هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
يأتي قرار المحكمة على خلفية ملاحقة ابتسام لشكر بتهم تتعلق بالإساءة إلى الذات الإلهية، وذلك بسبب صورة وتدوينة كانت قد نشرتهما على حسابها في منصة "إكس" (تويتر سابقاً). واعتبرت النيابة العامة أن المحتوى المتداول تضمن إساءة للدين الإسلامي، ما دفعها إلى فتح تحقيق في الموضوع، أعقبه تقديم المتهمة للمحاكمة.
ولدت الناشطة الحقوقية ابتسام لشكر، المعروفة أيضاً باسم "بيتي"، في الرباط في شهر آب/ أغسطس1975 ، وتُعد من أبرز الوجوه النسوية في المغرب. تُعرف بمواقفها الراديكالية في الدفاع عن حقوق الإنسان، وخصوصاً القضايا النسوية ذات الطابع الإلغائي.
ابتسام لشكر هي المؤسسة المشاركة لحركة "مالي" (الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية)، التي أُطلقت سنة 2009. وتُعرّف الحركة نفسها كحركة عصيان مدني نسوية، علمانية، وعالمية، تناضل ضد مختلف أشكال التمييز وتدافع عن الحقوق الفردية والحريات في المغرب.
أما عبارة "God is lesbian" أو "الله مثلية"، فلها جذور قوية في الحركات النسوية التاريخية والنسوية الكويرية، حيث برزت كجزء من حركات نقد أوسع خلال الفترة ما بين السبعينيات والتسعينيات، وتُعد تعبيراً عن تحدٍ للأنظمة الأبوية في الدين والمجتمع.
موقف سياسي لا إساءة دينية
تعود فصول قضية ابتسام لشكر إلى نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي، حين نشرت الناشطة المغربية صورة على حسابها في منصة "إكس"، ظهرت فيها وهي ترتدي قميصاً صيفياً يحمل عبارة "الله" باللغة العربية، متبوعة بـ "is lesbian" بالإنجليزية.
وبعد أيام قليلة، تسارعت الأحداث إثر تدوينة نشرها وزير العدل والحريات الأسبق، مصطفى الرميد، دعا فيها إلى محاسبة ابتسام لشكر. وقد أثارت هذه الدعوة جدلاً واسعًا في الأوساط الإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع النيابة العامة إلى التحرك، حيث أصدرت قرارًا بتوقيفها وإحالتها مباشرة على المحاكمة.
عبارة "God is lesbian" أو "الله مثلية"، فلها جذور قوية في الحركات النسوية التاريخية والنسوية الكويرية، حيث برزت كجزء من حركات نقد أوسع خلال الفترة ما بين السبعينيات والتسعينيات، وتُعد تعبيراً عن تحدٍ للأنظمة الأبوية في الدين والمجتمع.
وخلال جلسة النطق بالحكم مساء 3 سبتمبر، نقلت وسائل إعلام محلية أن ابتسام لشكر صرّحت أمام القاضي بأنها لم تكن تقصد الإساءة إلى الدين الإسلامي. وأوضحت أن القميص الذي أثار الجدل كانت قد ارتدته ضمن حملة نسوية نُظّمت في أوروبا ضد الفكر الذكوري، ونشرت صورتها آنذاك في شهر أيار/ مايو 2025، خلال مشاركتها في مظاهرة بالعاصمة البريطانية لندن.
وأضافت في هذا السياق: "لم أكن أشير إلى الله في الإسلام تحديداً، لأن مفهوم الإله يختلف من دين إلى آخر — بين المسلمين واليهود والمسيحيين — كما أنني لم أرتدِ القميص داخل المغرب، ولم تُنشر الصورة أثناء وجودي فيه"، مشددة على أن ما قامت به يندرج، حسب تعبيرها، في إطار حرية التعبير.
أما بخصوص وصف "الله" بالمثلية، كما ورد في منشورها على منصة "إكس"، فقد أوضحت ابتسام لشكر قائلة: "المثلية لا تُعدّ وصفاً سلبياً، بل على العكس، تحمل دلالة إيجابية في هذا السياق".
وفي سياق متصل، ذكرت وكالة "فرانس برس" أن هيئة دفاع الناشطة المغربية تعتزم استئناف الحكم الابتدائي الصادر بحقها.
وضع صحي حرج ومطالب بالسراح لأسباب إنسانية
منذ انطلاق جلسات المحاكمة، تقرر إيداع الناشطة ابتسام لشكر الحبس الاحتياطي داخل سجن العرجات بضواحي الرباط. ووفقاً لما صرّحت به المحامية وعضوة هيئة الدفاع، نعيمة الكلاف، فإن موكّلتها "وُضعت في زنزانة انفرادية ومُنعت من الاختلاط بباقي السجينات، ما تسبب في تدهور حالتها النفسية".
في المقابل، أكد فريق الدفاع، المكوّن من ثلاثة محامين، أن إدارة السجن لم تُقدّم أي مبررات أو توضيحات بخصوص قرار إخضاعها للسجن الانفرادي.
رغم حالتها الصحية الحرجة، لم تُمنح ابتسام لشكر الملاحقة خلال إفراجٍ مؤقت. ووفقاً للمحامي نوفل البعمري، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، فإن موكلته تعاني من مرض السرطان، وكانت بحاجة إلى إجراء عملية جراحية مستعجلة خلال هذا الشهر، محذراً من أنها قد تواجه خطر بتر ذراعها الأيسر في حال تأخر التدخل الطبي.
