“ذهبتُ لأرى بيتي في النبطية (جنوب لبنان) لكنني لم أجده، حملتُ أطفالي وعدنا إلى مركز النزوح في المدينة الرياضية ببيروت”. هكذا تروي فاطمة حكايتها مع وقف إطلاق النار الذي تصفه بـ”الكذبة”، متسائلة بمرارة: “أي هدنة وبيوتنا مهدمة والقصف فوق رؤوسنا؟”.
في الحرب، كما في السلم، تدفع النساء الأثمان الأكبر، بدءًا من الوجع النفسي والجسدي، مرورًا بتداعيات التهجير، وصولًا إلى تحمل أعباء العائلة وخسارة مصادر الدخل.
فبعد الإعلان عن اتفاق أميركي-إيراني يتضمن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان ووقف الأعمال العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله” لـ60 يومًا إضافية (وكان الاتفاق قد بدأ سريانه في 17 نيسان/أبريل الماضي)، ظنّ البعض أن الفرج قد حان أخيرًا، إلا أن الواقع كان أقسى بكثير.
وبلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 2 آذار/ مارس حتى 18 حزيران/ يونيو 3912 ضحية و 11873 جريحًا وجريحة، بحسب مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة.
فثمة كثيرون وكثيرات لم يستطيعوا العودة أصلًا لأن قراهم مهدمة أو يرزح بعضها تحت احتلال الجيش الإسرائيلي، فيما خسر آخرون/ات مصادر الدخل وباتوا/ن عاجزين/ات عن البدء من جديد. وفي المقابل، آثرت عائلات كثيرة البقاء في مراكز النزوح برغم قسوتها، فالأمان لا يزال غائبًا عن قراهم الجنوبية التي تقع تحت وطأة القصف الإسرائيلي اليومي، برغم وجود الاتفاق.
اتسمت الساعات المنصرمة بضبابية المشهد الميداني، ففي الوقت الذي تراجعت فيه وتيرة الغارات الجوية عن الأيام السالفة، ظلت نيران المدفعية وأصوات الانفجارات، فضلًا عن التوغلات المحدودة، حاضرةً في أرجاء القطاع الجنوبي.
وبدأت الحرب الحالية عقب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت إيران في نهاية شهر شباط/فبراير الماضي، وما أعقبها من مواجهة عسكرية بين الطرفين. وفي خضم هذا التصعيد، دخل “حزب الله” اللبناني على خط المواجهة عبر استهداف مواقع إسرائيلية، لترد الأخيرة بشن حرب واسعة على لبنان، شملت اجتياحًأ بريًا لبعض مناطق الجنوب.
أوامر عدم العودة
وسَّع الجيش الإسرائيلي نطاق أوامر “عدم العودة”، حيث منُع السكان في جنوب لبنان إلى أجل غير مسمى من العودة إلى القرى الواقعة ضمن المنطقة العازلة التي أعلنتها إسرائيل من جانب واحد وتغطي نسبة 6% من مساحة البلاد، بحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية.
وفي خضم ذلك، تشكّل النساء والفتيات أكثر من نصف النازحين في لبنان، حيث أُجبرت نحو 620 ألف امرأة وفتاة على ترك منازلهن، بحسب تقارير رسمية. وتواجه النازحات تحديات قاسية، تتصدرها أزمة الاكتظاظ داخل مراكز الإيواء، ونقص الرعاية الطبية والإنسانية، فضلًا عن الافتقار الحاد للخصوصية ومستلزمات النظافة الشخصية الأساسية.
ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان أنانديتا فيليبوس، حذّرت في بيان 15 حزيران/ يونيو، من تفاقم معاناة النساء والفتيات جراء النزاع والنزوح، مشيرة إلى أن عدد النازحين/ات في البلاد بلغ نحو 1.4 مليون شخص – أي أكثر من 20% من السكان – بينهم 16 ألف امرأة حامل يواجهن تحديات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية والحماية.
وأكدت أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يعتمد على العيادات المتنقلة للوصول إلى المتضررين والمتضررات، لكنه لا يستطيع تعويض خدمات الولادة والرعاية المتخصصة التي تتطلب مستشفيات آمنة ومجهزة.
كما نبهت إلى ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في الملاجئ المكتظة، مؤكدة أن النساء النازحات يحتجن إلى الحماية والرعاية الصحية قبل أي شيء آخر، لكن مطلبهن الأساسي يبقى العودة الآمنة إلى منازلهن.
“لا شيء يعوّض ما خسرناه، الأموال لا تعيد للمرء عمره”
"كيف أعود؟"
“أريد العودة إلى بيتي”، تقول سناء محمد قبل أن تغرق في دموعها خلال دردشة مع “ميدفيمينسوية”. ثم تضيف: “لكن كيف أعود؟ كنت أملك دكانًا أبيع فيه مواد غذائية في صور (مدينة في جنوب لبنان) لكنه دُمر الآن وتعرض بيتي لأضرار كثيرة، ولا أملك ثمن إصلاحه، فالزجاج كله محطم والأبواب مخلّعة والأثاث لم يعد صالحًا للاستخدام. زوجي أيضًا خسر عمله والآن لا أعرف ما مصيرنا وكيف سنبدأ من جديد مع طفلين ووالد زوجي المقعد”.
رغم وقف إطلاق النار وبدء عودة الأهالي إلى القرى الجنوبية، ما زالت كثيرات يواجهن تحديات كبيرة تعيق استعادة حياتهن الطبيعية.
فالعودة إلى منازل متضررة أو مدمرة تفرض عليهن أعباءً إضافية، تبدأ من تأمين الاحتياجات المعيشية الأساسية، وصولًا إلى المسؤوليات العائلية المضاعفة كرعاية الأطفال/ات وكبار/ات السن في ظل ظروف بالغة القسوة. وهو تمامًا ما تحدثت عنه نساء حاولن العودة إلى قراهن الجنوبية أو إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، ولم تكن النتيجة مشجعة على الإطلاق.
وبحسب جولة أجراها موقع “ميدفيمينسوية” على عدد من مراكز النزوح في بيروت، فقد أكد مسؤولون أن حركة العودة كانت حذرة ومحدودة، إذ إن الكثير من العائلات التي تفقدت بيوتها وقراها، اضطرت للعودة مجددًا إلى مراكز النزوح بسبب الوضع الأمني غير المطمئن الذي دفع الآلاف للتراجع.
وبين مسؤوليات الحياة اليومية وصعوبة إعادة بناء ما فقدنه في الحرب، تجد النساء أنفسهن في مواجهة تحديات نفسية واجتماعية واقتصادية وأمنية تجعل رحلة العودة أكثر تعقيدًا وقسوة. وكما قالت إحدى السيدات اللواتي قابلناهن: “لا شيء يعوّض ما خسرناه، الأموال لا تعيد للمرء عمره”.







