“لا يحق لأحد أن يقرر عن الطالبة ماذا تريد أن تدرس”، تقول لين (اسم مستعار)، وهي طالبة تقدّمت إلى المفاضلة هذا العام، لكنها فوجئت بأن بعض الفروع الدراسية حُصرت بالذكور. وتتابع لين: “يجب أن يخضع الجميع لنفس المعايير المطلوبة، لا يجب أن يكون التمييز لدخول جامعة معينة أو معهد تقني أو معلوماتي أو غيره على أساس الجنس، وعلى أساس أنني أنثى ولست ذكرًا. لا يحق لأحد أن يقرر عني ماذا أريد، أنا أختار ماذا أريد.”
وبحسب إعلانات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للعام الدراسي 2026-2027، اقتصر التقدّم إلى ثلاث مجموعات من الكليات والمعاهد للذكور فقط. أولًا، معاهد تقانية مدنية: النفط والغاز (في حمص ودير الزور وبانياس والرميلان)، والخطوط الحديدية في حلب، والإخراج الإذاعي والتلفزيوني في المعهد التقاني للإعلام بإدلب. ثانيًا، الجامعة السورية للعلوم الأمنية: كلية العلوم الأمنية ومعهدها التقاني. وثالثًا، الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية: الكلية الحربية البرية (الهندسة الميكانيكية والإلكترونية والمعلوماتية والميكاترونكس)، والكلية الحربية البحرية (الهندسة البحرية)، والكلية الحربية الجوية (هندسة الطيران)، وكلية العلوم الإنسانية والإدارية (علوم قانونية، علوم اجتماعية، إدارة واقتصاد).
“لا يحق لأحد أن يقرر عن الطالبة ماذا تريد أن تدرس”
وردّت الوزارة في منشور نشرته على حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، موضحة أن جزءًا من الكليات العسكرية التابعة للجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية مخصص للذكور لأنها تُعدّهم للانضمام إلى صفوف الضباط في الجيش العربي السوري، وأن باقي الاختصاصات مفتوحة للجنسين، وأن بعض البرامج مخصصة للإناث فقط، وهي رياض الأطفال ومدارس التمريض والقبالة، نظرًا لطبيعة هذه المهن.
غير أن إعلانات الوزارة نفسها تُدرج المعاهد المدنية المذكورة أعلاه للذكور فقط، وهي لا تتبع الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية، فلا تنطبق عليها حجة إعداد الضباط للجيش. كما أن كلية العلوم الأمنية ومعهدها التقاني تتبعان الجامعة السورية للعلوم الأمنية، لا الجامعة العسكرية. فمنشور الوزارة لا يشمل كل ما ورد في إعلاناتها.
ليست الكفاءة ولا المقدرة ما يستثني النساء هنا، بل نصٌّ صريح في الإعلان نفسه يكرّس تمييزًا جندريًا، ويقصيهن بحكم الجنس. وهو إغلاق للباب في وجه طموح الفتيات قبل أن يبدأن، ووضع لسقف من الإسمنت فوق أحلامهن.
ولا تُعد جميع القيود الواردة في المفاضلة جديدة، لكن مقارنة شروط القبول بين العامين الدراسيين 2025–2026 و2026–2027 تكشف تقلصًا في الخيارات المتاحة للطالبات في معاهد النفط والغاز. فقد كانت بعض الاختصاصات، بينها الأجهزة الدقيقة والمحاسبة والمستودعات في حمص، والأجهزة الدقيقة في بانياس ودير الزور، متاحة للإناث في مفاضلة العام السابق، قبل أن تُدرج هذه المعاهد ضمن المؤسسات المخصصة للذكور فقط هذا العام.
أما الجامعتان الأمنية والدفاعية، اللتان أُحدثتا في تموز/يوليو 2026، فتستقبلان الطلبة عبر المفاضلة العامة للمرة الأولى هذا العام.
ليست الكفاءة ولا المقدرة ما يستثني النساء هنا، بل نصٌّ صريح في الإعلان نفسه يكرّس تمييزًا جندريًا، ويقصيهن بحكم الجنس.
إن كانت المسألة قدرة، فأين الاختبار؟
من بين الفروع المحصورة بالذكور اختصاص الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في المعهد التقاني للإعلام بإدلب، وهو معهد مدني. لكن لماذا تُبعد النساء عنه؟
تقول نور (اسم مستعار)، وهي أستاذة جامعية: “لا يوجد أي مبرر علمي أو أكاديمي لقصر اختصاص الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في المعهد التقاني للإعلام بإدلب على الذكور وحرمان الإناث منه، إذ تعتمد المناهج الأكاديمية بشكل عام بسوريا وبشكل خاص الإخراج على مهارات فنية وفكرية وتقنية لا ترتبط بالنوع الاجتماعي”.
وترى نور أن إقصاء الطالبات المؤهلات أكاديميًا ستكون له آثار سلبية على النساء مستقبلًا، وتتابع قائلة: “على سبيل المثال، لن يتم تسليط الضوء على تحديات النساء، لأن المخرجة لديها رؤية تُبلور من خلالها معاناة المرأة ومثال حي على ذلك المخرجة رشا شربتجي التي أخرجت مسلسلات مهمة جسدت الواقع السوري وقضايا المرأة.”
وفي معاهد النفط والغاز والخطوط الحديدية يُجرى للمقبولين فحص طبي بعد القبول، فلماذا لا تخضع له الطالبات؟ إن كان المطلوب لياقة بدنية فليُختبر الجميع، وإن كان المطلوب معدلًا فليُحدَّد للجميع، وإن كانت هناك مهارة خاصة فليكن هناك امتحان قبول موحّد. أما أن يُغلق الباب على أساس جندري، فهذا ليس معيارًا.
