لوحة "طعامه الأخير كان صبّارًا" – رسم رانيا إياد
تقف الفنانة التشكيلية الفلسطينية رانيا إياد أحمد حماد، 24 عامًا، أمام لوحاتها، تنظر إلى الخراب والمأساة من حولها ثم ترسم.
درست رانيا التربية الفنية، بدأت رحلتها مع الرسم في سن الحادية عشرة، حين كانت ترسم شخصيات الرسوم المتحركة، وظلّت متمسكة بموهبتها، مدعومة من أسرتها، حتى التحقت بعد الثانوية العامة بالتخصص الذي تحبه.
لم تكن رحلة رانيا نحو الفن منفصلة عن واقعها، فقد كبرت على أصوات القصف والحصار، ورأت مدينتها تتحول بين ليلة وضحاها إلى مساحة خوف ونزوح. تقول رانيا: "الرسم كان ملجأي حين كنت أبحث عن مكان آمن داخل بيت قد لا يكون آمنًا غدًا". ومع كل موجة تصعيد أو قصف، كانت تمسك بالفرشاة كأنها تتمسك بخيط نجاة.
"لم أستطع أن أرسم زهرة دون أن أراها ذابلة، ولا طفلًا دون أن أراه جائعًا"
تنحدر رانيا من قرية بشيت، وهي اليوم نازحة في غزة، تُدرّس الرسم في المخيمات، وتشارك في ورش فنية اعتادت ارتيادها منذ طفولتها.
تأثرت في مسيرتها الفنية بأعمال الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط، الذي شكّلت لوحاته عن اللجوء والهوية الفلسطينية مصدر إلهام مبكر لها، ورسّخت في داخلها فكرة أن الفن يمكن أن يكون ذاكرة شعب وصوت قضية.
في لحظات الصمت التي تسبق الرسم، تستعيد رانيا وجوه الأطفال/ات الذين التقتهم في المخيمات، وأمهات ينتظرن المساعدات، وبيوتًا انطفأت فيها الأضواء. تلك الوجوه تتحول إلى خطوط على الورق، وكأنها تحاول أن تظل حيّة رغم كل ما يحيط بها من موت.
تقول رانيا: "حين ضاق العالم، لم أجد سوى الفن متنفسًا. أرسم لأهرب من الوجع، لكن الواقع كان يلاحقني إلى كل لوحة. لم أستطع أن أرسم زهرة دون أن أراها ذابلة، ولا طفلًا دون أن أراه جائعًا".
الألوان بديلًا عن الكلمات
لوحتها "طعامه الأخير كان صبّارًا" ليست مجرد عمل فني، بل وثيقة بصرية عن المجاعة التي بدأت تتسلّل إلى غزة.
تروي رانيا في عملها حكايات أمهات يبحثن عن لقمة حياة لأطفالهن وسط الخطر، وصغار يسلكون طرقًا مثقلة بالموت والجوع بحثًا عن الأمان والطعام. تقول: "كان من الصعب عليّ أن أرى أطفالنا يموتون جوعًا، نعم، بالمعنى الحرفي للكلمة. الكبار قد يتحمّلون، لكن من يُسكِت معدة طفلٍ صغيرة؟".
بعض الأطفال الذين رسمتهم في لوحتها كانوا يشبهون أطفال/ات الجيران أو آخرين التقتهم رانيا خلال الانتظار في الطوابير. لم ترسمهم من خيال، بل من ذاكرة يومية مليئة بالمشاهد المتكررة للجوع والانتظار.
بكت رانيا أثناء رسم اللوحة، تتابع: "رأيت أطفالًا يقفون تحت الشمس الحارقة على أبواب التكايا ينتظرون لقمة. بعضهم خرج بحثًا عن الطعام ولم يعد، لأنه مات في الطريق إلى ما يسدّ رمقه".
في بيئةٍ مشبعة بالقهر، يغدو الفن فعل مقاومة ناعم لكنه عميق، يصرخ بلا صوت، ويُبكي بلا دموع.
تقول رانيا: "أرسم لأهرب من الوجع، فيلحقني الواقع إلى لوحتي".
