هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
كما كان متوقعًا، صادق مجلس الأمة الجزائري في 2 أبريل/نيسان 2026 على تعديل قانون الانتخابات الذي تقدّمت به السلطات الجزائرية. ورغم أن القرار مرّ بهدوء نسبي ومن دون تغطية إعلامية واسعة، فإنه يشكّل منعطفًا سياسيًا مهمًا، إذ تستبدل الصيغة الجديدة للنص التشريعي مبدأ المناصفة الجندرية بحصة محدودة لا تتجاوز ثلث المرشحات ضمن القوائم الانتخابية.
وخلال الجلسة، عبّرت عدد من البرلمانيات عن تحفظاتهن على التعديل، غير أن القانون أُقرّ في نهاية المطاف.

ولم تثر الجلسة ردود فعل واسعة في الفضاء العام، إلا أن كثيرًا من الناشطات النسويات رأين في هذا التصويت تأكيدًا لمسار تراجعي بدأ منذ سنوات. ومن بينهن نادية آيت زاي، إحدى أبرز الوجوه التاريخية في النضال من أجل حقوق النساء في الجزائر. وهي محامية ودكتورة في القانون ومؤسسة “مؤسسة المساواة – سيداف (CIDDEF)”، وقد نبّهت مرارًا إلى هشاشة المكاسب السياسية التي انتزعتها النساء عبر عقود من النضال.
وبالنسبة إليها، تبدو المعادلة واضحة: “إن إضعاف الضمانات القانونية لتمثيل النساء يؤدي تلقائيًا إلى تراجع حضورهن داخل مواقع صنع القرار.”
قبل عام 2012: حضور هامشي للنساء
على مدى عقود، ظلّ تمثيل النساء داخل المؤسسات المنتخبة محدودًا. ففي البرلمان الجزائري، لم تتجاوز نسبة النساء نحو 7 إلى 8% من المقاعد، ما يعني أن حضورهن كان قائمًا، لكنه بقي عدديًا محدودًا ومن دون تأثير بنيوي حقيقي في الحياة السياسية الوطنية.
وغالبًا ما جرى تفسير هذا التمثيل الضعيف بصورة مجحفة على أنه نتيجة “نقص في الكفاءة”، إلا أن هذا التبرير لم يكن يعكس الواقع الاجتماعي. فالنساء كنّ حاضرات بكثافة، بل شكّلن في كثير من الأحيان الأغلبية، سواء في التعليم العالي أو ضمن المهن المتخصصة ووظائف القطاع العام.
أما العائق الحقيقي، فكان في مكان آخر: في محدودية الوصول إلى الأحزاب السياسية، وآليات الترشيح الخاضعة للهيمنة، وشبكات النفوذ الذكورية، إضافة إلى غياب تكافؤ الفرص والموارد خلال الحملات الانتخابية.
ومن دون افتراض وجود علاقة آلية مباشرة بين ارتفاع عدد النساء المنتخبات وحدوث الإصلاحات، يرى عدد من المراقبين والمراقبات أن توسيع حضور النساء في مواقع صنع القرار يسهم في إعادة صياغة الأولويات السياسية، ويدفع قضايا طالما جرى تهميشها إلى صدارة النقاش العام، كما يعزز الاعتراف بشرعية حضور النساء داخل المجالين العام والسياسي.
2012: إقرار نظام الحصص
في هذا السياق، صدر القانون العضوي لعام 2012. فبعد أكثر من عقد من المناصرة التي قادتها منظمات المجتمع المدني والمعارك القانونية، نجحت عدد من القيادات المدنية في فرض إدراج حصص إلزامية للنساء ضمن القوائم الانتخابية. وكانت نادية آيت زاي من بين الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في هذا المسار النضالي.
ونصّ القانون، بحسب الدوائر الانتخابية، على تخصيص ما بين 20% و50% من الترشيحات للنساء، مع فرض قواعد مُلزمة لتنظيم تركيبة القوائم الانتخابية. وقد ظهرت نتائج هذا التعديل بسرعة، إذ قفزت نسبة النساء المنتخبات في الانتخابات التشريعية لعام 2012 إلى نحو 31%.
وقد شكّل ذلك منعطفًا تاريخيًا، جعل الجزائر آنذاك ضمن أكثر الدول الإفريقية تقدمًا على صعيد تمثيل النساء داخل البرلمان.
2012 – 2019: حضور نسائي أوسع… وتأثير سياسي أكبر
لم يكن هذا التقدّم مجرد رقم إحصائي، إذ تزامن ارتفاع حضور النساء داخل المؤسسات مع عدد من التحولات المهمة. ففي عام 2015، عُدّل قانون العقوبات الجزائري ليجرّم بشكل صريح بعض أشكال العنف ضد النساء، بما في ذلك العنف الأسري.
وفي الفترة ذاتها، قاربت نسبة تمثيل النساء داخل الحكومة 20%.
ومن دون افتراض وجود علاقة آلية مباشرة بين ارتفاع عدد النساء المنتخبات وحدوث الإصلاحات، يرى عدد من المراقبين والمراقبات أن توسيع حضور النساء في مواقع صنع القرار يسهم في إعادة صياغة الأولويات السياسية، ويدفع قضايا طالما جرى تهميشها إلى صدارة النقاش العام، كما يعزز الاعتراف بشرعية حضور النساء داخل المجالين العام والسياسي.
2021: لحظة القطيعة
جاء التحول الحاسم مع الإصلاح الانتخابي لعام 2021.
