“أنا وعائلتي نعيش في المستشفى منذ نحو شهرين لأنّ لا ملجأ آخر لنا”، هكذا تختصر مريم، وهي ممرضة في مستشفى حكومي في جنوب لبنان، معاناتها في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، واضطرار الفريق الطبية إلى الاستنفار على مدار الساعة لتلبية الحاجة الملحّة.
تروي مريم لـ”ميدفمينسوية”: “مع تصاعد الأعمال العسكرية، سمحت لنا الإدارة بأن نحضر عائلاتنا للمكوث في المستشفى بسبب حالة الطوارئ، وحفاظًا على سلامتنا وسلامة من نحب. إنها تجربة صعبة جدًا، لكنني تحملت لأجل زوجي وابنتي، ولأجل المرضى/ات والجرحى/ات المحتاجين/ات إلى كل شخص في الجسم الطبي. لم يكن التردد خيارًا، علينا أن نتحمّل المسؤولية”.
خلف مشاهد الحرب والقصف، هناك نساء واقفات في وجه الموت، يواجهنه بقلوب حنون وداعمة، تمامًا كقلب مريم وقلب كثيرات من الناشطات والمسعفات والطبيبات والصحافيات والممرضات، وكل العاملات في مجال الرعاية، لتخفيف أوجاع الحرب المجنونة في لبنان.
خلف مشاهد الحرب والقصف، هناك نساء واقفات في وجه الموت، يواجهنه بقلوب حنون وداعمة
ومع استمرار الحرب وتضرر البنية الصحية، برزت الكوادر النسائية كأحد أعمدة الصمود داخل القطاع الطبي، في وقت تواجه فيه المستشفيات ونقاط الإسعاف ضغوطًا غير مسبوقة. تقول مريم: “رأيت مشاهد لا يمكن أن أنساها، جثثًا لشبان في ريعان الشباب، وأطفالًا/ة في حالات يُرثى لها. ولحسن حظي أن الأطفال/ات يحبونني، وأحاول تخفيف ألمهم/ن بالمزاح واللعب حين يسمح لي الوقت”.
وأوضح مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة اللبنانية، في بيان له، أن الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي منذ الثاني من مارس/آذار الماضي بلغت 3558 قتيلاً/ةً و10870 مصاباً/ةً.
وبدأت الحرب الحالية عقب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت إيران في نهاية شهر شباط/فبراير الماضي، وما أعقبها من مواجهة عسكرية بين الطرفين. وفي خضم هذا التصعيد، دخل حزب الله اللبناني على خط المواجهة عبر استهداف مواقع إسرائيلية، التي ردّت بشن حرب واسعة على لبنان شملت اجتياحًا بريًا لبعض مناطق الجنوب.
وأعلنت الولايات المتحدة يوم 4 حزيران/ يونيو توصل إسرائيل ولبنان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يتضمن إنشاء “مناطق تجريبية”، وذلك عقب اختتام الجولة الرابعة من المفاوضات في واشنطن، وسط استمرار التصعيد في جنوب لبنان.
تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الطبيبات والممرضات والعاملات الصحيات يشكلن حلقة وصل أساسية مع النساء والأطفال والحوامل والنازحين/ات
حلقة وصل
تكمن أهمية وجود النساء في مناطق النزاع في طبيعة الخدمات التي يقدمنها، إذ تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الطبيبات والممرضات والعاملات الصحيات يشكلن حلقة وصل أساسية مع النساء والأطفال والحوامل والنازحين/ات، كما يساهمن في توفير الدعم النفسي والاجتماعي إلى جانب الرعاية الطبية الطارئة. وتلفت الهيئة إلى أن المنظمات النسائية المحلية كانت من أوائل الجهات التي استجابت للأزمة الإنسانية، حيث أظهرت دراسة أممية أن 47 منظمة نسائية، من أصل 50 منظمة شملها الاستطلاع، شاركت بشكل مباشر في جهود الإغاثة والاستجابة الإنسانية خلال الحرب.
وفي الميدان، لا تختلف المخاطر التي تواجهها النساء العاملات في القطاع الصحي عن تلك التي يتعرض لها المسعفون والأطباء عمومًا.
استهدفت عشرات الهجمات مرافق الرعاية الصحية ومحيطها وسيارات الإسعاف منذ تصاعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، فيما أدى استمرار الاعتداءات إلى تضرر مستشفيات ومراكز رعاية أولية وخروج بعضها من الخدمة. وتشير البيانات التي أوردتها رويترز في أيار/مايو 2026 إلى تسجيل 27 هجوماً على منشآت صحية منذ سريان وقف إطلاق النار الأخير، ما أدى إلى مقتل 25 شخصًا وإصابة 42 آخرين/ات، فضلًا عن تضرر 16 مستشفى و13 مركز رعاية صحية أولية.
