هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
لم تكن الفنانة المصرية اللبنانية ميرفت الجسري تقدم أغنيات قديمة فحسب، بل كانت تستعيد الحكايات التي اختفت مع صاحباتها. وبمصاحبة العازف ماجد سليمان على العود والعازفة نيفين نبيل على الرق، أعادت تقديم أعمال مغنيات مثل نظيرة الفرنساوية وأمينة العراقية، اللواتي اشتهرن في النصف الأول من القرن العشرين قبل أن تتوارى أسماؤهن من الذاكرة العامة.
نشأت الجسري في أسرة محبة للفن، إذ كان جدها يغني في الإذاعة اللبنانية، واعتادت والدتها في طفولتها اصطحابها إلى حفلات فيروز. كما درست الموسيقى في أكاديمية الفنون بمصر، وانضمت قبل خمس سنوات إلى فرقة الورشة المسرحية، حيث مزجت بين فنَّي الحكي والغناء في مشروعها الفني.
فكانت أمسية “المغنيات المنسيات في النصف الأول من القرن العشرين” التي نظمتها مؤسسة المرأة والذاكرة في شهر آيار/مايو الماضي، في القاهرة، تذكيرًا بنساء غنين واشتهرن لكنهن نُسِين.
وتعمل مؤسسة المرأة والذاكرة، منذ تأسيسها عام 1995، على إعادة قراءة التاريخ المصري والعربي من منظور نسوي، وإبراز إسهامات النساء التي همشتها الروايات السائدة.
ومن بين المغنيات التي استعادتهن الأمسية المغنية بهية المحلاوية، التي وصلت أسطواناتها إلى أوروبا حتى ردد جمهورها: “يا ست يا بهية يا اللي صوتك وصل أوروبا”، واشتهرت بأغنيات تناولت الحياة الزوجية بجرأة لافتة، لم تعد اليوم اسمًا متداولًا إلا في نطاق ضيق.
لكن الأمسية لم تقتصر على استعادة أغنياتهن، بل طرحت سؤالًا أوسع: كيف اختفت أسماء نساء كان لهن حضور بارز في تاريخ الغناء العربي؟
“لدي شغف بالبحث في سيرة الأصوات النسائية المفقودة”
إعدام الإرث الغنائي للعوالم
مغنيات مثل نعيمة المصرية وفاطمة شعراوي وغيرهن، حملن لقب “العوالم”، وهو لقب كان يُطلق على المغنيات المحترفات، قبل أن تلتصق به لاحقًا دلالات اجتماعية سلبية شوّهت صورتهن وأدوارهن الفنية، وجاءت التسمية من كلمة “عالمة”، حيث امتلكت كل واحدة منهن معرفةً واسعةً بأصول الغناء والطرب وقواعده.
لم يكن التهميش الذي طال “العوالم” معنويًا فحسب، بل امتد في بعض الحالات إلى محو إرثهن الفني. فقد اضطرت المغنية نعيمة المصرية إلى الهرب من أسرتها إلى حلب في سوريا لمواصلة الغناء بعد رفض أهلها احترافها الفن، قبل أن تعتزل لاحقًا بعد مسيرة استمرت 26 عامًا، فيما استعادت ميرفت الجسري سيرتها بأداء أغنية “كيكي يا كيكي”.
أما فاطمة شعراوي، إحدى عوالم شارع محمد علي في القاهرة، فبعد أن منعها زوجها من الغناء، جمع الأسطوانات المسجلة بصوتها من الأسواق وأحرقها في محاولة لمحو إنتاجها الفني بالكامل.
كما أعادت الجسري إحياء سيرة الفنانة حياة صبري، التي اكتشف سيد درويش موهبتها وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وضَمَّها إلى فرقته، مؤديةً لها أغنية “دا بأف“.
وتأتي هذه الأمسية ضمن رحلة بحث تخوضها الجسري في تاريخ المغنيات الشاميات والمصريات اللواتي أوشكت سيرتهن على الاندثار. وتقول لـ”ميدفيمنسوية”: “لدي شغف بالبحث في سيرة الأصوات النسائية المفقودة مثل أسما الكمسرية، وتيرا حكيم، وبدرية سعادة، ويتوزع إنتاجهن الغنائي بين مصر ولبنان وسوريا.”
وتسعى الجسري لمواصلة هذا المشروع عبر تقديم أغنيات مطربات منسيات من أربعينيات القرن الماضي.
يستهدف مشروع استعادة التاريخ الفني للنساء تصحيح النظرة المغلوطة حولها خلافًا لما كرسته الدراما. كما أن تاريخ “المغنيات العوالم” يؤكد أن حرية المرأة ليست فكرة حديثة أو مستوردة من الخارج
استعادة سير الموسيقيات
لم تقتصر الأمسية على استعادة أصوات المغنيات المنسيات، بل أثارت أسئلة أوسع حول حضور النساء في تاريخ الموسيقى العربية، لا سيما في مجالات التلحين والإنتاج الموسيقي.