فقد أُلغيت الحصص الإلزامية لصالح صيغة أكثر مرونة تقوم على مبدأ المناصفة الشكلية في القوائم الانتخابية. وعلى الورق، بدا الإجراء متوازنًا، لكنه عمليًا لم يعد يضمن نتائج فعلية.
واحتفظت الأحزاب بهامش واسع من الحرية في تحديد مواقع النساء داخل القوائم، وعددهن الفعلي، والدوائر الانتخابية التي يُرشَّحن فيها. وكانت النتيجة المباشرة لذلك تراجع تمثيل النساء في الانتخابات اللاحقة إلى نحو 8% فقط.
وتلخّص نادية آيت زاي هذا التراجع بالقول: “أُسمي هذه النسبة بالمعدل “الطبيعي”، وليس من المصادفة أن تقترب من النسبة التي كانت سائدة قبل عام 2012. فهي تكشف ما يحدث عندما تغيب الآليات القانونية الملزمة”.
وهكذا، عادت الجزائر في أقل من عشر سنوات من مستوى تمثيل مرتفع نسبيًا إلى مستوى يقترب من مرحلة ما قبل نظام الحصص.
"حين تغيب الآليات الملزمة، تتراجع الأرقام"
تناولت سهام لبيض هذا المسار أيضًا، وهي المعروفة بمواقفها الداعمة للمواطنة والمشاركة الديمقراطية وتعزيز حضور النساء داخل المؤسسات. ورغم تحفظها سابقًا على نظام الحصص، فإن احتكاكها المباشر بالواقع السياسي دفعها إلى إعادة النظر في موقفها. وتقول: “إن أي تراجع في الآليات الداعمة لتمثيل النساء ينعكس مباشرة على حجم حضورهن”. وتضيف: “لقد رأينا ذلك بوضوح: ما إن تختفي الآليات الملزمة حتى تتراجع الأرقام.”
وتتابع: “كان يُقال إن نظام الحصص يأتي بمرشحات أقل كفاءة، وكنت أصدق ذلك. لكنني بدأت أطرح الأسئلة لاحقًا. ففي الواقع، كانت النساء حاضرات بقوة داخل الجامعات، والمهن المتخصصة، والوظائف العمومية. المشكلة أن الوصول إلى السياسة ليس متكافئًا. هناك شبكات نفوذ، وموازين قوى، وصراعات سلطة. وعندما تبدأ النساء من نقطة غير متساوية، فهن لا يلعبن وفق القواعد نفسها”.
تضيف سهام: “ليس المجتمع دائمًا هو من يغيّر القوانين، بل إن القوانين نفسها قد تكون أداة لإحداث التغيير”.
2026: تكريس التراجع
لم يكن الإصلاح الذي أُقرّ في 2 أبريل/نيسان بداية هذا التراجع، بل جاء ليكرّسه ويعمّقه.
فالانتقال من نظام الحصص المضمونة إلى المناصفة المرنة، ثم إلى حصة مخفّضة لا تتجاوز الثلث، يكشف عن المسار نفسه: التخفيف التدريجي للالتزامات المفروضة على الأحزاب السياسية في ما يتعلق بتمثيل النساء.
أما المبررات المطروحة، مثل “نقص المرشحات”، أو “خصوصية الواقع المحلي”، أو “الحاجة إلى المرونة”، فهي حجج تتكرر باستمرار. غير أن المدافعين والمدافعات عن المساواة السياسية يرون أنها تخفي واقعًا أعمق: حين تغيب الآليات الملزمة، تعيد البنى الحزبية إنتاج أشكال الإقصاء القائمة أصلًا.
وحين تغيب الآليات الملزمة، تعيد البنى الحزبية إنتاج أشكال الإقصاء القائمة أصلًا
صمت سياسي
ورغم أهمية هذا التراجع، فإنه لم يثر ردود فعل تتناسب مع خطورته. فلم يشهد البلد نقاشًا وطنيًا واسعًا، ولا تعبئة سياسية حقيقية، حتى من جانب الأحزاب التي تقدّم نفسها بوصفها قوى تقدمية.
وترى عدد من الناشطات اللواتي جرى الاستماع إليهن أن المبادرات التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة لاستعادة النظام السابق، إما جرى تعطيلها أو التخلي عنها. وفي ظل موازين القوى الحالية، تعتبر كثيرات أن التراجع السريع عن هذه الإصلاحات يبدو مستبعدًا.
لذلك، تعتقد هؤلاء أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في إعادة بناء العمل الترافعي من القاعدة، عبر استئناف جهود المناصرة طويلة الأمد، وإعادة قضية التمثيل السياسي للنساء إلى صلب النقاش العام.
كما يشددن على أن هذه المعركة لا يمكن أن تقع على عاتق الجمعيات النسوية وحدها، خصوصًا في ظل هشاشتها ومحدودية مواردها. فبحسب رأيهن، بات من الضروري أن تتبنى المنتخبات والقيادات السياسية هذه القضية بوصفها التزامًا سياسيًا طويل النفس.
ما لا يُدافَع عنه يختفي
تكشف التحولات الأخيرة في المشهد الانتخابي الجزائري حقيقة أساسية: حقوق النساء ليست مكاسب نهائية أو مضمونة إلى الأبد، بل ترتبط دائمًا بموازين القوى وبوجود ضمانات قانونية ملموسة. وحين تختفي هذه الآليات، تظهر النتائج بسرعة.
في الجزائر، استغرق الأمر عقدًا واحدًا فقط للانتقال من 31% إلى 8%. وأحيانًا، تكفي بضعة أصوات لنسف سنوات من التقدم.