أما الكليات الحربية فالمبرر المعلن إعداد الضباط، لكن الاختبارات موجودة فعلًا، وهي متاحة للذكور فقط: فالجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية تشترط اجتياز امتحان قبول، والتمتع ببنية سليمة ولياقة بدنية جيدة، وطولًا لا يقل عن 165 سم، غير أنها تشترط قبل ذلك أن يكون المتقدم ذكرًا أعزب لا يتجاوز عمره 23 عامًا. فالمعيار البدني موجود، لكن الطالبة تُستبعد قبل أن تتاح لها فرصة الخضوع له. وحتى الجامعة السورية للعلوم الأمنية تضع حدًا لطول المتقدمة 160 سم وتقبل الإناث في الأمن السيبراني، فالمعايير تُطبَّق على النساء حين يُراد ذلك. ويقتصر الحصر في العلوم القانونية والاجتماعية داخل الكلية العسكرية وحدها، بينما تبقى الحقوق وعلم الاجتماع في الجامعات المدنية مفتوحة للجنسين.
وبحسب تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش يوم 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، فإن القرار يثير المخاوف بشأن دور المرأة في المرحلة الانتقالية في سوريا. وقالت هبة زيادين، مستشارة أولى لشؤون سوريا في هيومن رايتس ووتش: “تعيد السلطات السورية بناء الجيش وقوات الأمن من دون النساء. لا تستطيع النساء التدرب كضابطات، ولا حتى الدراسة ليصبحن محاميات أو إداريات في الجيش. ببساطة، هذا تمييز”.
ازدواجية بين الخطاب والقرار
في أيلول الماضي، احتفلت وزارة الداخلية بتخريج الدورة الأولى من معهد الشرطة النسائية في مدينة التل بريف دمشق، وعند افتتاح المعهد، قال وزير الداخلية أنس خطاب إن الخطوة تهدف إلى تعزيز دور المرأة في العمل الشرطي والأمني وتوسيع مشاركتها في مختلف الاختصاصات. لكن كلية العلوم الأمنية ومعهدها التقاني للذكور وحدهم، بينما يُفتح للإناث الأمن السيبراني. وهو ما يكشف تناقضًا صريحًا بين التصريحات الرسمية وما يحدث على أرض الواقع.
تقول الوزارة في منشورها نشرته عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي إن الفصل يجري في الاتجاهين، فبعض البرامج للإناث وحدهن. لكن الفصل في الاتجاهين لا يعني التكافؤ. فما خُصِّص للإناث هو رياض الأطفال ومدارس التمريض والقبالة، أي مهن الرعاية والتعليم المبكر، أمّا ما خُصِّص للذكور يفتح الطريق إلى مجالات الطاقة والنقل والأمن والإخراج التلفزيوني والقيادة العسكرية.
حين تجتمع هذه الوقائع، تتشكل بنية تقسّم المستقبل بحسب الجنس، وتندرج في سياسات تهميش النساء، وما يُغلق في قاعة الدراسة قد ينعكس لاحقًا على سوق العمل.
ورغم أن بعض الفتيات قد لا يرغبن في دراسة الفروع السابقة، أكدت جميع النساء اللواتي قابلناهن أن الخيار يجب أن يظل مفتوحًا أمام الطالبات. وتقول كارلا (اسم مستعار)، وهي طالبة أنهت الثانوية العامة وتقدّمت إلى المفاضلة: “لم أرغب بدراسة الاختصاصات التي خُصصت للذكور، لكن الخوف على مستقبل الإناث بشكل عام في سوريا هو خوف مستقبلي، الخوف إن أُغلقت اليوم عدة اختصاصات حتى لو لم أكن أرغب بها، ربما ستُغلق غدًا في وجه إناث أخريات اختصاصات قد يرغبن بها”.
وتضيف أنجيلا السهوي، صحفية ومصورة: “لا علاقة لنسب الإقبال بتوفر الفرص. يجب إتاحة الفرص حتى ولو لطالبة واحدة، ولا توجد إحصاءات دقيقة تتعلق بمستوى الإقبال أساسًا. كان الإقصاء ممنهجًا ضمن المجتمعات وكنا نحاول محاربته لكن أن يصدر عن مؤسسة عليا في الدولة هو مسمار آخر في نعش نضال النساء السوريات للحصول على فرص متكافئة”.
التعليم العالي بالكفاءة لا بالجنس
وتقول مايا حسين الخطيب، محامية وصانعة محتوى قانوني: “إن حصر بعض الاختصاصات الجامعية بجنس دون الآخر يُثير شبهة التمييز، ويتعارض من حيث المبدأ مع التزامات سوريا الدولية […] وأي تمييز يستوجب سندًا قانونيًا وتبريرًا موضوعيًا يتناسب مع طبيعة الاختصاص”.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن يُيسَّر القبول في التعليم العالي على قدم المساواة للجميع وعلى أساس الكفاءة. كما تكفل المادة العاشرة من اتفاقية “سيداو” شروطًا متساوية للالتحاق بالدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية على اختلاف فئاتها.
وعن سُبل الاعتراض والمساءلة تقول مايا: “يمكن للطالبات المتضررات تقديم تظلّم إداري إلى وزارة التعليم العالي للمطالبة بمراجعة شروط المفاضلة، كما يمكن الطعن بالقرار أمام القضاء الإداري المختص وفق الشروط والمواعيد القانونية. وعلى المستوى الدولي، يمكن للمنظمات الحقوقية إثارة المسألة أمام لجان الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان من خلال آليات الرصد والتقارير”.







