“قال لي صديقي إنهم يبحثون عن موظفين/ات جدد، لكن ما ظننته مقابلة عمل تحوّل إلى حديث سياسي: سألني الموظف المسؤول عن رأيي في كل ما يحدث، ثم عن النساء، وعن نساء دمشق تحديدًا. قال إن في دمشق انفلاتًا أخلاقيًا ومخدرات ودعارة. أجبته بأن هذا غير صحيح، واقترحت أن نعود للحديث عن فرصة العمل. لكنه قال: حاليًا لا نريد أي موظفين. غادرت المكان، ولا أدري إن كانت الفرصة تبخّرت لأنني من مدينة السويداء أم لأنني مسيحية.”
تروي ماريا، 26 عامًا، (اسم مستعار)، وهي صحفية مستقلة تقيم في دمشق. كانت ترغب في المساهمة في المشهد الإعلامي الرسمي الذي لطالما انتقدته، “لا يمكننا الانتقاد من دون أن نقدّم مساهمة أو حلًا”.
لكن محاولتها قوبلت برفض غير متوقع أو مبرر. تقول: “لم ينظر الموظف المسؤول إلى سيرتي الذاتية حتى، سألني عن أصولي ومكان سكني، ثم أخذ يتحدث مطولًا عن رأيه في كل ما يحدث في البلد”.
يبدو إقصاء ماريا ـ سواء لكونها امرأة أو لأنها من مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، التي شهدت في شهر تموز من العام الماضي مجزرة ارتكبتها قوات تابعة للحكومة ـ جزءًا من نمط يتكرر منذ بدء عودة المؤسسات الإعلامية والصحفية للعمل في سوريا. فمع انتشار صور اللقاءات والفعاليات، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو إعلامية، برزت هيمنة واضحة للرجال على المشهد، ما أعاد طرح سؤال واحد: “أين ذهبت الصحفيات السوريات؟”
يُقال إن النساء يعملن خلف الكواليس، لكن حتى في هذه المساحة نادرًا ما تُمنح لهن أدوار ذات أثر مباشر. وبالتمعّن في التصريحات الشخصية أو الرسمية، يبرز نمط من التمييز لا يقوم دائمًا على الإقصاء المباشر، بل يتجلى في إعادة توزيع الفرص والأدوار وتقييد حدود الظهور والتأثير، تحت ذرائع مثل “إعادة الهيكلة” أو “أولوية تسيير الأعمال” أو “الحماية”.
“لم ينظر الموظف المسؤول إلى سيرتي الذاتية حتى، سألني عن أصولي ومكان سكني”
تهميش بحجّة السلامة
قصة ماريا ليست استثناءً، فكثير من الصحفيات اللواتي قابلناهن يواجهن إقصاءً مشابهًا. تعمل هناء، 22 عامًا، (اسم مستعار) في مديرية إعلام مدينة حلب وتحمل بطاقة اتحاد الصحفيين. تقول: “قبل سقوط النظام كان عمل الصحفيات في الشمال محدودًا ومقتصرًا على عدد قليل لا يتجاوز عددهن العشرة ضمن مؤسسات حكومة الإنقاذ. كما كنا نواجه تهديدات من أشخاص مجهولين، وحوادث وانتهاكات وتشهيرًا، وحتى احتمال التعرض للأذى الجسدي”.
بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2024، ترى هناء أن البيئة العامة للعمل تحسّنت نسبيًا، سواء من حيث الأمان أو استقطاب النساء، وفي التصنيف السنوي لمنظمة “مراسلون بلا حدود”، الصادر في 30 نيسان/ أبريل، تقدّمت سوريا 36 مركزًا لتصل إلى المرتبة 141، بعدما كانت في المرتبة 177 قبل سقوط نظام بشار الأسد. لكن هذا التحسن لا يعني اختفاء التمييز، بل تغيّر أشكاله. تقول هناء: “في التغطيات غالبًا ما يُفضَّل اختيار الذكور على الإناث، ويُقال لنا: أنتِ آنسة بالإضافة إلى حجج واهية”.
