رقية فريد
"أشعر بضغط دائم وعجز متراكم، أغلب الجهات المانحة تميل إلى دعم الأنشطة التي يمكن قياسها بسرعة، مثل الحملات أو الفعاليات أو المحتوى الرقمي، لأنها تحقق أرقامًا واضحة يمكن قياسها. هذا التوجه يهمّش أشكال الدعم الأساسية، وتقديم الخدمات للنساء، حيث إنَّ التمويل لدى المانحين مرتبط بحجم الأثر القابل للقياس، وليس بعمق الاحتياج الإنساني." هكذا تصف الناشطة النسوية المصرية لجين (اسم مستعار) تجربتها مع التمويل الدولي للمنظمات النسوية.
تمثل شروط التمويل الدولي اليوم تحديًا معقدًا للمنظمات النسوية، إذ لا يقتصر تأثيرها على الجانب المالي فحسب، بل يمتد ليقيد دور المؤسسات كملاذ آمن للنساء، ويحدد أولوياتها وفق ما يمكن عرضه وقياسه لدى الجهات المانحة، بغض النظر عن الاحتياجات الحقيقية والمباشرة للنساء المستفيدات.
ويطرح هذا السياق سؤال محوري: إلى أي مدى يمكن اعتبار التمويل الدولي أداة دعم حقيقية للحركات النسوية، ومتى يتحول إلى شكل جديد من أشكال الوصاية والاستعمار الغربي؟
أوقفت الحكومة الألمانية دعمها المالي لمشروع مناهضة الاتجار بالنساء الذي تنفذه مؤسسة "قضايا المرأة المصرية"، وذلك بسبب توقيع رئيسة مجلس أمناء المؤسسة على بيان دعا إلى وقف الحرب على غزة
التمويل المشروط كأداة للوصاية

خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أوقفت الحكومة الألمانية دعمها المالي لمشروع مناهضة الاتجار بالنساء الذي تنفذه مؤسسة "قضايا المرأة المصرية"، وذلك بسبب توقيع رئيسة مجلس أمناء المؤسسة، المحامية عزة سليمان، على بيان دعا إلى وقف الحرب على غزة، ومقاطعة إسرائيل، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها. وأفادت السفارة الألمانية بالقاهرة بأن القرار يستند إلى ما سمّته "قواعد ألمانية" تمنع تمويل الكيانات التي تتبنى الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل.
تقول عزة سليمان في حديثها: "رغم واقعة وقف التمويل، فإن تجربتي مع الجهات المانحة لم تتضمن، في المجمل، فرض قيود مباشرة على طبيعة المشروعات أو القضايا التي نعمل عليها"، مضيفة أن: "الاستثناء الوحيد كان المتعلق بالموقف من الحرب على غزة، بينما بخلاف ذلك لم نواجه أي تقييد على أجندة المؤسسة أو خطابها الحقوقي".
في تقرير عن سياسات التمويل الدولي تشير الباحثتان ميغا كاشياب وإيبسيتا دويفيدي إلى أن تمويل المنظمات النسوية من الخارج لم يعد دعمًا محايدًا، بل أصبح في كثير من الأحيان وسيلة جديدة لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة القديمة، وأن سياسات التمويل الأجنبي متأثرة بالإرث الاستعماري، حيث يفرض المانحون أولوياتهم ورؤيتهم الغربية على المنظمات النسوية في دول الجنوب، دون مراعاة كافية للسياقات المحلية واحتياجات المجتمعات نفسها.
ويوضح التقرير أن هذا النمط من التمويل، خاصة ضمن المساعدات الإنمائية الرسمية، يحدّ من استقلالية الحركات النسوية، ويحوّل التمويل إلى أداة للنفوذ والسيطرة بدلًا من كونه دعمًا حقيقيًا للعدالة الجندرية، وهو ما اعتبرته الباحثتان شكلًا من أشكال الاستعمار الحديث في ثوب تنموي.
أجندة المانحين: الضغط الخفي على المؤسسات
"القيود المرتبطة بتمويل المنظمات لا تأتي فقط من الجهات المانحة بشكل مباشر، لكنها تظهر كثيرًا في صورة قيود داخلية نضطر لوضعها على أنفسنا"، تقول ياسمين علاء، الناشطة والأكاديمية النسوية – السياسية، موضحة أن المؤسسات تضطر أحيانًا إلى إعادة صياغة مشروعاتها بالكامل لتتماشى مع أجندات التمويل المتاحة. وتضيف: "هذا التكيّف يتم طوعًا بسبب الحاجة إلى الموارد، فتتحول الأولويات من الاستجابة للاحتياجات الحقيقية على الأرض إلى تلبية شروط المنح."
وتتابع: "المشكلة ليست فقط في المانح، لكن في الضغط الذي يجعلنا نعيد تشكيل أنفسنا لضمان استمرارية الموارد."

وتشير ياسمين إلى أن القيود تمتد أيضًا إلى مستوى اللغة، قائلة: "في كثير من الأحيان تُفرض مصطلحات بعينها، بقيود سواء من الجهة المانحة أو للحصول على الموافقات الرسمية، خاصة مع عمل المنظمات تحت قوانين تنظّم المجتمع المدني وتفرض إجراءات معقدة وانتظارًا طويلًا." وتوضح أن: "هذه الاشتراطات لا تقيّد الخطاب فقط، لكنها تؤثر على توقيت المشروعات واستقلاليتها، إلى جانب الضغط المجتمعي وردود الفعل السلبية المرتبطة بالصورة النمطية عن عمل المنظمات."