وكان المحامي نوفل البعمري قد نبه إلى أن "الوضع الصحي والنفسي لابتسام لشكر يستدعي، من الناحية الحقوقية والإنسانية، ملاحقتها قضائيا في حالة سراح، وتطبيق بدائل قانونية كمنعها من السفر الى الخارج أو أداء كفالة مالية، بما يتيح لها تلقي العلاج في ظروف مناسبة".
ولوحقت ابتسام لشكر بمقتضى الفصل 5-267 من القانون الجنائي، الذي يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من 20.000 إلى 200.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أساء إلى الدين الإسلامي.
وترتفع العقوبة إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وغرامة مالية بين خمسون ألفاً وخمس مئة ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتُكبت الأفعال المذكورة باستخدام الخطب، أو الصياح، أو التهديدات في الأماكن والتجمعات العامة، أو عبر أي وسيلة تحقق شرط العلنية، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية، الورقية، أو السمعية البصرية.
تضامن حقوقي نسوي
أثارت قضية اعتقال الناشطة المغربية ابتسام لشكر ردود فعل متباينة، وموجة تضامن واسعة من قبل عدد من الفعاليات الحقوقية والنسوية، التي طالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عنها، مؤكدين أن حرية الرأي والتعبير حق جوهري لا يمكن التنازل عنه تحت أي ظرف.
وفي هذا السياق، عبّرت "فدرالية رابطة حقوق النساء" عن قلقها الشديد واستنكارها للمضايقات والاعتقال الذي تعرضت له ابتسام لشكر. وحذرت الفدرالية من أن استمرار التضييق على المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان ومحاولات إسكات أصواتهم يُعد تراجعاً خطيراً عن المكاسب الحقوقية التي راكمها المغرب على مدى عقود.
أما الصحافية المغربية هاجر الريسوني، التي وُجهت إليها تهم في صيف 2019 تتعلق بإقامة علاقة جنسية خارج إطار الزواج نتج عنها حمل وإجهاض غير قانوني، وهي التهم التي نفتها سابقاً، واعتبرتها منظمات دولية مثالاً على انتهاك خصوصيتها وغياب احترام الحريات الفردية في البلاد، فقد عبّرت بدورها عن رفضها لملاحقة ابتسام لشكر في حالة اعتقال.
هاجر الريسوني، التي تقيم حالياً خارج البلاد، وصفت ما حدث بأنه "خطأ جسيم لا مبرر له، وأن الصمت تجاه هذا الاعتقال يُعدّ تطبيعاً غير مباشر مع استغلال السلطة لملاحقة النشطاء والناشطات". مؤكدة: "لم أكن يوماً من أنصار الرد على المواقف أو الآراء بالاعتقال وسلب الحرية، حتى لو اختلفت مع من يعبر عنها".
"الوضع الصحي والنفسي لابتسام لشكر يستدعي، من الناحية الحقوقية والإنسانية، متابعتها في حالة إطلاق السراح، وتطبيق بدائل قانونية مثل إغلاق الحدود أو أداء كفالة مالية، بما يتيح لها تلقي العلاج في ظروف ملائمة".
ورغم الانتقادات والهجوم الذي تعرضت له هاجر الريسوني عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً على صفحتها في فيسبوك، إلا أنها تمسكت بموقفها، وقالت: "سأواصل المطالبة بإطلاق سراحها، لأننا لا نعيش في زمن محاكم تفتيش. ماذا استفدنا من اعتقال ابتسام؟ ما الخطر الذي يمكن أن تمثله وهي تعبر عن رأيها، حتى وإن كان بأسلوب استفزازي؟".
يختلف بعض النشطاء حول أفضل الطرق للدفاع عن حقوق المرأة والأقليات في المغرب، حيث تلعب الأعراف الاجتماعية والثقافية دوراً حاسماً في تشكيل المواقف.
وترى الصحافية المغربية نورا الفواري، المعروفة بمواقفها الجريئة في مجال الحريات، أن استخدام خطاب جذري أو مستفز قد يؤدي إلى تصادم مع العقليات السائدة في المجتمع، ويخلق رفضاً جماعياً يضعف من تأثير الرسالة. وتضيف: "هذا الموقف دفع الإسلاميين والمحافظين للخروج من جحورهم وشنّ هجوم واسع على الحداثيين والمدافعين عن الحريات الفردية، مما ساهم في ترسيخ صورة نمطية سلبية عنهم".
كما خلّف الحكم الصادر بحق ابتسام لشكر صدمة في الأوساط الحقوقية وبين النشطاء/ ات، الذين كانوا يأملون/ ن في إطلاق سراحها أو استفادتها من العقوبات البديلة التي بدأت المحاكم المغربية تطبيقها منذ 22 آب/ أغسطس الماضي.
في إطار هذه الإصلاحات، تُحول العقوبات الحبسية في قضايا الجنح إلى بدائل مثل العمل لفائدة المصلحة العامة أو المراقبة القضائية، بهدف تقليل الاكتظاظ في السجون وتعزيز العدالة التصالحية.
يثير هذا الوضع تساؤلات حول إمكانية تطبيق هذه البدائل على القضايا الحقوقية المرتبطة بالحريات الأساسية، كما في قضية ابتسام لشكر.




























