هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
في كانون الأول/ديسمبر 2023، أي بعد شهرين من اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، استهدف القصف الإسرائيلي مركز "البسمة" لأطفال الأنابيب، أكبر مراكز الخصوبة في القطاع. لم يدمّر الانفجار جدران المبنى أو معداته الطبية فحسب، بل محا أكثر من 4000 جنين وأكثر من 1000 عيّنة من الحيوانات المنوية والبويضات غير المخصّبة، كانت محفوظة في خمس خزانات نيتروجين سائل داخل وحدة الأجنة. منذ بداية الحرب توقفت جميع مراكز الإخصاب التسعة في غزة، وكان مركز "البسمة" الأكبر من حيث الإمكانات الطبية.
هذه الحرب التي حكمت على الأجنة بالإعدام مسبقًا قتلت أيضًا 68159 مدني منهم 12400 امرأة و18592 طفل الى جانب عشرات الألاف من المفقودين منهم على الأقل نحو 5000 طفل وامرأة حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
شهادات من قلب الفقد: أحمد ورانيا
لم يكن من السهل، وسط التهديدات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء، جمع شهادات المتضررين والمتضررات من قصف مراكز الإخصاب في غزة وفقدان أجنتهم. من بين هؤلاء، التقينا الزوجين أحمد جربوع، 30 عامًا، ورانيا محمد، 26 عامًا، وهما من سكان رفح، ويعيشان حاليًا نازحَين في منطقة المواصي بخان يونس.
تزوج أحمد ورانيا عام 2017، لكنهما لم يُرزقا بأطفال بسبب مشكلة صحية لدى أحمد. بدأت رحلة علاجهما عام 2018، وكانت محفوفة بالصعوبات، إذ واجها مشكلات في إيجاد عينات صالحة للزرع بسبب حالته الصحية.
استمرت مسيرتهما العلاجية الطويلة، المرهقة والمكلفة جدًا، وشهدت العديد من محاولات الزرع التي لم تُكلل بالنجاح.
إلى جانب الألم النفسي، واجه الزوجان أعباء مالية مرهقة بسبب تكلفة عمليات الزرع والأدوية، فضلًا عن مشقة التنقّل المستمر من منزلهما في رفح جنوبًا إلى عيادات الإخصاب في مدينة غزة، حيث كان عليهما السفر عدة مرات أسبوعيًا لإجراء الفحوصات ومراجعة الأطباء.
رانيا، التي ترددت في البداية في الحديث لأنها ما تزال تعاني من اكتئاب، قالت أخيرًا: "خلال فترة العلاج، عشنا مشاعر متضاربة بين الأمل والخوف والحزن، كان التوتر يرافقنا دائمًا، خاصة بعد أن أخبرنا الأطباء منذ البداية أن العملية قد لا تنجح."
يضيف أحمد:
"كنت على وشك فقدان الأمل. زرت أكثر من ثمانية أطباء وطبيبات بين رفح وغزة، وكنت قد تعبت تمامًا. كل ما ندّخره كان يذهب للعلاجات والأدوية، حتى استُنزفنا بالكامل. اضطررنا إلى التوقف مؤقتًا والانتظار حتى نتمكّن من تحمّل تكاليف العلاج من جديد، ثم عدنا للمحاولة."
"كان لدينا جنينان في حالة واعدة للزراعة. كنا ننتظر يوم الزراعة بفارغ الصبر... لكن الحرب بدأت، وبعد أسبوع فقط استهدفت إسرائيل العيادة وقصفتها، فمات جنينانا الاثنين."
ويتابع أحمد أن إحدى الصديقات دلّته على عيادة في مدينة غزة يديرها الدكتور سهيل مطر، حيث خضع لعلاج جديد اعتمد على أدوية وتقنيات مختلفة، ما ساعده على تحسين حالته الصحية واستخراج عينات صالحة. بعد ذلك خضع مع زوجته لعملية الإخصاب الصناعي التي تكللت بالنجاح.
يقول أحمد: "كان لدينا جنينان في حالة واعدة للزراعة. كنا ننتظر يوم الزراعة بفارغ الصبر... لكن الحرب بدأت، وبعد أسبوع فقط استهدفت إسرائيل العيادة وقصفتها، فمات جنينانا الاثنين."
يتابع أحمد: "كان الخبر صاعقًا، لم نصدّق في البداية. بالنسبة لي، كان أسهل أن أموت على أن أسمع خبر مقتل جنيني. كنت أفضل أن أرحل أنا، ويأتي الطفل الذي انتظرناه. كان لدينا أمل كبير، جهزنا غرفة الطفل وملابسه، كنا نحلم ونعيش على يقين أن طفلنا سيأتي، لكن عندما سمعنا الخبر، شعرنا أن حلمنا تحطّم بالكامل".
