تلاميذ وتلميذات صفوف المدرسة الكمالية. غزة – تصوير: دعاء شاهين
داخل صفوف مدرسة الكمالية التي يفوح من جدرانها عبق التاريخ في حي الزيتون شمال غزة، يجلس التلاميذ والتلميذات على الأرض أمام السبورة، بلا مقاعد دراسية ولا زيٍّ مدرسي، يدوّنون/ن ملاحظاتهم/ن على أرجلهم/ن بعد انقطاعٍ قسري دام عامين عن الدراسة، في ظروف استثنائية تعكس حجم الدمار.
مدرسة مهجورة تعود إلى لتعليم
هؤلاء التلاميذ والتلميذات لم يختاروا/ن هذه المدرسة بقدر ما دفعتهم/ن الحرب إليها، بعد أن دمّر القصف الإسرائيلي مدارسهم/ن الأصلية، ليجدوا في الكمالية - برمزيتها التاريخية- ملاذًا لمواصلة التعليم.
بُنيت المدرسة الكمالية عام 1237، وكان آخر طالب ارتادها عام 1949، قبل أن تتحول لاحقًا إلى موقعٍ ثقافي تُقام فيه ورش عمل وعروض ثقافية، لتعود مجددًا اليوم مساحةً للتعليم.
تقول مريم عسقولة، 32 عامًا، وهي أم فلسطينية تقطن في الحيّ نفسه المحيط بمدرسة الكمالية، إن عودة ابنها قصي إلى مقاعد الدراسة في الصف السادس الابتدائي أعادتهم إلى تفاصيل حياتهم ما قبل الحرب.
تضررت 95% من مدارس غزة، ودُمّر أو تضرر مئات المباني المدرسية بالقصف
قبل أسابيع فقط، كان قصي يقضي نهاره متنقلًا بين طوابير المياه والطعام، ينتظر دوره بصمت أكبر من عمره، ثم يعود ليلعب في الشارع هربًا من الفراغ الثقيل الذي تركه توقّف المدارس. "كنت أخاف عليه من الضياع، الشارع صار مدرسته، والانتظار صار يومه، لم أعد أتحكّم بتصرفاته وسلوكه"، تقول مريم.
وتشير التقديرات إلى أنّ عدد الضحايا الفلسطينيين/ات جراء الحرب على غزة منذ عام 2023 تجاوز 70 ألف قتيل/ة، بينهم ما لا يقل عن 18 ألف طفل/ة، فيما أُصيب أكثر من 171 ألف شخص، من بينهم أكثر من 45 ألف طفل/ة، نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل.
بعد أكثر من ثمانية قرون من الإغلاق، تعود مدرسة الكمالية العثمانية في غزة لتفتح أبوابها من جديد.
المدرسة التي بُنيت في العهد المملوكي ثم ازدهرت في الحقبة العثمانية، تُعدُّ من أقدم الصروح التعليمية في المدينة، وقد خضعت خلال السنوات الماضية لعمليات ترميم دقيقة بهدف إعادة رونقها المعماري وإحياء دورها الثقافي.

تكمل مريم عن عودة ابنها قصي لمتابعة دروسه:"اليوم تغيّر المشهد منذ أن عاد إلى الدراسة، صار يستيقظ باكرًا بلهفة، يحمل دفتره ويغادر البيت مسرعًا نحو المدرسة، وكأن الطريق إليها أعاد له معنى الطفولة". تلاحظ الأم أنّ ابنها بات أكثر هدوءًا وتركيزًا، يقضي وقتًا أطول في مراجعة دروسه، ويسأل عن واجباته، ويطلب منها أن تستمع إليه وهو يقرأ.
تشير مريم إلى أن أجمل لحظاتها تكون هي عند عودة طفلها من المدرسة، وتتابع بابتسامةٍ لا تخفي تأثّرها: "يجلس جنبي ويحكي لي شو أخذوا بالدرس، شو كتبوا على السبورة، شو اتعلّم جديد". تقول إن قصي سعيدٌ جدًا بعودته إلى التعلّم، وإن هذا الفرح ينعكس على البيت كلّه، بعد فترةٍ طويلة كانت أيامهم فيها متشابهة وثقيلة.
بالنسبة لمريم، لا تعني المدرسة مكانًا للتعليم فقط، بل مساحة أمانٍ أعادت لطفلها إحساسه بذاته وبمستقبله.
تتحدث فائدة العاصي، مديرة مدرسة الكمالية، عن الجهود التي بُذلت لإعادة إحياء هذه المدرسة التاريخية التي كانت مهجورة وغير صالحة للتعليم: "لعب المجتمع المحلي دورًا أساسيًا في استعادة المدرسة، حيث قام الأهالي والشباب بتنظيفها وتأهيلها ضمن مبادرة "أمل رغم الألم" التابعة لوزارة التربية والتعليم العالي في غزة، لتحويلها إلى بيئة مناسبة لاستقبال التلاميذ/ات".
تضم المدرسة اليوم حوالي 300 طالب وطالبة موزعين/ات بين المراحل الابتدائية والثانوية، وتعمل بنظام الدوامين الصباحي والمسائي لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة/ات، رغم الإقبال الكبير من الأهالي والطلاب، فإن قدرة المدرسة الاستيعابية محدودة، ما يجعل توسيعها مرتبطًا بتوفير مقاعد دراسية إضافية أو خيم مدرسية، بحسب العاصي.
فصل دراسي ناجٍ
تؤكد مديرة المدرسة على أن شغف المجتمع الغزّيّ للتعلم كبير، خاصة بعد عامين من الانقطاع القسري عن الدراسة. وتضيف: "في حالتنا الفلسطينية، نتمسّك بالعلم رغم الدمار والواقع الصعب، لأننا نعتبره سلاحنا وأملنا. الفلسطينيون من أكثر الشعوب تعليمًا رغم الظروف، والعلم هو رأس مالنا الحقيقي."
"صار يستيقظ باكرًا بلهفة، يحمل دفتره ويغادر البيت مسرعًا نحو المدرسة، وكأن الطريق إليها أعاد له معنى الطفولة"

