ميسون محمد
من عدم اعتراف القانون السوري بالاغتصاب الزوجي إلى حرمان الأم من منح جنسيتها لأطفالها، تعيش السوريات في بيئة قانونية مجحفة تهضم حقوقهن. فلا تتمتع الأم بالولاية على أبنائها بعد وفاة الأب، بينما يحدث العكس في حال وفاتها، كما يحقّ للرجل تطليق زوجته بإرادته المنفردة، في حين تُقيّد المرأة بأسباب قانونية محددة لطلب الطلاق. هذه مجرد أمثلة على قوانين تمييزية تكرّس التهميش وتفاقم هشاشة النساء.
"عُذرٌ مخفف" لجرائم قتل النساء
سابقاً، منحت المادة 548 من قانون العقوبات السوري مرتكبي ما يُعرف بـ"جرائم الشرف" عذراً مخففاً، مما سمح بالإفلات من العقاب تحت ذريعة "الدفاع عن الشرف". لكن في عام 2020، أُلغيت هذه المادة، ليُزال العذر المخفف تماماً. ورغم ذلك، لا يزال التساهل الاجتماعي والقضائي قائماً في بعض الحالات، ما يفتح المجال للتحايل على القانون عبر ثغرات قضائية.
تقول حنان زهر الدين، المحامية وعضوة "الحركة السياسية النسوية"، أن: "الحل يكمن في إصلاح جذري للمنظومة القضائية لضمان التعامل بحزم مع هذه الجرائم، إلى جانب توفير آليات لحماية النساء المهددات قبل وقوع الجريمة، بدلاً من الاكتفاء بمحاسبة الجاني بعد فوات الأوان."
لا توجد إحصائيات دقيقة لجرائم قتل النساء في سوريا، لكن منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، بالتعاون مع منظمتي "مساواة" و"سارا"، سجلت ما لا يقل عن 185 جريمة قتل استهدفت نساء وفتيات بذريعة "الدفاع عن الشرف" بين مطلع 2019 وتشرين الثاني/ نوفمبر 2022. ومع ذلك، يُرجَّح أن يكون العدد الفعلي أكبر بكثير في ظل انتشار الإفلات من العقاب والغطاء الاجتماعي الذي يحمي الجناة.
الحرمان من منح الجنسية لأطفالهن
يُعتبر قانون الجنسية السوري واحداً من أكثر القوانين تمييزاً ضد المرأة، إذ يحرمها من حق منح جنسيتها لأبنائها في حال زواجها من أجنبي. وتنص المادة الثالثة، الفقرة (أ)، من المرسوم 276 لعام 1969 على منح الجنسية السورية حكماً بالميلاد لمن وُلد داخل البلاد أو خارجها من أب عربي سوري، دون أن يشمل هذا الحق الأم. ورغم عدم وجود تفسير رسمي لهذه السياسة، تلقت حملة "جنسيتي لي ولأسرتي" رداً يفيد بأن هذا الحظر يهدف إلى حماية السيادة الوطنية والأمن القومي. والمفارقة أن يُربَط الأمن القومي بحرمان النساء من حق بديهي كمنح الجنسية لأطفالهن!
وحول هذا، تقول المحامية والصحفية في "ميدفيمنسوية" رهادة عبدوش: "رغم أن الدستور السوري ينص في مادته (25) على أن المواطنين/ ات متساوون/ ات أمام القانون في الحقوق والواجبات، وفي مادته (44) على أن الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية وتحميها الدولة، فإن الواقع يظل مغايراً. وعلى الرغم من توقيع سوريا على الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) واتفاقية حقوق الطفل، والتي تؤكد ضرورة تسجيل الطفل فور ولادته ومنحه حق الجنسية، إلا أن النساء ما زلن يعانين من هذا التمييز. كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في مادته (15) على أن لكلّ فرد الحق في التمتع بجنسية، ولا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفاً".
من عدم اعتراف القانون السوري بالاغتصاب الزوجي إلى حرمان الأم من منح جنسيتها لأطفالها، تعيش السوريات في بيئة قانونية مجحفة تهضم حقوقهن.
رغم التعديلات تبقى التحديات
سعت التعديلات التي أُدخلت على قانون الأحوال الشخصية السوري عام 2019 إلى منح المرأة بعض الحقوق، مثل رفع سن الزواج إلى 18 عاماً، ومنحها حق الولاية على أطفالها، إضافةً إلى تمكينها من فرض شروط في عقد الزواج تضمن حقوقها، كحقها في العمل ومنع الزوج من الزواج بأخرى. ومع ذلك، تظل هناك تساؤلات حول مدى قدرة هذه التعديلات على تحقيق العدالة الفعلية للمرأة.
في هذا السياق، تقول الدكتورة خلود بركة، الأكاديمية في جامعة دمشق: " كان من الأفضل زيادة في قانون الأحوال الشخصية سن الحضانة للأبناء، حيث يجب أن يكون للأم الحق في رعاية الأطفال إذا كانت تملك المقومات اللازمة لذلك".
من جانبها، تقول إيمان شحود، القاضية وعضوة لجنة المتابعة في "شبكة المرأة السورية": "التعديلات قد حسّنت من وضع الأمهات فيما يتعلق بالحضانة، لكنها تركت القرار النهائي في يد القاضي الشرعي، الذي قد يتأثر بالأعراف الاجتماعية بدلاً من أن يكون الحكم في مصلحة الطفل. يجب إعادة النظر في بعض المواد القانونية لضمان عدم استخدامها كوسيلة للضغط على النساء بعد الطلاق".
الدستور الجديد وضحايا العنف
يُعد غياب قانون يجرّم العنف ضد المرأة إحدى الثغرات الكبرى في المنظومة التشريعي: لا يوجد نصٌّ قانوني صريح يجرّم العنف المنزلي أو يفرض عقوبات رادعة على مرتكبيه.
حسب تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2022، لا يزال العنف ضد النساء والفتيات منتشراً في سوريا، حيث يتعرضن للعنف الجسدي والنفسي والجنسي، بالإضافة إلى الزواج القسري والمبكر. يشير التقرير إلى أن 33% من الأسر في 2022 أفادت بأن النساء والفتيات يشعرن بعدم الأمان. كما أظهرت دراسة لـ "اللوبي النسوي السوري" عام 2021 أن واحدة من كل عشرة نساء تتعرض للعنف الجسدي بانتظام، فيما تبقى معظم الحالات غير مُبلّغ عنها بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية وغياب آليات الحماية.
تؤكد المحامية حنان زهر الدين أن الدستور الجديد يجب أن يتضمن نصوصاً واضحة تجرم العنف بكلّ أشكاله: "حيث أن أي إصلاح قانوني دون معالجة هذه الثغرة سيظل ناقصاً".
من الضروري إنشاء مراكز لحماية النساء والفتيات من العنف، مع ضمان سهولة الوصول إليها. يجب أن تقدم هذه المراكز الدعم الكامل، بما في ذلك الإيواء الآمن، الاستشارة القانونية المجانية، والتمكين الاقتصادي.