أما رانيا التي قلّما تتحدث فقالت: "كانت نفسيتنا سيئة جداً عندما وصلنا الخبر، فبعد استهداف المركز فقدنا حلمنا بالطفل، ولم نجد أي نوع من الدعم النفسي أو المساعدة، فغزة تتعرض لإبادة والوضع كارثي، لقد قتلت إسرائيل حتى أطفالنا قبل أن يولدوا، قتلوهم وهم خلايا..."
كان الحديث مع رانيا صعبًا، إذ لم ترغب في الخوض في التفاصيل لما تسببه لها من ألم. فقد عانت وجع فقدان طفليها قبل أن تراهما، وكانت كلماتها متقطعة، وصمتها أبلغ من أي حديث. لم ترد الاستمرار في الكلام.
كانت رانيا تحاول دائمًا أن تبث في زوجها الأمل، فتقول له إنهما سيحاولان مجددًا، وإنهما ما زالا شابين... لكن أحمد يعرف أن لا مراكز إخصاب متبقية في غزة.
4 أجنة وأمل مهدور... حكاية زينت
حاورنا أيضًا زينت، 38 عامًا، التي رفضت الإفصاح عن اسمها الكامل أو ظهور صورتها. متزوجة منذ 14 عامًا ولم ترزق بأطفال، تقول زينت: "لطالما كنت أعلم أنني أرغب أن أكون أمًا، لكن لم أتخيل أن يكون الأمر بهذه الصعوبة. سنوات طويلة من العلاج، وحقن الهرمونات، والنظام الغذائي الخاص، وحساب كل شيء في حياتنا". وتضيف: " زوجي أقنعني بأن الحياة ممكنة دون أطفال، وأنا أعلم ذلك، لكنني أصررت على متابعة العلاج حتى النهاية. حاولنا مرات عديدة ولم ننجح".
في النهاية، قصد الزوجان عيادة ذات سمعة ممتازة، وبدآ خطة علاج طويلة ودقيقة. تروي زينب: "تمت عملية الإخصاب، وكان لدينا 4 أجنة... 4 أطفال، 4 محاولات، 4 فرص لنصبح أمًّا وأبًا. لكن إسرائيل، وبكبسة زر واحدة، وبصاروخ واحد، أجهضت حلمنا قبل أن يكتمل. قتلت أجنتنا، كما قتلت أجنة آخرين."
أصاب فقد الأجنة الأربعة زينب بصدمة كبيرة. تقول بصوت متكسر: "لا أستطيع أن أتكلم عن ألمي. في غزة أمهات فقدن أطفالهن، فماذا سأقول أنا؟ أني أبكي ابني الذي لم يُخلق بعد؟ أبكي حلمًا، أبكي اسمًا اخترته له، وحياة تخيلتها. أبكي طفلي الذي لم يأتِ بعد، وأبكي عشرات آلاف الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل منذ حرب الإبادة."
كانت تلك، كما تقول، فرصتها الأخيرة للإنجاب، فسنّها لم يعد صغيرًا، والحرب دمّرت كل العيادات، ولن يعود الإعمار قريبًا. تختم زينب: "أسأل نفسي الآن، ربما كان من الأفضل ألا أنجب طفلًا في هذا العالم القبيح... ليُقتل أو يُقطع أو يُيتم أو يجوع. أنا الآن لا أملك جنينًا مجمّدًا، ولا مكانًا لأعيد فيه المحاولة... ببساطة، وبألم، لن أكون أمًّا بقرار إسرائيلي."
قد لا يكون حلم الأمومة مقصدًا للجميع، لكن هناك من تعيش حياتها كلها على أمل بلوغه. بالنسبة لهؤلاء النساء، يشكل هذا الحلم رمزًا للحياة الجديدة والاستمرار والحب غير المشروط. لكن في غزة، أصبح هذا الأمل محاطًا بظلال قاتمة من الحصار والعدوان وانعدام الأمان.
استهداف الحياة قبل أن تبدأ...مذبحة الأجنة المجمدة
ظهرت مفردات جديدة في مأساة فلسطين مثل مصطلح تم ابتكاره من قبل الأطباء وهوWCNSF اختصارا للكلمات الإنجليزية Wounded Child No Surviving Family والذي ظهر للإشارة إلى طفل جريح بلا عائلة له متبقية على قيد الحياة، و"جنين شهيد" للضحايا الذين لم تُمنح لهم فرصة الحياة.
"قتلت إسرائيل حتى أطفالنا قبل أن يولدوا، قتلوهم وهم خلايا"
ففي فبراير 2024، استخدمت منظمة "أطباء بلا حدود" (Médecins Sans Frontières – MSF) رسميًا مصطلح "WCNSF"، في إحاطة قدّمتها أمام مجلس الأمن الدولي حول الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة.
