هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
بدأت القصة على شكل حكاية بسيطة.
في نهاية شهر آذار/مارس 2020، كانت تونس تعيش حالة الحجر الصحي بسبب فايروس كورونا وتعاني من نقصٍ كبير في الكمامات. بدأت في تلك الفترة العمل على زاوية صحافيّة عنوانها “مبادرات تضامينة” كانت تكشف عن الجانب المضيء ممّا كان يحصل أثناء الحجر، وذلك حين بدأ سائقو التاكسي وأصحاب المطاعم والفنادق وغيرها من المهن يكشفون عن وجه إنساني جدّاً في أفعالهم، من خلال تقديم صواني طعام للمعالجين/ات الطبييّن، أو توصيل العمّال بشكل مجاني إلى أعمالهم، أو تخصيص غرف في فنادقهم لأعضاء الهيئة الطبية. كانت أمي التي تبلغ السابعة والثمانين من العمر تقرأ وتتابع ما أكتبه. وأرادت هي أيضاً أن تكون مفيدة.
في ٩ نيسان/أبريل ٢٠٢٠، نشرتُ على فيسبوك نصاً قصيراً جداً:
“مبادرة التضامن تأتي هذه المرة من أمّي نزهة بلحسين التي صارت هذه الأيام امرأةً مشغولة جداً؛ حيث تحوّلت غرفتها إلى مشغل، والتصقت هي بماكينة خياطتها ماركة سنجر التي تعود للأربعينات؛ وراحت تخيط كمامات قابلة للتدوير لأفراد العائلة والأصدقاء والجيران. كل ذلك دون أن تفارق البسمة فمها، مثل راية مرفوعة للاحتفال ببلاد الحياة.“
لم تتوقع أمّي، ربّة منزل، كل هذا السيل من رسائل التهنئة والتشجيع التي انهالت عليها على امتداد يومين أو ثلاثة. صارت ملكة وسائل التواصل الاجتماعي ومثالاً يُحتذى لعددٍ كبير من مستخدمي الإنترنت. وحتى وكالة الأنباء الفرنسية اتصلت بي لتأخذ موعداً مع نجمة تلك الفترة. “
وهنا أضيف هذا البوست الذي يعود تاريخه إلى ١٣ نيسان/ابريل:
“أمّي، نزهة بلحسين، استقبلت اليوم المصوّر عبد الفتاح بلعيد من وكالة الأنباء الفرنسية من أجل جلسة تصوير. بدأت هذه القصة بشكل شخصي للغاية إذ انطلقت من رغبتها بحماية أولئك الذين تحبّهم فراحت تخيط كمامات مضادة للفايروس. اتّخذ ذلك أبعاداً غير مُنتظرة. لقد كنتم كثيرين في التعبير عن دعمكم لها وتعاطفكم معها وإعجابكم بها، وهي شديدة التأثر بذلك. وأنا أشكركم بالنيابة عنها.”

حتّى اليوم ، ما زال الأشخاص الذين ألتقي بهم في مجال عملي يسألوني عن أخبار أمّي. وفي كل مرّة أُصاب بالدهشة “كيف؟ هل تعرفونها؟” كل مرّة، أنسى شبكات التواصل الاجتماعي. تلك الماكينة الخيالية التي تجمعنا.







