نلوم مجتمعنا الأم على ما فيه من ظلم وطبقية وعنصرية وذكورية، ونحمّل مجتمعاتنا العربية مسؤولية ما تراكم فيها من رجعية وانغلاق. ولذلك نغادر أحيانًا بحقيبة سفر واحدة أو اثنتين، نغادر كل ما عرفناه ونتركه وراءنا، هربًا من سلطةٍ أبوية خانقة، ومن حروب لم نخترها، وسياسات لم نصنعها، ومجتمعات ضيّقت علينا فضاء الحياة ومنعتنا من التحليق. لكن ثمة نساء يقررن العودة رغم الخطر، مثل الناشطة ينار محمد، لكنهن يدفعن ثمن هذه العودة غاليًا… حياتهن.
ينار محمد، واحدة من أبرز الأصوات النسوية في العراق، تُغتال برصاصتين أمام منزلها في بغداد، المنزل الذي كان ملجأً لكل الخائفات والمعنّفات، ولكل من ضاقت بهن السبل. عندما انتشر خبر مقتل ينار، شعرتُ بغصّة قوية في صدري، رغم أنني لم أعرفها شخصيًا، وكأن شيئًا من الأمل الضئيل الذي كان لدي قد انطفأ. كانت ينار امرأة استثنائية كرّست حياتها وعملها للدفاع عن النساء الناجيات من العنف والاتجار بالبشر، خصوصًا النساء الإيزيديات.
النساء يدفعن ثمن كل شيء مضاعفًا… ومن دمائهن
نساء اخترن البقاء والمقاومة
نغادر أوطاننا، لكن يبدو أن الأوطان لا تغادرنا. نحاول عبثًا الهرب وبدء حياة جديدة في أماكن ظننا أننا سنكون فيها أكثر حرية وتمردًا، غير أن أوطاننا المثقلة بالهموم تلاحقنا بحروبها وخيباتها، بمشكلاتها وآلامها التي تعبر الحدود معنا ولا تفارقنا. نحاول الانخراط في مجتمعات جديدة، والتكيف مع إيقاع مختلف للحياة، لكننا نظل نحمل في داخلنا الوطن بكل وجعه وندوبه.
بعضنا يختار الرحيل لأنه الطريق الأسهل، لكن أخريات يخترن البقاء، مثل ينار. يبقين لأنهن يؤمنّ بأن التغيير لا يأتي من الخارج، بل من قلب العتمة نفسها. يبقين ليكنّ صوتًا لمن لا صوت لهن، ويواجهن منظومة كاملة من السلطة الأبوية والقمع الاجتماعي والسياسي. يبقين رغم التهديد، ورغم العزلة، ورغم الكلفة الباهظة التي قد يدفعنها. يبقين ويصمدن… إلى أن يوقف صمودهن رصاص الغدر، وتغتال أصواتهن يد الإجرام.
ينار، خريجة الهندسة، لم تبنِ قصورًا ولا أبراجًا، بل بنت بيوت الأمان لتأوي النساء وتحميهن. على مدى أكثر من عشرين عامًا، حاربت جرائم الشرف والعنف العشائري، واصطدمت بجدران المجتمع الصلبة وأصنامه وقوانينه. تعرّضت لحملات تشويه وشيطنة، وشنّت ضدها حملات إلكترونية واسعة، لكنها لم تأبه لكل ذلك، وواصلت عملها بشجاعة وإصرار حتى يوم اغتيالها.
ما يؤلم حقًا في بلادنا أن ثمن الإنسان رخيص جدًا، رصاصة واحدة تكفي. لم تكن ينار الضحية الأولى، وللأسف لن تكون الأخيرة. ففي أوطاننا المتشرذمة وغير المستقرة تعيش النساء واقعًا قاسيًا، ويدفعن ثمن التوترات والحروب وتغيّر الأنظمة. ببساطة، النساء يدفعن ثمن كل شيء مضاعفًا… ومن دمائهن.