وفق إحصائية للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، قتل الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 وحتى سبتمبر 2025 نحو 13500 طالب وطالبة، وحرم قرابة 785 ألفًا من حقهم/ن في التعليم، فيما فقد قطاع التعليم أكثر من ألف كادر بين معلمين/ات وأكاديميين/ات. كما تضررت 95% من مدارس غزة، ودُمّر أو تضرر مئات المباني المدرسية بالقصف.
على الجانب الآخر من قطاع غزة، وتحديدًا في مخيم النصيرات وسط القطاع، في أحد الفصول الناجية من القصف في مدرسة مسقط للثانوية العامة، تجلس الطالبة نور نصّار بين زميلاتها بالمرحلة الثانوية، يتبادلن الضحك والاشتياق، في محاولةٍ لالتقاط إيقاع الدراسة من جديد.
نور طالبة نازحة من مخيم جباليا شمال غزة، التحقت بهذه المدرسة القريبة من مكان نزوحها بعد إعادة تأهيل عدد من الصفوف المتضرّرة، لتعود إلى التعليم الحضوري الذي تفضّله بعد شهورٍ من التعلّم المتقطّع.
خلال الحرب، فقدت نور نحو 20 فردًا من عائلتها، ودُمّر منزلها في مخيم جباليا، كما خسرت زميلاتٍ كنّ يشاركنها مقاعد الدراسة والأحلام ذاتها. تقول إن هذه الخسارات تركت فراغًا ثقيلًا، لكنها لم تكسر رغبتها في الاستمرار، ""أشعر أحيانًا أن الدراسة هي الشيء الوحيد الذي تبقّى لي،" تضيف نور، التي عُرفت بتفوّقها الدراسي قبل الحرب.
الدراسة في خيمة
قضت نور عامين تتعلم إلكترونيًا إلا أن انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت شكّلا عائقًا دائمًا، ما جعل التعليم عن بُعد تجربة مرهقة وغير مستقرة. لذلك، وجدت في العودة إلى الصفوف الدراسية، رغم تواضعها وآثار القصف المحيطة بها، مساحة أكثر أمانًا للتركيز والاستمرار.

تحلم نور بدراسة الهندسة المعمارية، لإعادة إعمار ما دُمّر، وتأمل في الحصول على منحة تتيح لها استكمال دراستها العليا ونيل درجة الماجستير في إحدى الجامعات الدولية خارج غزة. وبين الفقد والإصرار، تواصل نور طريقها الدراسي، حاملةً قناعة واحدة: "التعليم هو الطريق الأصدق لمواجهة الخراب، وبناء مستقبلٍ يشبه الحياة التي حُرمت منها."
في مكان آخر من غزة، وداخل خيمة تعليمية نُصبت في أحد مخيمات النزوح شمال غزة يشرح المعلّم أحمد السرحي، وهو مدرس للغة العربية، 29 عامًا، درسه لتلاميذه/ت الجالسين/ات على الأرض، مستخدمًا سبّورة بسيطة ووسائل بدائية.
يقول السرحي: "نعتمد في هذه النقاط على نظام تعليمي يقوم على الدمج بين التعليم والأنشطة الترفيهية والدعم النفسي، سواء مع الأطفال/ات أو مع ذويهم/ن، في محاولة للتخفيف من آثار الصدمة". ويستمر الدوام التعليمي أربع ساعات يوميًا، مقسّمة إلى ثلاث مراحل لثلاث مواد دراسية، تستهدف الصفوف الأساسية الأولى والثانية والثالثة.
ويؤكد أن معظم الطلبة هم أطفال/ات مصابون/ات أو فقدوا/ن أحد ذويهم/ن، ونازحون/ات من مناطق مختلفة في قطاع غزة، ورغم ذلك يبدون إصرارًا لافتًا على التعلّم، وهو ما يشكّل الدافع الأساسي لاستمرار المبادرة.
ويبين أحمد السرحي أن الطاقم التعليمي يعقد لقاءً أسبوعيًا مع الأهالي عند ملاحظة أي تغيّر سلوكي على الأطفال/ات أو ظهور مؤشرات صدمة أو عنف، حيث يجري التدخّل المبكر والتواصل مع أخصائيين/ات نفسيين/ات قدر الإمكان.

فيما يختتم بالقول إن العملية التعليمية تواجه تحديات يومية معقّدة، أبرزها تشتّت انتباه الطلبة، لا سيما خلال أيام المنخفضات الجوية وتقلبات الطقس، حيث تتحول الخيمة إلى مساحة غير مستقرة للتعلّم.




























