نور جبیل
لطالما أحببتُ السياسة، وبعد حصولي على ماجستير في القانون الإنساني الدولي، قرّرتُ أن أنقل خبرتي واهتمامي إلى فضاء التواصل الاجتماعي، فأنشأتُ مساحةً تشبهني، أجد فيها نفسي ومتعتي في التحليل السياسي. غير أن الأمر لم يكن بالسهولة التي توقّعتها، وما أعنيه ليس تحديات منصات التواصل، بل ما واجهتُه داخل دوائري الخاصة.
في إحدى المرات، ما إن انضممتُ إلى أحد اللقاءات حتى ارتفعت ضحكات متهكّمة: “يا صبايا، طفّوا التلفزيون.. ما في داعي للأخبار، النشرة وصلت لعنا!” وتوالت الأسئلة المشبعة بالسخرية: “دخلكِ يا نور، إيمتى رح تخلص الحرب؟ ما خبّروكي الجماعة؟”.
لم يكن الهدف يومًا السؤال، بل التقليل من الشأن.
يريدون/ن إيصالي إلى نتيجة واحدة: أن اهتمامي بالقانون الدولي والسياسة ما هو إلا “ثقل دم” لا يتناسب مع “أنوثتي”.
لماذا ينقلب التشجيع إلى رفض وسخرية حين تقرر المرأة مغادرة المطبخ لتفكيك تعقيدات الجغرافيا السياسية؟
عندما تقرر المرأة مغادرة المطبخ

لطالما كان “المجال العام” في الوعي العربي منطقةً محكومةً بتقسيمات غير معلنة، تمنح المرأةَ بطاقةَ عبور في قطاعات بعينها، وتضع أمامها حواجز إسمنتية في قطاعات أخرى. ومن هنا يبرز تناقض صارخ في طريقة تلقّي المجتمع لصانعات المحتوى اليوم.
نحن نشجّع ونتابع بحفاوة النساءَ اللواتي يبدعن في محتوى الطبخ والجمال والتدبير المنزلي والتعليم، وهذا أمر طبيعي ومقدَّر، فهذه المهارات توثّق هويتنا وتحافظ على دفء بيوتنا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ينقلب هذا التشجيع إلى رفض وسخرية حين تقرر المرأة مغادرة المطبخ لتفكيك تعقيدات الجغرافيا السياسية؟
من خلال تجربتي في صناعة المحتوى السياسي، لامستُ واقعًا يسعى دومًا إلى تقييد عقل المرأة بحدود “النمط المرسوم”. يحاولون إقناعنا بأن السياسة “منطقة خطرة” وأن السمعة “هشّة”، وكأن الوعي غدا عبئًا يخدش صورة المرأة التقليدية. فتجد المرأة نفسها مجددًا في مواجهة الصورة النمطية للسمعة، تلك الصورة المُلصقة بالنساء وحدهن، والتي تُملي عليهن ما ينبغي أن يكنّ.
وهذه السخرية المجتمعية من المرأة السياسية لا تبقى في دائرة الكلام، بل تنعكس على أرض الواقع، فبحسب بيانات الأمم المتحدة، احتلّت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبة الأخيرة عالميًا، إذ لا تشغل النساء سوى 16.7% من المقاعد البرلمانية، دون أن تكون في المنطقة أي رئيسة برلمان.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة الاتحاد البرلماني الدولي توليا أكسون أن هذا التفاوت العالمي يكشف عن “فشل منهجي في تعزيز المساواة بين الجنسين في السياسة” في أجزاء من العالم.
العبء الحقيقي ليس في متابعة الأخبار وتحليل السياسة، بل في أن نعيش داخل مجتمعات تخشى المرأة التي تفكّر
تاريخٌ من إقصاء النساء سياسيًا

تلك النبرة ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لتاريخ طويل من محاولات إقصاء المرأة عن مراكز التأثير. ولو استسلمت النساء قديمًا لنصيحة “ابتعدي عن وجع الرأس”، لما عرفنا أسماءً غيّرت وجه التاريخ.
