهات المانحة عادةً مع هذا الشخص للحصول على قوائم بأسماء النازحين والنازحات، ولضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر ضعفًا.
كشف مركز "صدى سوشال" أن 47.2% من الفلسطينيات المشاركات في استبيانه تعرّضن لابتزاز إلكتروني مباشر.
تقول ريم ":تواصل معي رجل قال إنه مسؤول عن توزيع المساعدات، مندوب المخيم. طلب مني الحضور للتسجيل. وعندما ذهبت، صارحني بلا أي خجل بأنه لن يساعدني إلا إذا لبيتُ له طلبات خاصة. قالها بوقاحة: إذا بتساعديني… بساعدك. وأضاف: اسمك غير موجود في كشف المساعدات، وأنا وحدي قادر على إضافته… وعلى مسؤوليتي."
حينها وقفت ريم أمام خيار مستحيل: "إما أن أُذلّ نفسي، أو أعود بلا شيء، لكنني رفضت ومع الأيام سمعت عن نساء أخريات تعرّضن لنفس الابتزاز، بعضهن أُجبرن على الصمت، وأخريات حُرمن من المساعدة."
بين نور وريم وعشرات القصص التي لا تصل، تتضح ملامح أزمة أخلاقية وإنسانية خطيرة في غزة، فالحرب لم تدمّر البيوت فقط، بل تفتح أبوابًا خلفية تُستغل فيها حاجة النساء كوسيلة للضغط والابتزاز.
تحتاج غزة اليوم - أكثر من أي وقت مضى -إلى قنوات تبليغ آمنة وسرية، قوانين رادعة، ورقابة صارمة على عمل المنظمات الإنسانية، بما يضمن حصول النساء والفتيات على المساعدة دون أي شكل من أشكال الاستغلال أو الإيذاء.




























