سهاد راضي
"المرض لم يُنهِ حياتي، لكنه أجبرني أن أتعلم كيف أعيش بطريقة أصعب"، بهذه العبارة تختصر أروى ضاهر، 28 عامًا، مسارًا طويلًا من الألم والصبر، تشكّلت تفاصيله بين جلسات الغسيل الكلوي المرهِقة، ومقاعد الجامعة، وأصوات القصف التي لا تغيب عن سماء غزة.
وفق تقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، كان هناك نحو 1200 مريض ومريضة فشل كلوي في قطاع غزة يعتمدون/ن على جلسات الغسيل الكلوي قبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، منهم/ن حوالي 728 يتلقون/ن العلاج في أربعة مراكز جزئية التشغيل في المستشفيات الرئيسية.
التحقت أروى بكلية التربية في الجامعة الإسلامية، تخصص تعليم اللغة العربية، وعاشت حياة جامعية مستقرة نسبيًا، حتى بدأت أعراض صحية مقلقة تظهر في الفصل الدراسي الأول. إرهاق شديد، إقياء متكرر، فقدان للشهية، ودوار دائم، كلها أعراض دفعتها إلى مراجعة مستوصفات محدودة الإمكانات، قبل أن تتدهور حالتها بشكل خطير ويُستدعى نقلها إلى مستشفى الشفاء.
المرض: حين يغيّر المسار
أظهرت الفحوصات ارتفاعًا حادًا في وظائف الكلى، وفقر دم شديدًا، وارتفاعًا خطيرًا في ضغط الدم، ليشخّص الأطباء حالتها بقصور كلوي حاد مزمن.
في 7 ديسمبر/كانون الأول 2015، بدأت أروى رحلة الغسيل الكلوي بواقع ثلاث جلسات أسبوعيًا، تمتد كل واحدة منها لنحو أربع ساعات. وتقول أروى عن تلك الفترة: "كنت أواصل الحياة رغم الألم… كنت أذهب للمحاضرات بعد الجلسات مباشرة، أرفع رأسي وأواصل، لأن الاستسلام لم يكن خيارًا".
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن مرضى/ات الفشل الكلوي يُعدّون من أكثر الفئات هشاشة في البيئات غير المستقرة، لأن حياتهم/ن تعتمد على انتظام العلاج، وتوفّر الكهرباء، والمياه النظيفة، والأدوية الأساسية، وهي مقومات تتعطّل غالبًا في مناطق النزاع المسلح، ما يعرّض المرضى والمريضات لمخاطر صحية جسيمة.
رغم ذلك، واصلت أروى دراستها الجامعية وسط إرهاق متواصل، في ظل محدودية تفهّم بعض الأكاديميين/ات لخصوصية وضعها الصحي. كما واجهت تحديات إضافية مثل تعطّل أجهزة الغسيل أحيانًا، والانقطاع المتكرر للكهرباء والمياه، لكنها تعاملت مع تلك الصعوبات باعتبارها عوائق مؤقتة في مسار طويل.
وتستعيد أروى لحظة تخرّجها باعتبارها من أكثر محطات حياتها كثافةً وتأثيرًا، غير أن تفشّي جائحة كورونا أوقف مراسم التخرّج الرسمية. لاحقًا، احتفت بإنجازها بحفل بسيط في منزلها، جمع صديقاتها وامتلأ بالضحك، وكأنها تعيد تعريف الفرح بطريقتها الخاصة.

الحرب: حين أصبح العلاج معركة بقاء
مع اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، دخلت حياة أروى مرحلة أكثر قسوة. ومع تضرّر وإغلاق مستشفى الشفاء ومراكز طبية أخرى، نزحت مع عائلتها قسرًا نحو جنوب وادي غزة بحثًا عن جلسة غسيل تحفظ الحد الأدنى من الحياة.
خلال النزوح، فقدت انتظامها العلاجي، إذ قلّصت المراكز الطبية جلسات الغسيل من ثلاث مرات أسبوعيًا إلى جلستين فقط ولساعتين، ما أدى إلى تراكم السموم في الدم وتدهور حالتها الصحية والنفسية. تزامن ذلك مع عمل أقسام غسيل الكلى بنصف طاقتها أو توقفها الكامل في بعض المناطق، إضافة إلى مخاطر القصف، وانقطاع الطرق، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات.
وتشير بيانات حقوقية وتقارير طبية نشرها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في آيار/مايو 2025، إلى أن نحو 41% من مرضى ومريضات الفشل الكلوي في قطاع غزة توفوا منذ بداية الحرب بسبب انقطاع خدمات الغسيل الكلوي ونقص الأدوية والمعدات.
41% من مرضى ومريضات الفشل الكلوي في قطاع غزة توفوا منذ بداية الحرب بسبب انقطاع خدمات الغسيل الكلوي ونقص الأدوية والمعدات
ومنذ بدء القصف الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على قطاع غزة، ارتفع عدد الضحايا إلى نحو 72 ألفًا.
وتقول أروى: "كنا نأكل فقط لنعيش، وفقد كثير من مرضى/ات الغسيل الكلوي حياتهم خلال تلك الفترة القاسية"، في شهادة تختصر مأساة جماعية تتجاوز تجربتها الفردية.
الإصرار خيار الحياة
بعد أكثر من أحد عشر عامًا من الغسيل الكلوي، تواصل أروى مواجهة المرض والحرب معًا، مستندة إلى دعم أسري شكّل لها طوق نجاة في أحلك اللحظات. وتؤكد أن قوتها تنبع من إيمان داخلي وصبر طويل، إلى جانب دعم عائلتها وصديقاتها وكل من آمن بها.
ورغم المرض، خاضت تجارب مهنية متنوعة شملت العمل في خدمة الزبائن، والتسويق، وتعليم برايل للمكفوفين، وكتابة المحتوى، وتيسير الورشات، وصولًا إلى العمل كأخصائية دعم نفسي. تقول: "الألم لا يلغي الجمال… لا أقول عن نفسي ملاكًا، لكنني قمر يحاول أن يضيء عتمة القلوب المعتمة".
ولا تزال أروى تحمل حلمًا إنسانيًا بسيطًا بقدر ما هو مشروع: إجراء زراعة كُلى والعيش دون أن تكون المستشفى محطة أسبوعية ثقيلة في حياتها، وترك أثر جميل ودائم في نفوس من تلتقيهم.




