ففي لبنان، برزت نساء كسرن القالب النمطي، في مقدمتهن الراحلة ليندا مطر والوزيرة السابقة ريا الحسن. كانت ليندا رئيسةً لـ “لجنة حقوق المرأة اللبنانية”، وعضوةً في قيادة “الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي”، ولم تفقد يومًا إيمانها وعزيمتها في السعي إلى التغيير وتحقيق المساواة بين الجنسين.
وفي المشهد العربي، تقف القامة الجزائرية جميلة بوحيرد شامخةً، إذ لم تكن أيقونة ثورة فحسب، بل ظلّت صوتًا سياسيًا لم يهدأ. أما في تونس، فلا يمكن إغفال تجربة الراحلة ميّة الجريبي، أول امرأة تقود حزبًا سياسيًا في بلادها، التي واجهت أعنف حملات التشكيك في قدرتها القيادية، غير أنها فرضت احترامها على الجميع. ومن فلسطين، خاضت الدكتورة حنان عشراوي غمار الدبلوماسية الدولية في أصعب المحافل، وأثبتت أن الحنكة لا ترتبط بالجنس، بل بالكفاءة والوعي، واشتهرت كمتحدثة رسمية باسم الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام 1991.
هؤلاء النساء، إلى جانب نماذج عالمية كأنجيلا ميركل، تعرّضن لحملات تنمّر طالت نبرة أصواتهن وخصوصية حياتهن، بهدف واحد: زحزحتهن عن مواقفهن الجريئة. لكنهن لم يلتفتن إلى من نصحهن: “شو جايكي من وجع الراس؟ بكرا بتصيري علكة بسيرة الناس.. اهتمي ببيتك وجوزك وولادك وجمالك، شو بدك بالترهات!”
وكلمة “بتصيري علكة”، والتي يقصد بها كلام الناس، ليست تحذيرًا عابرًا، بل هي السلاح الذي يُشهَر في وجه كلّ امرأة تجرؤ على رفع صوتها، فالمجتمع قد يتسامح مع المرأة حين تنتقي الاهتمامات الهامشية والنمطية، لكنه سرعان ما ينقلب إلى موقف هجومي حين يكون وعيها السياسي راسخًا وصلبًا.
اخترنا أن نكون شريكاتٍ في فهم هذا العالم ورسم معالمه، لا متابعاتٍ صامتات من وراء الستار
مجتمعات تخشى المرأة المفكرة
أكتب اليوم لأقول بوضوح: إن العبء الحقيقي ليس في متابعة الأخبار وتحليل السياسة، بل في أن نعيش داخل مجتمعات تخشى المرأة التي تفكّر.
اهتمامي ببيتي وعائلتي وجمالي لا يتناقض أبدًا مع كوني محللةً تتابع أعقد الملفات الدولية. والحقيقة التي ينبغي أن ندركها جميعًا هي أن السياسة ليست حكرًا على السياسيين، فهي التي تتحكم اليوم بكل تفاصيل حياتنا، من أبسط ملامح يومنا إلى أكبر القرارات التي تحدد مصير أبنائنا وبناتنا وقوت عيشنا.
حين ندرك أن سعر الخبز ومستوى التعليم وأمان الطرقات هي في جوهرها قرارات سياسية، سنفهم حينها أن الوعي السياسي ضرورة لا خيار.
لن ترهبنا كلمات التقليل والتقزيم من محتوى سياسي قانوني رصين يخاطب العقل والوعي، ولا يجاري سياسة القطيع والتطبيل التي تطغى على مشهدنا العام، لأننا اخترنا أن نكون شريكاتٍ في فهم هذا العالم ورسم معالمه، لا متابعاتٍ صامتات من وراء الستار.
فما يسمّونه “ترهات” هو في الحقيقة الواقع الذي يحكم مصيرنا جميعاً.







