هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
تتراص مئات المقاهي الشعبية التي يحتكرها الرجال وحدهم في المطرية، أحد أكثر أحياء القاهرة ازدحامًا بالسكان، إذ يعيش نحو 650 ألف نسمة داخل مساحة مأهولة لا تتجاوز 4.14 كيلومتر مربع.
تنتشر المقاهي على نواصي الشوارع وميادينها، وتتحول إلى نقطة التقاء ثابتة للرجال، يجلسون في كل زاوية، يحتسون الشاي، يتابعون مباريات كرة القدم، أو يقتلون الوقت في أحاديث تمتد حتى منتصف الليل. أما النساء، فلطالما مررن أمام هذه الطاولات كعابرات سبيل يُسمح لهن بالمرور، لا بالبقاء. وبينما أصبح الجلوس في المقاهي المختلطة أمرًا اعتياديًا في أحياء لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن المطرية ، مثل مصر الجديدة، ظل العثور على مقهى شعبي مخصص للنساء هنا أمرًا مستحيلًا حتى قررت سارة عصام، قبل خمس سنوات، كسر هذه القاعدة.
مقهى النساء الأول والوحيد في المطرية
لم يكن افتتاح سارة عصام، البالغة من العمر 33 عامًا، مقهى في شارع عزت باشا قبل خمس سنوات، مجرد مشروع صغير حمل اسم “برفيكتو”.
كان هذا المكان أشبه بنافذة فُتحت أخيرًا في جدار ظل مغلقًا طويلًا. وسرعان ما تراجع الاسم التجاري إلى الخلف، ليعرفه الأهالي ببساطة: “كافيه البنات”، أول مقهى شعبي مخصص للنساء في المطرية.
ولدت الفكرة بعفوية ومن تجربة شخصية خالصة من دون دراسة للسوق أو تخطيط اقتصادي مسبق. فمثل كثير من النساء، كانت سارة ترى أن الجلوس في المقاهي الشعبية ليس حقًا متاحًا لهن، وأن وجود المرأة هناك يحتاج دائمًا إلى تفسير. وحين قررت كسر هذه القاعدة، لم تواجه أسئلة عن جودة القهوة أو فرص النجاح، بل عن حق النساء نفسه في امتلاك مساحة تخصهن. تقول لـ”ميدفيمنسوية”: “أول ما افتتحت القهوة، اتعرضت لهجوم وسخرية على الإنترنت. واحد كتبلي: إنتوا عاوزين تتساووا بينا؟”.
كرّست أعراف المناطق الشعبية لدى الرجل تصورًا بأن الأماكن العامة امتياز ذكوري وليست حقًا إنسانيًا مشتركًا
تصف الدكتورة رضا خلاف، أستاذة ورئيسة قسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة المنوفية، المقاهي الشعبية بالممالك الذكورية التي احتكر فيها الرجال المجال العام، بينما حوصرت المرأة داخل فضاءات أخرى اعتُبرت اجتماعيًا أنسب لها، وتقول في حديثها: “الرجل ينظر للمرأة، لو جلست في المقهى، على أنها متمردة، وكأنه صاحب الحق في منح المرأة الوجود الحرّ في الشارع”.
كما ترى خلاف أن المجتمع ظل لسنوات طويلة يربط احترام المرأة بانسحابها من الفضاء العام، بينما ربط رجولة الرجل بحضوره الدائم فيه. “.
مقهى النساء مساحة للفضفضة
كان مقهى بريفكتو أول مكان شعرت فيه رنا محمد، 22 عامًا، الحاصلة على دبلوم فني، بالأمان بعد أزمة نفسية دفعتها إلى العزلة والاكتئاب
تقول رنا لـ”ميدفيمنسوية”: “أنا كنت مكتئبة ومش عارفة اقعد فين واعيط أو أحكي لمين مشكلتي أو حد ينصحني ويخفف عني. لما دخلت الكافيه قعدت أعيط براحتي، والبنات دعموني جدًا”. وتضيف أن ما وجدته هناك لم يكن مجرد مكان للجلوس، بل احتواءً افتقدته طويلًا.
ويتيح مقهى بريفكتو للفتيات قدرًا واسعًا من الخصوصية والحرية، خاصة لمن يمارسن عادة التدخين.
تحكي زينب محمد، مديرة شركة شحن، 35 عامًا، أنها جرّبت الجلوس أكثر من مرة في مقاه مشتركة، لكنها كانت تواجه نظرات الاشمئزاز وتعليقات غير لائقة من بعض الرجال الجالسين حولها حين تدخن. أما هنا، فتقول إنها للمرة الأولى تشعر بالراحة من دون أن تكون تحت المراقبة. وتضيف:”هنا بدخن براحتي، لأن حتى أهلي رافضين فكرة التدخين للست، وشايفين إن ده عهر أخلاقي”.
تفرض إدارة المقهى ضوابط على التدخين، إذ تمنع تقديم الشيشة (النرجيلة) للفتيات دون سن الثامنة عشرة، كما يفتح المقهى من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وخلال ساعات النهار، يتحول المكان إلى ملاذ لطالبات المدارس اللواتي يقضين فيه وقت المذاكرة أو ينتظرن مواعيد الدروس الخصوصية بعيدًا عن الشارع وما قد يتعرضن له من مضايقات.
ويوفر المقهى للأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن حتى انتهاء اليوم الدراسي مساحة للراحة، مع خدمات منخفضة التكلفة، إلى جانب أنشطة ترفيهية تشمل ألعاب الدومينو والكوتشينة وأونو، وأجهزة البلايستيشن، فضلًا عن ركن مخصص للأطفال.
جلوس المرأة في مقهى مشترك أو مخصص للنساء يشعرها بوجودها وحقها في المجال العام، وحقها في تبادل الأحاديث، والتنفيس عن ضغوط الحياة بعيدًا عن الرقابة الاجتماعية
"المكان نادي سري للستات"
تقول رنا سيد، 24 عامًا، العاملة في المقهى: “بشتغل هنا من أربع سنين، بعتبر المكان نادي سري للستات، يحكوا براحتهم، يعيطوا براحتهم، المهم يكونوا مطمنين”.
تأتي هذه الشهادة متفقة مع رؤية الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، التي توضح في حديثها مع ميدفيمنسوية أن شعور بعض النساء بالتوجس في المقاهي المشتركة يتشكل من الإحساس بالمراقبة الاجتماعية، والخوف من التعرض للتحرش أو المضايقات، إضافة إلى اعتبار كثير من المقاهي الشعبية فضاءات يغلب عليها الحضور الذكوري، ما يدفع بعض النساء إلى الشعور بأنهن غير مرحّب بهن. تقول النمرسي: “رفض بعض الأوساط لهذه المقاهي يرتبط، في جانب منه، بمخاوف من اتساع استقلالية النساء التي تشكل خطرًا على السيطرة الذكورية”.
تعكس الأرقام المتداولة في تقارير منسوبة إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحجم الهائل لثقافة المقاهي في مصر؛ إذ تشير إلى أن عدد المقاهي يتجاوز مليوني مقهى، منها نحو 150 ألفًا في القاهرة وحدها، كما تقدّر إنفاق المصريين والمصريات على السجائر والشيشة بنحو 40 مليار جنيه سنويًا أي نحو 815 مليون دولار أمريكي. وبينما يشكل الرجال الغالبية الساحقة من رواد هذه المساحات، تمثل المقاهي المخصصة للنساء محاولة لإعادة التوازن، عبر توفير فضاء اجتماعي تستطيع النساء فيه ممارسة الحق ذاته الذي يمارسه الرجال منذ عقود.







