أطلقت مؤسسة "فلسطينيات" مبادرة "محطات العمل"، وهي مساحات آمنة تتيح للصحفيات العمل والإقامة بعد أن دمّرت الحرب منازل كثيرات منهن.
اختارت المؤسسة عدداً من البيوت واستأجرتها، ثم أعادت تأهيلها لتكون محطات عمل مشتركة. وتمّ اختيار هذه البيوت في وسط وجنوب قطاع غزة، حيث ما تزال بعض المناطق، ولا سيما دير البلح، أقلّ عرضة للقصف الإسرائيلي مقارنة بغيرها.
حتى الآن افتتحت المؤسسة محطتين، وتتم دراسة إطلاق المحطة الثالثة قريباً. ولا توجد حتى اللحظة محطات مخصّصة للصحفيين الرجال.
في هذه المحطات تعيش الصحافيات معًا تحت الخطر ذاته. يتشاركن في وقت الحرب والسلم الخوف والخبز والانقطاع عن الأهل، ويقسمن وقتهن بين العمل الصحافي ومحاولة البقاء على قيد الحياة.
"جاءت فكرة تأسيس محطة عمل ومبيت للصحافيات مع بدايات الحرب على غزة، في وقت فقدت فيه كثير من الصحافيات منازلهن ومؤسساتهن الإعلامية، وأصبحن بلا أماكن آمنة للعمل أو المبيت"، تقول شيرين خليفة، العاملة في مؤسسة فلسطينيات الإعلامية النسوية.
وتوضح أن الضرورة فرضت نفسها، خاصة مع انقطاع الكهرباء والإنترنت، وصعوبة التنقل، ما جعل استمرار العمل الصحافي شبه مستحيل دون توفير مساحة مخصصة وآمنة لهن.

وتضيف خليفة أن الفكرة بدأت بخيم مخصصة للصحافيات، لكنها سرعان ما تعرّضت للتدمير خلال الاجتياحات، ما دفع المؤسسة إلى البحث عن بدائل أكثر أمانا ومع تطور الحرب وتعقّد احتياجات الصحافيات، تطورت الفكرة بدورها، فتم توفير شقة سكنية مكيّفة جرى تجهيزها لتكون محطة عمل ومبيت، تراعي احتياجات الصحافيات النازحات اللواتي فقدن منازلهن، أو لا يستطعن التواجد في بيوتهن بشكل مستمر بسبب القصف المتواصل وانقطاع الكهرباء والإنترنت.
تقول خليفة: "هذه المحطات لم توفّر فقط مكانًا للعمل، بل احتياجات أساسية مكّنت الصحافيات من الاستمرار في أداء واجبهن المهني، والحفاظ على حضور الصوت النسوي الفلسطيني في قلب الحرب."
جاءت فكرة تأسيس محطة عمل ومبيت للصحافيات مع بدايات الحرب على غزة، في وقت فقدت فيه كثير من الصحافيات منازلهن ومؤسساتهن الإعلامية، وأصبحن بلا أماكن آمنة للعمل أو المبيت
عروس وشهيد
منذ الأيام الأولى للحرب، وجدت هلا عصفور، 25 عامًا، نفسها تخوض تجربة إعلامية استثنائية، بعيدة كليًا عن المسار التقليدي الذي يبدأ عادة بالتدريب ثم التدرج المهني، كانت قفزتها مباشرة إلى الميدان، إلى واقع مفتوح على الخطر والخسارة والقرارات الصعبة.
للمرة الأولى، تغادر هلا منزل عائلتها وتعيش خارجه، في مجتمع محافظ اعتادت فيه الفتاة أن تنتقل من بيت العائلة إلى بيت الزوجية تقول هلا: "إن هذا القرار لم يكن سهلًا، لكنني اتخذته بدافع إيماني برسالتي الإعلامية، وحرصي على أداء دوري رغم كل التحديات".
في محطة العمل، اختبرت هلا تداخلًا غير مسبوق بين الحياة الشخصية والعمل الصحافي، المكان وفّر لها الكهرباء والإنترنت والمأوى، لكنه في الوقت ذاته فرض نمط حياة جماعيًا نادرًا، تحوّلت فيه الزمالة إلى عائلة هنا، تتشارك الصحافيات الحزن والفرح والعمل كوسيلة للبقاء، في واقع لم يترك مساحة للفصل بين الإنساني والمهني.

