أم بركة في مقهاها – تصوير: شيماء اليوسف
يتردّد صوت أمّ بركة، امرأة تجاوزت الستين في منطقة الصعايدة الشعبية بحيّ المطرية شمال القاهرة، وهي تنادي: "شاي، قهوة، شيشة". وحين تراقبها وهي تحمل بيديها النرجيلة وصينية الشاي، متنقّلةً بهما بين المحال التجارية والورش الحرفية في الحارات الضيّقة، أو وسط الباعة في الأسواق، تبدو كقطارٍ يتماسك فوق قضبانٍ واهنة، لكنه لا يتوقّف.
صوت من حي المطرية
كُنِّيت السيدة فاطمة بـ "أمّ بركة"، نسبةً إلى ابنها الأكبر بركة. يُسمَع صوتها القوي من بعيد، حتى يخال المرء أن صاحبته امرأةٌ خارقة، لكن ما إن تقترب منها حتى ترى امرأةً هشّة، بملامح مُرهقة على الدوام.
اضطرت إلى التخلي عن مسكنها الصغير المؤلَّف من غرفة وصالة، لتستند بظهرها إلى مصطبةٍ خرسانية داخل مقهاها الشعبي، ريثما تجمع أجرة سيارة تقلّها من القاهرة إلى الإسكندرية لزيارة أبنائها المحتجزين في سجن وادي النطرون. ثلاثةُ شبّانٍ صدر بحقهم قبل عشرة أعوام حكمٌ بالسجن خمسًا وعشرين سنة بتهمة الاتجار بالمخدرات.
تستيقظ أمّ بركة قبل الرابعة فجرًا، حتى في أقسى درجات البرودة. تشعل النار تحت الماء، وتصبّ أكواب الشاي والقهوة للعاملين في أفران الخبز والأسواق المجاورة. ثم تمضي يومها في انتظار زبائنها: الجدد منهم/ن، من النساء العاملات في ورش الخياطة أو مصانع الحلويات، أو الأمهات اللواتي ينتظرن خروج أطفالهن من المدارس، وهو مشهد نادر في المقاهي الشعبية بحواري القاهرة.
تستيقظ أمّ بركة قبل الرابعة فجرًا، حتى في أقسى درجات البرودة. تشعل النار تحت الماء، وتصبّ أكواب الشاي والقهوة للعاملين في أفران الخبز والأسواق المجاورة
ورغم أن تسعيرة كوب الشاي سبعة جنيهات أي نحو 15 سنتاً أميركياً، فإنها لا تمانع في بيعه بخمسة جنيهات أي نحو 10 سنتات أميركية فقط لمن لا يملك ثمن المشروب الشعبي الأشهر في مصر، وقد تقدّمه مجانًا أحيانًا. وفي نهاية اليوم، تتراوح حصيلة عملها بين 200 و300 جنيه، أي ما يعادل نحو 4 إلى 6 دولارات يوميًا، مقابل يوم عمل يمتد لأكثر من أربع عشرة ساعة.
تقول: "لو يوم من التعب ما صحِتش بدري، الصنايعية بييجوا يخبطوا عليّ ويصحّوني عشان أعمل لهم شاي".

أم بركة أيام الحرب
بدأت صراعها مع الحياة في الثانية عشرة من عمرها، حين كانت تبيع زجاجات المياه الغازية على القطارات المتجهة إلى السويس، خلال العدوان الثلاثي على مصر. بين الجنود والركّاب، كان صوتها الصغير يعلو مردّدًا: "سالمة يا سلامة… رحنا وجينا بالسلامة". لم تكن الكلمات مجرّد أغنية، بل بصيص صمود في مواجهة الخوف، وبذرة إرادة شكّلت امرأةً لا تنحني أمام الأيام.
حصلت أمّ بركة على الشهادة الابتدائية، وتزوّجت في سن الخامسة عشرة من شابٍ صعيدي نشأ في أخميم بمحافظة سوهاج جنوب مصر، لتبدأ معه رحلة جديدة على دروب الشقاء والكدّ. أسّس الزوجان مقهىً شعبيًا صغيرًا، وعاشا في شقة متواضعة لا تتجاوز مساحتها ستين مترًا، تحوّلت جدرانها إلى شاهدٍ على معترك الأيام. هناك أنجبت سبعة أبناء، أربعة أولاد وثلاث فتيات، لم يُكمل معظمهم/ن تعليمهم/ن، واعتمدوا/ن في لقمة عيشهم/ن على الحِرف اليدوية التي صقلتها أيديهم/ن منذ الطفولة.
تقول: "زمان ما كانش فيه حاجة اسمها تنظيم أسرة، كانت كل الناس بتخلّف بالدستة".
