باكرًا جدًا تبدأ مشاعر الذنب، يتجمّع القلب على شكل رحم في الأحشاء، ويصبح العالم كله هناك، على شكل كائنٍ صغيرٍ لم يكتمل بعد.
لم يخطر لي تخيّل الحمل قبل الآن، لم أرسم له وجهًا ولا طريقًا، ذلك أنّ ما يشغل النساء عمومًا هو لحظة الأمومة وعظمتها… إنما غالبًا لا يستوقفنا الطريق، نتصوّره عاديًا، مصيرًا روتينيًا لا يمكن التحكم به، ولا يسمح لنا بالتململ وسطه أو تقييمه أو الشعور بأن في القلب شريانًا يختنق. وتتسلل إلى رؤوسنا أفكار مثل “لستُ أوّل واحدة تحمل”، “الموضوع بيولوجي”، “كل إناث الثدييات يفعلن ذلك”، “إنه فعل غريزي”…
في اللحظة الأولى، حين وصلتني نتيجة الاختبار، عرفت أن حياتي تغيّرت إلى الأبد، وأن لا شيء بعد الآن سيبقى كما هو. لم أعرف ماذا أفعل؟ إلى أين تذهب الأم في لحظتها الأولى؟ مع من تتحدّث؟ وكيف تشرح ذاك الكمّ العجيب من دفق المشاعر والامتنان؟
الأمومة أكبر من الشعر
الحقيقة أن الحمل علّمني الكثير عن أمي وعن الأمهات الأخريات، وأكاد أجزم أن كل القصائد التي كُتبت عنهنّ حتى الآن غير كافية ولا تفيهنّ حقهنَّ في تقدير حجم التحمّل والحرمان والتعب والضغط. الأمومة أكبر بكثير من الكلام ومن الشعر، إنها تلك الأعجوبة التي تجعل امرأة تتخلّى بكامل وعيها عن جسمها وصحتها وأناقتها وروتينها اليومي وملذاتها من دخان وكحول وأطعمة غير صحية وتسكّعات أسبوعية مع الأصدقاء والصديقات… كل ذلك لأجل نقطة صغيرة في بطنها، سوف تتحوّل بعد حين إلى إنسان مكتمل.
أفكّر بذاك الدافع العجيب الذي يجعل أمي تتحمّل الاستيقاظ عند السابعة صباحًا لأنني أتصل بها في هذا الوقت بشكل يومي. لم تتململ يومًا، لم تقل إنها بحاجة إلى الراحة أو لإنهاء نومها بشكل طبيعي، لا على وقع جرس الهاتف. إنه الحب ببساطة، إنه حب يتجاوز الرغبات الشخصية والأنانية، يتجاوزها بلا نقاش أو تردد، تتسلل الأمومة كفعل تضحية عظيم في هذا العالم لتجعله أقلّ قسوة وأقلّ حقدًا. ذلك أن حب الأمّهات هو أنقى ما قد يحصل عليه المرء. مساكين جدًا أولئك الذين حرموا منه، سيبقون ناقصين إلى الأبد.
الحمل علّمني الكثير عن أمي وعن الأمهات الأخريات، وأكاد أجزم أن كل القصائد التي كُتبت عنهنّ حتى الآن غير كافية ولا تفيهنّ حقهنَّ في تقدير حجم التحمّل والحرمان والتعب والضغط.
لقد مرت عليّ أيام طويلة من البكاء غير المبرّر، أيام لا أفهم فيها ماذا دهاني ولماذا أنهار بلا سبب، وكان كل من حولي عاجزًا عن استيعابي، فأنا نفسي كنت عاجزة عن استيعاب حالتي. وهناك شعور لا يمكن تفسيره، حين ينتابني شوق عارم لوجه ابني الذي لم يولد بعد، لا سيما حين تتأخر زياراتي إلى الطبيب. ما زلت أحاول الذهاب إلى مواعيدي الدورية لإجراء السونار بكامل أناقتي، برغم التعب، وحين يضحك زوجي، أجيبه بأنني أحاول أن أكون أمًّا أنيقة يفتخر بها. إنهنّ الأمّهات!
إنّه معي طوال الوقت
منذ البداية هناك جنون يصيبنا، جنون الأمومة، لم يخطر لي أن أصاب به، لكن يبدو أن الأمر تمّ، ولا مجال للاختيار. بدأتُ أسير تدريجيًا نحو الهوس بكل التفاصيل، لون الجوربين، نوعيّة القطن، جلدة زجاجة الرضاعة، حرارة المنزل، دفء غرفته، نعومة سريره، مِشط شعره، مقصّ أظافره، الرسوم على بطانيته، إطلالة شرفته، سلّة غسيله، سائل استحمامه.
هناك شعور لا يمكن تفسيره، حين ينتابني شوق عارم لوجه ابني الذي لم يولد بعد.
أتوقّع أن يتّهمني ابني حين يكبر بأنني ثرثارة، أخبرت الناس كلهم عنه قبل أن يأتي إلى العالم، وأسررتُ لهم بأسرارنا الصغيرة، قد يقول إنّ “أمي مجرّد كاتبة من عصر كان فيه كتّاب، وإن أمّي شاعرة لا تستعين بالذكاء الاصطناعي”، تخيّلوا! سيخبر أصدقاءه عن أمه المجنونة والرجعية، أمّه التي تملك دواوين وروايات ومدوّنات، أمه الصحافية التي تتابع الأخبار والأحداث، أمّه الآتية من زمن الصحف الورقية والمجلات قبل أن يُسرق ورقها منها. لا أعرف إن كان سيفخر بي، لكنني أحاول.
في كل الأحوال، أتلذّذ الآن بالأسابيع الأخيرة من ركلاته داخل بطني، أحاول الاستمتاع بهذا الوقت الذي نمضيه معًا بين العمل والموسيقى والطبخ والمشاوير، إنه معي الآن طول الوقت، لاحقًا قد تسرقه أشياء كثيرة… وهو أيضًا سيخرج من رحم أمّه، وطنه الأول، وستتغيّر حياته إلى الأبد!







