"بعد وفاة والدي، خذلتني عائلته، وسُلبت حقوقي المالية والاجتماعية تحت غطاء القانون والشرع وقوانين الأحوال الشخصية". تقول أحلام طبرا، إعلامية في قناة أورينت، وتتابع: "توفي والدي وأنا في الحادية عشرة من عمري، وغادرت سوريا عام 2005. الرجل الذي صانني وحماني وقدّم لي الدعم والرعاية لم يكن من عائلة والدي، بل زوج والدتي، وكان أحنّ عليّ من كثيرين ربطتني بهم صلة دم.

وعن التحديات التي عاشوها تقول أحلام: "أعتقد أن أمي دفعت الثمن الأكبر. عشنا سنوات من التهديد والابتزاز، ومن الخوف الدائم من أن يتم سحبنا منها وإيداعنا في بيت جدي لوالدي. كنا نعيش قلقًا مستمرًا، وكأننا على وشك أن نفقد حياتنا في أي لحظة."
وتوضح أحلام أن النزاع لم يكن قانونيًا فحسب، بل ترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا على الأسرة بأكملها، مضيفة: "بعد ست سنوات من المماحكات، كسرنا جميعًا واستسلمنا. القانون يحمي ولاة الأمر، والقاضي يتبع العرف، ثم يُقال لنا: هذه عادات وتقاليد."
ورغم كلّ المآسي التي تتكرّر يوميًا، والتي تطال في المقام الأوّل الأطفالَ والأمّهات، ما زالت التعاميمُ والقوانينُ السوريّةُ تصبّ في الخانة ذاتها، فالتعميمُ الذي صدر بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 2025 يجيز لوليّ القاصر/ة على النفس استصدار جواز سفر القاصر/ة وإنجاز معاملات سفره/ا دون موافقة القاضي الشرعي. غير أنّ الإشكالية الأبرز تمثّلت في توسيع دائرة أصحاب الولاية على النفس لتشمل، إلى جانب الأب، سلسلة واسعة من الأقارب الذكور وفق ترتيب العصب، ما يكرّس تغييب دور الأم ويقدّم ولاية ذكورية موسّعة على حساب مصلحة الطفل أو الطفلة الفضلى.
حين يدفع الأطفال ثمن الصراع على الولاية
ويظلّ السؤال الجوهري مطروحًا حول مدى عدالة الإبقاء على توزيعٍ تقليدي للولاية، لا يعكس التحولات الفعلية في بنية الأسرة السورية ولا ينسجم مع مفهوم المصلحة الفضلى للطفل/ة بوصفه /ا معيارًا حاكمًا. ففي واقعٍ تتحمل فيه الأمهات، في عدد متزايد من الحالات، المسؤولية الكاملة عن الرعاية اليومية، واتخاذ القرارات الصحية والتعليمية والنفسية، يصبح استبعادهن من القرار المتصل بسفر القاصر/ة أو وثائقه/ا الرسمية مفارقة قانونية يصعب تبريرها. إذ تُمنح سلطة الولاية لشخص قد لا يضطلع بأي دور فعلي في حياة الطفلة أو الطفل، بينما تُحجب عمّن تقوم بدور الرعاية الحقيقية، وهو ما يحوّل الحضانة إلى مسؤولية بلا صلاحية، ويُفرغها من معناها القانوني والإنساني، دون أن يحقق بالضرورة حماية أعلى للطفل/ة أو استقرارًا له/ا.
ولا تُختزل تجربة أحلام في كونها حالة فردية معزولة، بل تعكس واقعًا أوسع تعيشه نساء كثيرات، حيث تتحول الولاية من وسيلة حماية إلى أداة نزاع، ويُستخدم الأطفال كورقة ضغط في صراعات لا تراعي مصلحتهم الفعلية، ولا تعترف بالدور الحقيقي الذي تؤديه الأمهات في حياتهم اليومية.
"بعد وفاة والدي، خذلتني عائلته، وسُلبت حقوقي المالية والاجتماعية تحت غطاء القانون والشرع وقوانين الأحوال الشخصية"
الإطار القانوني للتعميم
من حيث الإطار القانوني، يستند التعميم رقم (17) لعام 2025 إلى جملة من النصوص القائمة، أبرزها المادة (150) التي تشترط موافقة الولي الشرعي على سفر القاصر، والمادة (163) التي تُعرّف الولي بوصفه الممثل القانوني للقاصر/ة في شؤونه/ا المدنية، والمادة (170) التي تُرتّب الولاية على النفس بدءًا بالأب، ثم بالجد الصحيح، ثم بالعصبة بالنفس وفق ترتيب الإرث: أي أنّ التعميم يستند، في جوهره، إلى نصوص قانونية قديمة، دون إعادة نظر في مدى انسجامها مع الواقع الفعلي للرعاية، حيث يُهمَّش دور الأم بوصفها الحاضن الأساسي، وتُقدَّم عليها ولاية ذكور قد لا تربطهم بالطفل أو الطفلة أي علاقة فعلية أو معرفة مباشرة.