ويُستخدم خطاب “الحماية” الأبوي، المغلّف بالحرص، ذريعةً لإقصاء النساء عن التغطيات الميدانية الحساسة. تضيف هناء: “أثناء تغطية المعارك يتم الضغط علينا للانسحاب بحجة سلامتنا”. وهو ما يعني عمليًا حصر النساء في أدوار أقل خطورة وأقل حضوراً، عبر فرض وصاية تفسح المجال للرجال. رغم أن هناء سبق أن عملت في التغطية الميدانية وتعرّضت لإصابة خلال إحدى المهمات، وتمتلك خبرة كافية في هذا المجال.
أما في دمشق، فتقدّم ريم، 30 عامًا، (اسم مستعار)، صورة موازية للمشهد. تعمل ريم مراسلة في منصة مستقلة، تقول: “أفضّل التواجد في المناطق الساخنة لتغطية الحدث، لكن غالبًا ما يُفضَّل الزملاء الذكور لتغطية هذا النوع من الأحداث. أحيانًا يتم التشكيك بقدرة الصحفية على إنجاز المهام الميدانية أو الحصول على تصريحات حساسة من الضيوف”.
ترى ريم أن جوهر العمل الإعلامي يتجاوز نقل الخبر، ليصل إلى بناء علاقة ثقة مع المجتمع: ” وجود النساء ضروري لتقديم سردية أكثر توازنًا وشمولًا”.
وتضيف بعد أن قررت الابتعاد عن القضايا السياسية والتوجه إلى تغطية الشأن الفني الأقل حساسية: “لم يكن العمل في الصحافة الفنية سهلاً كما قد يبدو، بل كان مليئًا بالتحديات المهنية والأخلاقية”. واجهت ريم سلوكيات غير مهنية متكررة، وصلت أحيانًا إلى مضايقات وتحرشات من بعض الزملاء، لتجد نفسها مجددًا أمام بيئة ذكورية لا توفر لها مساحة آمنة للعمل.
في هذا السياق، رغم أن المؤسسات الإعلامية البديلة وفّرت بيئة أفضل نسبيًا للنساء مقارنة بالمؤسسات الرسمية، فإن غياب الضمانات القانونية وآليات المساءلة يجعل حمايتهن ضعيفة في حال وقوع انتهاكات، وغالبًا ما تبقى رقابة المانحين الضامن الوحيد.
إذ يتم التعامل مع النساء بوصفهن واجهة لاستيفاء شروط الممولين المتعلقة بالتمثيل الجندري، أو لصناعة صورة تقدمية ترضي الدول الغربية التي تراقب أداء المؤسسات الحكومية الجديدة لتقييمها وتحديد موقفها منها. وتعبّر صحفيات سوريات عن خيبة أملهن من هذا التوظيف الشكلي، الذي يفرغ حضورهن من معناه ويضعهن تحت ضغط دائم لإثبات أن وجودهن قائم على الكفاءة، لا لمجرد تحقيق “نسبة” تمثيل.
عمومًا، لا يمكن فصل التجربة السورية عن السياق العالمي، إذ لا تقتصر فجوة التمثيل على سوريا. فبحسب إحصاءات معهد رويترز، لا تتجاوز نسبة النساء في مناصب رؤساء التحرير 27% عبر 240 مؤسسة إعلامية كبرى، رغم أن النساء يشكلن نحو 40% من العاملين في الصحافة.
يُستخدم خطاب “الحماية” الأبوي، المغلّف بالحرص، ذريعةً لإقصاء النساء عن التغطيات الميدانية الحساسة
المظهر واللباس معيارٌ أيضًا
لا تنحصر الأزمة في التفضيلات الجندرية فحسب، بل تمتد أحيانًا إلى المظهر واللباس. تقول هناء: “أواجه بعض التحديات كوني منقّبة، مثل الانتقادات أو الاستبعاد من الظهور الإعلامي وبعض الاجتماعات مع مكونات دينية أخرى. أحيانًا يأتي شخص من الوزارة ليقول لي إن من الأفضل ألا أشارك في هذا الاجتماع لأن نقابي يصدّر صورة غير محببة للعالم وقد يضرّ بالسلم الأهلي”.