قبل خمسة عشر عامًا، فقدت أمّ بركة زوجها، تاركًا إيّاها وحيدة في مواجهة مشقّات الحياة. وعلى مدار خمس سنوات، زوّجت بناتها الثلاث، وبقيت إلى جانب أولادها الأربعة، تقف معهم مرشدةً وحامية. تقول: "ولادي كانوا شغّالين حدادين وعايشين في حالهم".
لكن هذا الهدوء لم يدم، إذ اندلع خلاف عنيف مع آخرين هاجموا أبناءها، وأضرموا النار في بيتها ومقهاها، في محاولة للاستيلاء على ممتلكاتها بأسلوب وضع اليد. وفي خضمّ هذه الأحداث، تورّط أبناؤها في قضية اتجار بالمخدرات، وصدر بحقّهم حكمٌ بالسجن خمسٍ وعشرين سنة لكلّ واحدٍ منهم. وقعت صدمة الحكم على قلبها كالصاعقة.

أزمة صحية آثارها باقية
بعد ذلك، تعرّضت لأزمة صحية ونفسية حادّة، أُدخلت على إثرها إلى المستشفى لنحو أربعة أشهر، بعدما أُصيبت بجلطة دموية أفقدتها القدرة على المشي والوقوف. وهو ما يفسّر مشيتها اليوم، كمن يعاني عجزًا جزئيًا في قدميه. اضطرت بناتها إلى إعادة فتح المقهى والعمل فيه لتأمين تكاليف العلاج، بعدما ضاقت بهنّ السبل ولم يعد هناك مصدر آخر للرزق. وفي الوقت نفسه، تجددت أطماع بعض الأقارب للاستيلاء على البيت والمقهى مرة أخرى، ولا سيّما أن الفتيات وجدن أنفسهنّ وحدهنّ في بيئةٍ تسودها الذكورية.
تعافت أمّ بركة جزئيًا، وعادت لتدير مقهاها، بعدما صار العمل أمرًا إلزاميًا لا مفرّ منه، كي تتمكّن من جمع نحو عشرين ألف جنيه، حوالي 400 دولار أميركي لزيارة أبنائها مرة كل شهرين. تقول: "بقالي ثلاثة شهور ما شفتش ولادي من قِلّة الفلوس، وكل شوية يبعثولي جواب يقولوا لي: وحشتينا يا أمي، عاوزين نشوفك".
تعمل أمّ بركة بلا كلل على مدار شهرين كاملين، توفّر كل قرش، وتدّخر ما تستطيع من مصروفها اليومي، فقط لتتمكّن من زيارة أبنائها في السجن
زيارة في سجن وادي النطرون
تعمل أمّ بركة بلا كلل على مدار شهرين كاملين، توفّر كل قرش، وتدّخر ما تستطيع من مصروفها اليومي، فقط لتتمكّن من زيارة أبنائها في السجن. تحمل معها في الزيارة سجائر، وطعامًا مُعلّبًا، ووجبة غداء طازجة، وقليلًا من النقود. تقطع مسافة تقارب 140 كيلومترًا في نحو ساعتين ونصف بالسيارة، وخمس ساعات كاملة ذهابًا وإيابًا، لتقف أخيرًا خلف السور الحديدي، ولا ترى أبناءها لخمس دقائق فقط.
لم تنل في هذا العمر قسطًا من الراحة في رحلتها الشاقّة، وسط مسؤوليات تتراكم على عظامها المتهالكة. تقول بصوتٍ يملؤه الألم: "ماكنتش أتخيّل إني أعيش محرومة من ولادي سنين طويلة… كل يوم أحلم بيهم… ".
لم تستطع أمّ بركة استئجار عاملٍ يساعدها في العمل داخل المقهى، إذ إن ما تتحصّل عليه يوميًا يقلّ عن الأجر الذي يطلبه أي عامل. ومع تراكم الديون، أقدمت شركة الغاز على فصل الخدمة عنها بعد عجزها عن سداد فاتورة بلغت ثلاثة آلاف جنيه أي نحو 60 دولارًا. اضطرت بعدها إلى استخدام أسطوانات الغاز المحمولة، التي تدفع ثمن الواحدة منها 300 جنيه مصري أي قرابة 6 دولارات كل أربعة أيام.
في حيّ المطرية، تحظى أمّ بركة بتقديرٍ واحترامٍ كبيرين، حتى غدت رمزًا للقوة والشجاعة. لم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهها، إذ فرضت حضورها ونفوذها بعدما واجهت بلطجةً ذكورية من أقارب حاولوا السطو على مقهاها وبيتها. تقول: "القريب والغريب طمِع فيّ عشان لوحدي… بس أنا وقفت في وشّهم كلّهم وما خفتش من حد".




