من أصعب ما واجهته هلا خلال الحرب انقطاع الاتصال والإنترنت بشكل كامل، ما جعل تواصلها مع عائلتها شبه مستحيل، بالنسبة لها، كان هذا الانقطاع أثقل من القصف نفسه، أحيانًا، كانت تعتمد على شرائح eSIM لإرسال رسالة قصيرة جدًا لأحد أفراد عائلتها لا تتجاوز كلمة "مرحبا"، فقط لتؤكد أنها ما زالت على قيد الحياة.
واجهت هلا خلال تغطيتها للحرب وحتى بعد توقف إطلاق النار بغزة مشاهد قاسية لا تُحتمل، صرخت أحيانًا، وبكت أحيانًا أخرى، فيما وثقت بعدستها قصص فقدان 33 فردًا من عائلتها، في تداخل مؤلم بين الخاص والمهني.
تبلغ التجربة ذروتها بالنسبة لهلا حين تستعيد لحظة فقدان خطيبها، الذي قضى في قصف إسرائيلي استهدف مجموعة من الصحافيين/ات أثناء عملهم/ن. تقول هلا: "من محطة العمل نفسها زفّتني زميلاتي كعروس، وبعدها بشهور زفّوا خطيبي شهيداً". ورغم الفقد، ما زالت تتذكر لحظات بسيطة جمعتهما في مطبخ المحطة الصغير، حيث كانا يسرقان فنجان قهوة من الزمن، ويحاولان صون الذاكرة وسط الحرب.
بالانتقال إلى محطة العمل، تغيّر الكثير في حياة نيللي، لم تعد مجرد مكان للعمل، بل مساحة آمنة وفّرت لها الخصوصية والاستقلالية، ومحاولة للتشبث بالحياة وسط الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية على غزة
ملاذ آمن وأم
في تجربة موازية، عاشت الصحافية نيللي المصري، 50 عاماً، تجربة النزوح والعمل ضمن محطة عمل ومبيت للصحافيات في دير البلح وسط القطاع.
تشرح نيللي: "وجودي مع صحافيات يشاركنني الوجع والمرح معًا منحني قوة إضافية، وجعل إنجاز العمل اليومي وحضور اجتماعيات العمل " أون لاين" ممكنًا رغم الظروف".
خلال الحرب، نزحت نيللي من شمال غزة إلى الجنوب قرابة ست مرات، وعاشت أيامًا طويلة تحت القصف، نجا جسدها فيها أكثر من مرة من الموت، بينما غادرت عائلتها القطاع، وسافر والداها إلى مصر، وبقيت هي مع شقيقتها، تعيشان لفترة داخل خيمة قبل الانتقال إلى محطة العمل.
زاد الألم حين فقدت نيللي والدها خارج غزة، دون أن تتمكن من وداعه، ليبقى الفقد معلقًا بين الحصار والمسافة. تصف ظروف عملها في الميدان بالقاسية جدًا، " كنت أضطر أحيانًا لقطع مسافات طويلة فقط لشحن هاتفي المحمول وحاسوبي، ما شكّل عبئًا مهنيًا وماديًا وهدد قدرتي على الاستمرار بالعمل".
بالانتقال إلى محطة العمل، تغيّر الكثير في حياة نيللي، لم تعد مجرد مكان للعمل، بل مساحة آمنة وفّرت لها الخصوصية والاستقلالية، ومحاولة للتشبث بالحياة وسط الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية على غزة حيث تتشارك الصحافيات تفاصيل العيش اليومي، من تناول فنجان القهوة الصباحي في حديثة المحطة وإعداد الطعام وسط النهار وتعبئة المياه إلى تقاسم المسؤوليات.
تقول نيللي: "إن هذه أول تجربة أعيش فيها في بيت مستقل داخل غزة، تعلمت خلالها الصبر والثبات وتحمل المسؤولية، واستعادة إحساس بعد فقدانه".
وتأتي هذه التجارب الصحافية في سياق أرقام صادمة تعكس حجم الاستهداف الذي يطال المدنيين والإعلاميين على حدّ سواء.
فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ مجموع الضحايا في قطاع غزة 72,027 شخصًا، من بينهم 12,400 امرأة، فيما ارتقى 252 صحافيًا وصحافية خلال الحرب. وحتى بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، أفاد مكتب الإعلام الحكومي بأن 556 شخصاً ارتقوا في القطاع خلال 115 يوماً من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، 99% منهم من المدنيين/ات، بينهم 288 طفلاً/ة وامرأةً ومسنّاً/ة.

عائلة جديدة في مكان العمل
هذه الأرقام لا تختصر حجم الخسارة الإنسانية فحسب، بل تضع قصص الصحافيات العاملات في محطات العمل والمبيت ضمن سياق أوسع من الاستهداف الممنهج للحياة، وللرواية الفلسطينية، ولمن يحاولون نقل الحقيقة من قلب المأساة.
تحت القصف وتهديد اجتياح خان يونس خلال الحرب على غزة، خرجت الصحافية أحلام حمّاد، 48 عاماً، من بيت أهلها برفقة ابنتيها صبا وصدف، بعد أن دُمّر منزلها في شمال غزة مع بداية الحرب، تكرر النزوح، وتشتّتت الأسرة حين اضطر زوجها الصحافي للبقاء في مكان آخر، في محطة العمل، وجدت أحلام وبناتها ملاذًا إنسانيًا أعاد إليهن الإحساس بالأمان.
داخل هذه المساحة، التقت أحلام بزميلاتها نيللي وهلا وغيرهن من الصحفيات اللواتي جمعتهن الحرب والوجع ذاته، تحت سقف واحد، تشكّلت عائلة جديدة، تتكئ على الدعم النفسي والتكاتف اليومي كي لا ينهار الجميع.
بحكم كونها الأكبر سنًا وأمًا لستة أبناء، عادت أحلام تلقائيًا إلى دورها كأم داخل المحطة، تعدّ الطعام لزميلاتها، وتوزّع الصحون بابتسامة، وتحاول التخفيف عنهن بالكلمة والاحتواء.
تقول أحلام: "إن الأمومة قرّبت المسافات بيني وبين زميلاتي رغم فارق العمر، وإن طبق طعام ساخن يكون أحيانًا أبلغ من أي خطاب".




