ذكرت المنظمة في بيانها أن "الفرق الطبية أضافت اختصارًا جديدًا إلى مفرداتها: "طفل جريح بلا أسرة باقية"، في إشارة إلى الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين يصلون إلى المستشفيات بعد أن فقدوا كل أفراد عائلاتهم نتيجة القصف.
قال الدكتور بهاء الدين الغلاييني، مؤسس مركز البسمة لأطفال الأنابيب في غزة الذي دمر بالكامل، في حديث لـ"سكاي نيوز عربية": "إن ما جرى لم يكن مجرد أضرار جانبية لحرب، بل استهداف مباشر لمراكز طبية مدنية. مضيفاً: "الاحتلال لم يرحم أي منشأة صحية، سواء مستشفى أو عيادات أو مراكز خاصة، ولذلك لم يكن مفاجئًا أن يتم تدمير مركز البسمة بهذا الشكل، وما أكد ذلك أن تقرير الأمم المتحدة أقرّ أن الاستهداف كان متعمّدًا، وهذا واضح من مسار القصف نفسه، حيث سقطت القذيفة الأولى في مختبر الأجنة مباشرة، ما أدى إلى تدميرها بالكامل وقتل آلاف الأجنة والعينات، ثم أعقبتها قذيفة ثانية استهدفت مكتب المحاسبة المجاور، والذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن وحدة التجميد الحيوي". وأوضح "الغلاييني" أن تداعيات هذا الهجوم لا تُقاس فقط بالخسائر المادية أو الهيكلية، بل تتجاوز ذلك إلى ما وصفه بـ"الأثر المميت نفسيًا وجسديًا على آلاف النساء، فنحن نتحدث عن نحو 5 آلاف سيدة كانت تتابع في المركز ضمن برامج أطفال الأنابيب، وكثيرات منهن كُنّ قد وصلن إلى مرحلة تكوين الأجنة بعد شهور من العلاجات المكلفة والمعقدة، وبالتالي فالعملية ليست سهلة من الناحية البدنية أو النفسية أو المالية فهي تكلف الزوجين نحو 3000 الى 4000 يورو. ووفقًا لتقرير اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق التابعة للأمم المتحدة، يُعدّ تدمير مركز "البسمة" (تأسس عام 1997)، مع منشآت الأمومة والرعاية الإنجابية التابعة له، تصرفًا يرقى إلى مستوى "الإبادة الجماعية".
وفي آذار الماضي، أصدرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة تقريرًا يفيد بأن السلطات الإسرائيلية "دمرت جزئيًا القدرة الإنجابية للفلسطينيين في غزة من خلال الاستهداف الممنهج لقطاع الصحة الإنجابية"، معتبرة أن هذا التصرف يشكل "أعمال إبادة". كما أشار التقرير، الذي أعدّه خبراء بتكليف من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى أن إسرائيل فرضت حصارًا متزامنًا ومنعت وصول المساعدات، بما في ذلك الأدوية الضرورية لضمان سلامة الحمل والإنجاب ورعاية المواليد.
في غزة، كل شيء معرض للخطر والمصادرة. في هذا الركن الجريح والهش من العالم، شُنّت حرب لا تستهدف الأجساد فحسب، بل تطاول الأرواح والأحلام، تستهدف الحياة قبل أن تبدأ والطفل قبل أن يولد.
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل الخصوبة الكلي في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) بلغ نحو 3.31 طفلًا لكل امرأة عام 2023، غير أن هذه النسبة شهدت تراجعًا حادًا في أعقاب العدوان الإسرائيلي على غزة. فبحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادر في يوليو 2025، سجّل القطاع "انخفاضًا ملحوظًا في معدل المواليد" نتيجة الحرب، دون أن يورد رقمًا محددًا.
وفي دراسة نشرتها المجلة الطبية البريطانية The Lancet، تبيّن أن عدد المواليد في غزة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025 انخفض بنسبة 41% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2022 ، في مؤشر صادم على حجم الكارثة الإنسانية التي أفرزتها الحرب.
ولم يقتصر العدوان الإسرائيلي على تدمير الحياة القائمة، بل امتد إلى استهداف كل ما يعطي الأمل؛ بقصف إسرائيل لعيادات الإخصاب والمراكز الطبية لعلاج العقم ورعاية الأجنة، رغم أن مواقعها معلومة لدى جيش الاحتلال. فإن قصف هذه المنشآت ليس عشوائيًا، بل يعكس سياسة ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، في حرب تطهير عرقي مكتمل الأركان.
تم إنجاز هذا المقال بدعم المكتب التونسي لمؤسسة "روزا لوكسمبورغ".





