وتقول الدكتورة منيرة سليمان، عضوة المؤسسة، لـ”ميدفيمنسوية”: “نهتم بإعادة قراءة تاريخ النساء في المنطقة العربية وتقديمه من جديد من منظور نسوي.” وتوضح أن المؤسسة تسعى إلى البحث في تاريخ النساء وإنتاجهن الفكري والفني، وإعادة تقديمه للمجتمع بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية.
وتشكلت المؤسسة عام 1995، بجهود مجموعة من الباحثات والباحثين المهتمين بتغيير الصور النمطية للنساء في الثقافة السائدة، وترتكز في عملها على منظور النوع الاجتماعي (الجندر)، كما تركز على إعادة تقديم المصادر التي توثق أدوار النساء في التاريخ الماضي والمعاصر.
وتعتمد المؤسسة في تمويلها واستمرارها على منح من وكالات التنمية الدولية كالصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) وهيئة الأمم المتحدة للمرأة وصندوق المساواة بين الجنسين، بالإضافة إلى عائدات الورش المدفوعة وبيع الكتب والتبرعات الذاتية.
وتقول شيرين فاروق، مديرة مبيعات، وإحدى الحاضرات، لـ”ميدفيمنسوية”: “لم أكن أعرف أن في مصر ملحنات، وهذا أمر مجهول تمامًا في الإعلام المعاصر”. وترى أن غياب النساء عن مشهد التلحين اليوم يثير تساؤلات حول أسباب انقطاع هذا الحضور، وما إذا كانت هناك محاولات نسائية معاصرة لإحيائه.
أما خالدة علاء الدين، الموظفة السابقة في وزارة الخارجية المصرية، فتقول إن ما دفعها إلى حضور الأمسية هو اهتمامها بالتعرف إلى أصوات نسائية غُيبت عن الذاكرة الفنية، وتضيف: “أعجبني استعراض سيرة المغنيات وتاريخهن لأنه جزء من التراث الفني المصري وإرث النساء.” وتؤكد أن تعريف الأجيال الجديدة بسير هؤلاء الفنانات ضرورة لحماية التراث النسائي من الزوال.
لا ترى القائمات على المشروع أن استعادة سيرة مغنيات العوالم مجرد توثيق للماضي، بل محاولة لتصحيح سردية تاريخية همشت النساء وأعادت إنتاج صور نمطية عنهن
لماذا يُعد استعادة التاريخ الفني النسائي مهمًا؟
لا ترى القائمات على المشروع أن استعادة سيرة مغنيات العوالم مجرد توثيق للماضي، بل محاولة لتصحيح سردية تاريخية همشت النساء وأعادت إنتاج صور نمطية عنهن.
تقول الدكتورة حنان سبع، عضوة في مجلس أمناء مؤسسة المرأة والذاكرة: “يستهدف مشروع استعادة التاريخ الفني للنساء تصحيح النظرة المغلوطة حولها خلافًا لما كرسته الدراما. كما أن تاريخ “المغنيات العوالم” يؤكد أن حرية المرأة ليست فكرة حديثة أو مستوردة من الخارج”. وتتابع لـ”ميدفيمنسوية”: تحولت الأفكار المغلوطة حول النساء إلى قوانين تتحكم في حياة المرأة، وخلق هذه المساحات الفنية يشتبك مع الوقائع ويعيد تقديم الأفكار حول المرأة بصورتها الصحيحة”.
كما تؤكد سبع أن المساحات النسائية بمختلف أشكالها تعمل على التشكيك في المسلمات حول المرأة وتناقش أسئلة المجتمع حول النسوية والمرأة والواقع، وتضيف: “هذه المساحات حتى لو كانت بسيطة فإنها مؤثرة وقادرة على صنع التغيير في الأفكار تجاه المرأة”.
يذكر أن مؤسسة المرأة والذاكرة، نفذت مجموعة من المشروعات النسائية من بينها مشروع أرشيف التاريخ الشفوي للنساء الرائدات في مجالاتهن وهو مكتبة تاريخ شفاهي للنساء المصريات، باعتبارهن صانعات وفاعلات في التاريخ الاجتماعي والسياسي المصري. ويضم مشروع بودكاست: لها في التاريخ علامات، توثيقًا لأصوات نساء رائدات في التاريخ المصري، بالإضافة إلى مشروع “هي والكاميرا: صانعات السينما المصرية” والذي يضم 19 فيلمًا وثائقيًا من إنتاج المؤسسة يشمل تجارب سينمائيات مصريات معاصرات في مشوارهن الفني والمهني. كما دشنت المؤسسة مشروع “من هي في مصر” ويمثل قاعدة بيانات للخبيرات المصريات المتميزات في مجالاتهن.