وفي الوقت ذاته، يؤكد قانون الأحوال الشخصية في المادتين (137) و(138) على حق الأم في الحضانة حتى سن محددة، على أن تُمارس هذه الحضانة بما لا يتعارض مع حق الولي في الولاية، وهو ما يُكرّس عمليًا أولوية الولاية القانونية على الحضانة عند التعارض. وبناءً على ذلك، جاء التعميم ليضبط الإجراءات الإدارية المتصلة بالسفر فقط، دون أن يُدخل تعديلًا تشريعيًا على القواعد الجوهرية للولاية، ودون أن يمنح الأم صفة الولي على النفس.
التوضيح الرسمي للتعميم وحدوده القانونية
وفي أعقاب موجة من التساؤلات حول نطاق تطبيق التعميم وآثاره، صدر توضيح عن القاضي الشرعي الأول بدمشق، المستشار أحمد حمادة، سعى إلى ضبط نطاق تطبيق التعميم وحصره في الجوانب الإجرائية المتعلقة بإصدار جوازات السفر وأذونات السفر للقاصرين. وقد أكد التوضيح أن للأم حق استصدار جواز سفر القاصر مباشرة من إدارة الهجرة والجوازات دون الحاجة إلى مراجعة القضاء الشرعي، كما أشار إلى جواز اعتماد وسائل الاتصال المرئي للتحقق من موافقة أحد الوالدين عند وجوده خارج القطر، وإلى استمرار العمل بأحكام الوصاية الشرعية دون أي تعديل.
غير أن هذا التوضيح، على أهميته في تخفيف بعض التعقيدات العملية، لا يرقى إلى مستوى تعديل القاعدة القانونية الناظمة للولاية على النفس، ولا يُنشئ للأم ولاية قانونية مستقلة على القاصر/ة. إذ أبقى صراحةً على اشتراط الموافقة المشتركة للأب والأم على سفر القاصر/ة وفق المادة (150) من قانون الأحوال الشخصية، وعلى اللجوء إلى ترتيب العصبات عند غياب الأب، وهو ما يؤكد أن جوهر الإشكال لا يزال قائمًا، ويتمثل في تقديم الولاية الذكورية كأصل قانوني، مقابل تقييد دور الأم بوصفها منفذة للإجراء لا صاحبة قرار.
المحامية خلود مبارك، ترى أن: "إصلاح مسألة الولاية يتطلب الخروج من منطق التعاميم التفسيرية، والاتجاه نحو تعديل تشريعي واضح يعيد تعريف الولاية بوصفها سلطة مشتركة بين الوالدين، لا امتيازًا ذكوريًا." وتؤكد مبارك: "الحل يكمن في ربط الولاية بالحضانة الفعلية والإعالة والمسؤولية الواقعية، مع تمكين القضاء من الفصل في النزاعات وفق مصلحة الطفل، لا وفق ترتيب العصبات."
وتضيف إن: "أي نظام قانوني لا يعكس واقع الأسرة اليوم سيبقى مصدرًا للنزاع بدل أن يكون أداة حماية".
إصلاح مسألة الولاية يتطلب الخروج من منطق التعاميم التفسيرية، والاتجاه نحو تعديل تشريعي واضح يعيد تعريف الولاية بوصفها سلطة مشتركة بين الوالدين، لا امتيازًا ذكوريًا

تعميم يخالف معايير قانونية دولية
ووقّعت سوريا على اتفاقية حقوق الطفل عام 1990 لكن مع تحفظات، أبرزها ما يتعلّق ببعض المواد التي تُفسَّر على أنها تتعارض مع القوانين الوطنية أو الشريعة (خصوصًا مسائل النَّسب، التبنّي، وبعض جوانب الأحوال الشخصية).
وفي هذا السياق، لا يقتصر الإشكال على الآثار العملية للتعميم رقم (17)، بل يمتد إلى مخالفته لمعايير قانونية دولية ملزمة، في مقدمتها مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.
وتنص المادة (3) من اتفاقية حقوق الطفل على أن تكون مصلحة الطفل الاعتبار الأول في جميع الإجراءات والقرارات المتعلقة به، كما تؤكد المادة (18) من الاتفاقية ذاتها المسؤولية المشتركة لكلا الوالدين في رعاية الطفل وتربيته دون تمييز. إن إقصاء الأم من الولاية على النفس، ومنح سلطة القرار لأقارب قد لا تكون لهم أي علاقة فعلية بحياة الطفل اليومية، يُفرغ هذا المبدأ من مضمونه، ويستبدل التقييم الواقعي للمصلحة الفضلى بترتيب قرابة جامد لا يعكس احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، يكرّس هذا التنظيم تمييزًا قائمًا على أساس الجنس، من خلال افتراض نقص الأهلية القانونية للأم لمجرد كونها أنثى، ومنح الأفضلية القانونية لذكور العائلة حتى وإن كانوا أبعد صلة وأضعف ارتباطًا بالطفل، في مخالفة صريحة للمادة (2) من اتفاقية حقوق الطفل، وللمبادئ العامة التي أقرتها لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة بشأن المساواة في المسؤولية الأبوية.




