وبحسب ياسمين فإن التقدم للتمويل نفسه عملية مرهقة ومكلفة، ويحتاج إلى وقت طويل وفرق متخصصة وموارد مدفوعة، من دون أي ضمان للقبول أو حتى الحصول على رد وتلفت إلى أن: "كثيرًا من فرص التمويل تفتقر إلى الشفافية، إذ تُفتح الدعوات أحيانًا بشكل شكلي بينما تكون الاختيارات محسومة مسبقًا، ما يضاعف الإحباط لدى المبادرات والمجموعات الصغيرة."
يوضح تقرير أين هو المال؟ where is the money? أن سياسات التمويل ما زالت تؤثر بشكل مباشر على استقلالية المنظمات النسوية. إذ أفادت 63% من المنظمات النسوية ومنظمات حقوق النساء بأنها اضطرت إلى تعديل أولوياتها وأنشطتها لتتناسب مع متطلبات الجهات المانحة، بينما أشارت 76% إلى غياب الشفافية في تحديد أولويات التمويل وآليات اختيار المشروعات. كما يبيّن التقرير أن أغلب أشكال التمويل المتاحة قصيرة الأجل ومقيّدة بمشروعات محددة، ما يزيد من حالة عدم الاستقرار المالي، ويقلل من قدرة هذه المنظمات على الاستجابة الفعلية والمستمرة لاحتياجات النساء الحقيقية على المدى الطويل.
تشير المحامية الحقوقية كارولين كيوكو في تحليلات منشورة على موقع African Arguments إلى أن جزءًا كبيرًا من التمويل الدولي الموجَّه لقضايا النسوية في إفريقيا يؤدي عمليًا إلى فرض أولويات الجهات المانحة على المنظمات المحلية. فالمساعدات التنموية، التي توسعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا تُستخدم فقط لدعم المساواة، بل كثيرًا ما تنقل نماذج جاهزة للنسوية قادمة من دول الشمال العالمي دون مراعاة كافية للسياق الاجتماعي أو للتاريخ النسوي المحلي، ما يضعف قدرة الحركات النسوية الإفريقية على تحديد أولوياتها بنفسها.
احتياجات النساء تخسر معركة التمويل
قالت يارا (اسم مستعار)، المديرة التنفيذية لإحدى المؤسسات النسوية المصرية: "إن الجهات المانحة ترى أن تقديم الخدمات هو دور الدولة لا دور المجتمع المدني.
لا يمكن فصل النضال النسوي عن نقد البنى الرأسمالية والاستعمارية التي تعيد إنتاج علاقات القوة على المستوى العالمي

أمّا الناشطة النسوية لجين (اسم مستعار) فتقول: "غالبية الحالات التي نتعامل معها، خاصة الناجيات من العنف داخل المجال الخاص، يعانين من صدمات نفسية عميقة، ما يجعل الحد الأدنى من جلسات الدعم غير كافٍ على الإطلاق"، موضحة أن "تكلفة الجلسات المتخصصة مرتفعة، بسبب الحاجة إلى معالجين/ت مؤهلين/ت وواعين/ت بالصدمات، وهو ما يحدّ من عدد الحالات التي يمكن دعمها مقارنة بحجم الاحتياج". وتشير إلى أن "المشكلة تمتد أيضًا إلى أشكال أخرى من الدعم، مثل الدعم التقني، الذي يتطلب تدريبًا مستمرًا ومتابعة دائمة لأنماط العنف الرقمي المتغيرة".
في مقدمة كتابها "النسوية بلا حدود" تؤكد الباحثة النسوية تشاندرا موهانتي أنه لا يمكن فصل النضال النسوي عن نقد البنى الرأسمالية والاستعمارية التي تعيد إنتاج علاقات القوة على المستوى العالمي. وتوضح موهانتي أن سياسات التنمية والتمويل غير محايدة، إذ تُفرض ضمن منظومات اقتصادية وسياسية تعيد توجيه أولويات الحركات الاجتماعية، بما فيها النسوية. كما تنتقد موهانتي تصوير نساء "العالم الثالث" في الخطاب الغربي كفئة متجانسة تحتاج إلى الإنقاذ، وهو تبسيط يُستخدم لتبرير تدخلات تنموية مفروضة من الخارج.
بدائل محلية في مواجهة التمويل المشروط

في هذا السياق، تبرز بعض المبادرات المحلية، مثل "صندوق درية"، كبديل محتمل لنموذج التمويل الضبطي السائد، الذي يفرض أولوياته ويقيس الأثر وفق معايير خارجية. إذ يركّز الصندوق على تمويل المشاريع المباشرة والأنشطة المجتمعية التي تنطلق من الاحتياجات الفعلية للنساء، لا من شروط الجهات المانحة أو حساباتها السياسية. ويقوم هذا النموذج على منطق مختلف للتمويل، يُقدِّم الثقة والاستجابة للسياق المحلي على الرقابة والقياس الكمي السريع.
ويتيح هذا التوجّه للمنظمات النسوية مساحة أوسع لصياغة برامجها بشكل مستقل، وتقديم أشكال دعم غالبًا ما تُهمَّش في منظومات التمويل الدولي، مثل الدعم النفسي، والحماية، والمناصرة طويلة الأمد، بما يسهم في تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفجوة بين الموارد المتاحة واحتياجات النساء على الأرض.
ويسعى صندوق "درّية" النسوي إلى بناء منظومة بيئية نسوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تُمكّن الجيل الجديد من الحركات النسوية من الوصول إلى تمويل وموارد أكثر استدامة، بعيدًا عن الضغوط السياسية والأجندات الخارجية. ويهدف الصندوق، من خلال هذه المنظومة، إلى دعم استمرارية العمل النسوي وتعزيز حقوق ورفاهية وسلامة النساء والفتيات، باعتباره فعلًا تحرريًا لا مجرّد مشروع قابل للقياس.




