نساءٌ اخترن البقاء في قلب الصراع الاجتماعي والسياسي، ودفعن حياتهن ثمناً لمحاولة توسيع هامش الحرية والحماية لغيرهن
خريطة الدم: اغتيال النسويات في العالم العربي
لم تكن اغتيالات الناشطات النسويات في عالمنا العربي حوادث مقتصرة على بلد واحد، بل ظاهرة تمتد عبر جغرافيا واسعة، تتبدل فيها الأسماء والأماكن، بينما تبقى الأسباب متشابهة: الخوف من صوت النساء حين يتحول إلى فعلٍ سياسي واجتماعي.
ففي العراق، الذي شهد واحدة من أكثر موجات استهداف الناشطات وضوحًا، اغتيلت سعاد العلي في البصرة عام 2018 بعد سنوات من عملها في الدفاع عن حقوق النساء والأطفال. ولم تمضِ سنوات قليلة حتى لحقت بها رهام يعقوب، الطبيبة الشابة التي تحولت إلى وجه بارز في احتجاجات تشرين، فاغتيلت هي الأخرى في المدينة نفسها عام 2020 بعد سلسلة من التهديدات.
وفي الموصل، دفعت المحامية سميرة صالح النعيمي حياتها ثمنًا لانتقادها علنًا ممارسات تنظيم داعش، إذ اختُطفت وعُذبت ثم أُعدمت علنًا عام 2014، في رسالة واضحة إلى كل امرأة تحاول رفع صوتها في وجه العنف والتطرف.
ولا يقتصر هذا الاستهداف على العراق وحده، ففي اليمن، حيث تنهش الحرب مقومات الدولة، قُتلت الناشطة افتتان المشهري في تعز عام 2025، بعد سنوات من العمل في الدفاع عن حقوق النساء والعمل الإنساني.
أما في سوريا، فقد أثار موت الناشطة هبة حاج عارف عام 2024 كثيرًا من الشكوك والتساؤلات، إذ ربطت منظمات حقوقية وفاتها بعملها الحقوقي في بيئة شديدة الخطورة على الناشطين والناشطات.
وبين هذه المدن، من الموصل والبصرة إلى تعز ودمشق، تتشابه الحكايات رغم اختلاف السياقات: نساء اخترن البقاء في قلب الصراع الاجتماعي والسياسي، ودفعن حياتهن ثمنًا لمحاولة توسيع هامش الحرية والحماية لغيرهن.
الأفكار لا تُقتل بالرصاص
لا أدري إن كان سيأتي يوم تصبح فيه بلادنا مساحات آمنة حقًا، مساحات لحرية التعبير والاختلاف، وآمنة للنساء اللواتي يرفعن أصواتهن طلبًا للحياة والعدالة. هل سيأتي يوم يجد فيه الشباب والنساء مكانًا حقيقيًا في قيادة مجتمعاتهم/ن، وفي مؤسسات أنهكتها القيادات الهرمة والعقليات الذكورية التي تخشى التغيير أكثر مما تخشى استمرار الخراب؟
ينار العظيمة، نعزّي أنفسنا بكِ، فلا عوض عن خسارتك الكبيرة. انتهت رحلتك، لكن أثرك لم ينتهِ. سيبقى في العراق، في كل امرأة وجدت معك ملجأً في بيت آمن، في كل ناجية استعادت قدرتها على الوقوف، وفي كل فتاة أدركت أن الخوف ليس قدرًا مكتوبًا. فالمرأة قادرة على أن تقود أمةً كاملة لو أُتيحت لها الفرصة، لكننا نعرف أن الفرص في أوطاننا لا تُمنح بسهولة، بل تُنتزع.
ولهذا ستظل النساء في عالمنا يشققن الطريق بأيديهن عبر الظلام الدامس، ولو كان الثمن باهظًا حدّ الدم، فالأفكار لا تُقتل برصاصة. العراق الذي أنجب ينار سينجب أخريات قويات وشجاعات، وبيوت الأمان التي بنتها لن تُغلق برحيلها، لأن كل صوت حاولوا إسكاته يخلّف وراءه صدىً أبعد، وصوتًا آخر أكثر قوة وإصرارًا.




