لكن الطريق ليس سهلًا. فالفن مجال مكلف ومتعب وقليل العائد، خاصة في ظل انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أثّرت على سوق الأعمال الفنية. كما واجهت رانيا صعوبات كبيرة في جمع مستلزمات الرسم، سواء عبر ورش فنية أو مبادرات دعم، أو من خلال محاولاتها كسب بعض المال لتأمين أدواتها.
بين النزوح والبحث عن الأمان، تحمل رانيا مسؤوليات تتجاوز الرسم، فهي تدعم أطفالًا في المخيمات عبر حصص فنية تحاول من خلالها أن تزرع الأمل في قلوبهم. تقول: "إن رؤية طفل يبتسم وهو يرسم وسط الدمار تمنحني طاقة للاستمرار، حتى لو كان الواقع يضغط عليّ نفسيًا وماديًا".
كثيرٌ من حصص الرسم التي تُشرف عليها رانيا تُقام داخل خيام أو غرف مكتظة، حيث يجلس الأطفال/ات على الأرض ويستخدمون/ن أوراقًا بسيطة وأقلامًا متواضعة، لكنهم/ن يخرجون/ن من الجلسة وهم يحملون/ن إحساسًا بأن صوتهم/ن مسموع ولو عبر رسمةٍ صغيرة على ورق.
"ربما لن تُنقذ لوحاتي جائعًا من الجوع، لكنها تحفظ أسماءهم/ن ووجوههم/ن من النسيان، وتمنحهم/ن حضورًا دائمًا في ذاكرة الفن الفلسطيني"
الفنّ النسوي في غزة
رانيا، وغيرها من الفنانات، يرفعن الصوت عبر اللون، ويكسرن الصمت حول العنف والفقد والجوع والأمومة في زمن الحرب. فكل لوحة شهادة، وكل ضربة فرشاة فعل مقاومة، وكل معرض مساحة للبوح الجماعي.
في مجتمعٍ محافظ، وفي ظلّ حربٍ لا تفرّق بين رجل وامرأة، يغدو الفنّ النسوي مساحةً نادرة وآمنة للتعبير. الفنانات في غزة لا يكتفين بنقل الألم، بل يوثّقن تجارب الحرب من منظور نسوي يكشف تفاصيل لا تلتقطها الكاميرات ولا تسجّلها التقارير.
في جلسات الدعم النفسي والورش الفنية، يتحوّل الرسم إلى أداة علاج. فالنساء اللواتي فقدن أحبّتهن أو تهدّمت بيوتهن يجدن في الفن متنفسًا، وفي الألوان عزاءً، وفي اللوحات مساحةً للبوح.
تؤمن رانيا بأن الفن لا يداوي الجراح، لكنه يمنحها شكلًا وصوتًا وحقّ الوجود. تقول: "حين أرسم، لا أبحث عن الجمال، بل عن الحقيقة، عن لحظة صدق بيني وبين نفسي، وبين العالم".
وتعترف رانيا بأن بعض اللوحات تُرهقها نفسيًا لدرجة أنها تضطر إلى التوقف أيامًا قبل أن تُكملها، لأن استعادة المشاهد التي عاشتها تعني إعادة الدخول في تفاصيل مؤلمة. لكنها رغم ذلك تعود للرسم، لأنها تؤمن أن الهروب من الألم لا يُلغيه، أما مواجهته باللون فيمنحه معنى.
يُذكر أن عدد الضحايا تجاوز 72 ألفًا و500، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، من بينهم 12 ألفًا و400 امرأة.
وبعد التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، أفاد مكتب الإعلام الحكومي بأن أكثر من 556 شخصًا ارتقوا في القطاع خلال 120 يوماً من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، 99% منهم من المدنيين/ات، بينهم 288 طفلًا/ة وامرأةً ومسنًّا/ة.
وفي ظل غياب العدالة وتكرار النكبات، يغدو الفن أرشيفًا. لوحات رانيا ليست انعكاسًا للحاضر فحسب، بل وثائق للمستقبل.
"ربما لن تُنقذ لوحاتي جائعًا من الجوع، لكنها تحفظ أسماءهم/ن ووجوههم/ن من النسيان، وتمنحهم/ن حضورًا دائمًا في ذاكرة الفن الفلسطيني."، تقول الفنانة الشابة.




