المفارقة أن عددًا من الإعلاميين والمتحدثين الرسميين الرجال يظهرون بذقون طويلة وشوارب حليقة، ما يطرح تساؤلًا إضافيًا حول سبب قبول المظهر الديني لدى الرجال، في حين يُقيَّد ظهوره لدى النساء.
يذكر أنه وفي تصنيف RSF World Press Freedom Index 2025، تقرير حرية الصحافة العالمية لشبكة “مراسلون بلا حدود” احتلت سوريا المرتبة 177 من أصل 180 دولة، ضمن أسوأ بيئات حرية الصحافة في العالم، لكن تدنّي حرية الصحافة لا ينعكس بالقدر نفسه على الجنسين، إذ يتقاطع مع واقع حرية المرأة في سوريا، ما يؤثر مباشرة في حضورها في المجال العام وفرص تطورها المهني.
وحول هذا الإقصاء، تقول الصحفية هديل عرجة، المؤسسة الشريكة لوكالة Front Line in Focus: “سواء كنا نتحدث عن صحفيين أو صحفيات، لا بد من التوقف عند إشكالية جوهرية تواجه الصحافة السورية عمومًا، وهي التحديات المهنية التي يعاني منها هذا المجال. فاليوم نشهد حضور عدد كبير من العاملين في الإعلام، لكن جزءًا منهم يفتقر إلى المعايير المهنية الأساسية، ما ينعكس سلبًا على جودة التغطية الصحفية ومصداقيتها”.
وتضيف: “إن مجرد عمل الصحفية وظهورها في المجال العام يُعدّ تحديًا بحد ذاته. يبدأ هذا التحدي من المجتمع ومدى تقبّله لوجودها في ساحة العمل العام. وبما أن المسؤولين وأصحاب القرار هم أيضًا جزء من هذا المجتمع، فإن هذا التحدي يبقى قائمًا ومستمرًا”.
وجود النساء ضرورة
إن تغيّر السلطة الحاكمة لم يؤدِّ بالضرورة إلى تحسّن ملموس في واقع الصحفيات، على الرغم من فسح مساحة حرية أكبر، بل غيّر شكل التحديات التي يواجهنها. فمع استمرار تردّي أوضاع العمل الصحفي عمومًا، يجري في كثير من الأحيان التعويض عن غياب آليات حماية حقيقية للصحفيات في مناطق النزاع عبر حصر التغطيات الميدانية الحساسة بالصحفيين الذكور.
من جهة أخرى، وثّقت رابطة الصحفيين السوريين في تقريرها السنوي لعام 2024 منذ كانون الثاني/يناير وحتى أيلول/سبتمبر ما مجموعه 21 انتهاكًا بحق الصحفيين/ات في سوريا. وتصدّرت هيئة تحرير الشام قائمة الجهات المنتهِكة، وهي الجهة التي تسلّمت الحكم في نهاية عام 2024 عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد، ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الحريات الإعلامية في المرحلة الجديدة.
في هذا السياق توضّح الصحفية مايا البوطي، من شبكة الصحفيات السوريات، أن: “غياب إشراك النساء، وأحيانًا بناءً على اعتبارات جغرافية أو هوياتية، يحدّ من قدرة الإعلام على لعب دور جامع”. وتضيف: “إن مشاركة النساء مهمة لتعزيز السلام المجتمعي والحدّ من خطاب الكراهية، لأن لهن طريقة مختلفة في التواصل والتفاعل، ومنظورًا يوسّع دوائر الحوار ويقدّم زوايا يغفل عنها الخطاب الأبوي السائد، خصوصًا في الظروف القاسية التي تعيشها البلاد”.