وتبرز أهمية الدور النسائي بشكل خاص في ملف الصحة الإنجابية ورعاية الحوامل. فبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، تواجه آلاف النساء الحوامل في لبنان صعوبات متزايدة في الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية نتيجة النزوح المتكرر وتضرر المرافق الصحية، ما يجعل وجود الطبيبات والقابلات والممرضات في مناطق النزاع حاجة إنسانية ملحّة وليست مجرد خيار تنظيمي.
ورغم المخاطر المتزايدة، ما زالت تشكل النساء جزءًا أساسيًا من منظومة الاستجابة الصحية. فبينما يغادر كثيرون/ت مناطق الخطر، تبقى الطبيبات والممرضات والمسعفات في المستشفيات وسيارات الإسعاف ومراكز الإيواء، حيث يتحول عملهن من مهمة مهنية إلى خط دفاع أول عن حياة المدنيين والمدنييات، في مشهد يعكس الدور المحوري الذي تؤديه المرأة اللبنانية في مواجهة تداعيات الحرب.
زينب ورحلة البحث عن مأوى للنازحين
زينب حمادة شاعرة وناشطة اجتماعية، برز اسمها خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024*، ثم خلال حرب 2026، بوصفها واحدة من أبرز الداعمات للنازحين والنازحات، إذ ساهمت في مساعدتهم على إيجاد مساكن بديلة وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
تروي قصتها عبر “ميدفمينسوية”: “أنا أسكن في منطقة آمنة في الجبل، لكنّ أصلي من جنوب لبنان، وأنا شاعرة ولديّ متابعون/ات كثر/ات على صفحتي. ساعدني ذلك كله على العمل مع النازحين/ات. عمّمت رقمي على فيسبوك لمساعدتهم/ن في تأمين بيوت بديلة في جبل لبنان أو المناطق الآمنة في بيروت. واستفدت من علاقاتي لمعاونة الناس، ونظّمت مجموعة اسمها (لبنان يحتضن الجنوب)، جمعت فيها أصدقاء وصديقات لي من مختلف مناطق لبنان لمتابعة شؤون النازحين والنازحات وتأمين الإيواء لهم/ن، كلٌّ في منطقته”.
وتوضح: “نجحت هذه الخطة في حرب عام 2024، أما في الحرب الحالية، فبسبب المناكفات السياسية واجهنا صعوبات أكبر، إذ عمّمت بعض البلديات قرارات تمنع استقبال النازحين/ات خوفًا على سلامة أهالي القرى الأصليين من الاستهداف، بسبب هذه الصعوبات تعبنا كثيراً، لكننا استطعنا تأمين مساكن لنحو 50 أو 60 عائلة، مقابل إيجارات مرتفعة جداً للأسف. أما في حرب 2024، فقد تمكنت مجموعتنا من مساعدة نحو 1200 عائلة عبر تأمين مساكن بديلة، والمساهمة في افتتاح مراكز إيواء في مدارس وقاعات في بعض المناطق”.
وتقول حمادة: “النساء هن الأكثر معاناة، سواء كنّ نازحات يتحملن عبء إعالة عائلة بلا مأوى ويلجأن إلى أماكن وثقافات مختلفة في ظل وضع اقتصادي صعب، أم كنّ يعملن في مجال الرعاية أو يستقبلن الضيوف. وأنا أيضًا أستضيف حاليًا في منزلي عائلات نازحة، وقد عانيت كثيرًا ماديًا واجتماعيًا. النساء، في النتيجة، هن الضحايا الأكثر هشاشة، والحرب تقسو عليهن أكثر من غيرهن”.
وينتشر النازحون والنازحات، إلى جانب بيروت، في قرى إقليم الخروب ومناطق جبل لبنان، كما في طرابلس شمالًا وصيدا جنوبًا، التي كانت تستضيف أعدادًا كبيرة من نازحي/ات الجنوب قبل أن يضطر/ت المئات إلى مغادرتها بعد التهديدات والغارات التي طالتها.
ويُقدَّر العدد الإجمالي للنازحين والنازحات بمليون و300 ألف شخص، بحسب بعض التقديرات، ويعيش 128 ألفًا منهم في مراكز إيواء، فيما تضطر العائلات الأخرى إلى تحمّل الإيجارات المرتفعة أو المكوث لدى الأقارب والأصدقاء، في ظل غياب الحلول المستدامة.
وبذلك تبقى زينب ومريم ونساء كثيرات القلب الذي يلجأ إليه الباحثون/ت عن الأمان، وبيتًا، وبعض التعزية.







