بين فرع الخطيب وسجن عدرا، أمضت رُفيدة زيتون عامين في معتقلات نظام الأسد، لكنها، وككل المعتقلين والمعتقلات لم تلمس أي بوادر لتحقيق العدالة. تقول رُفيدة: “ما نراه على أرض الواقع يبعث على الاستغراب، كأن يتم التعامل مع أرضٍ محروقة وكأنها قابلة للترميم السريع دون معالجة الجرح الحقيقي، بالنسبة لي تبقى المحاسبة هي الأساس، وليس فقط محاسبة بشار الأسد، بل محاسبة كل من تسبب لنا بأذى نفسي أو جسدي، عبر أي آليات عدالة حقيقية”.
وتتابع رُفيدة: “المحاسبة والعدالة الانتقالية هي القضية الأهم في هذه المرحلة، وبصراحة، حتى الآن، لا أرى أن ما نطالب به يتحقق فعليًا، نحن أبناء الثورة، ضحّينا، ومع ذلك نجد أنفسنا اليوم على الهامش، بينما يتولى من كانوا شبيحة أو داعمين للنظام السابق مواقع ومسؤوليات، بل وحتى أدوارًا على المستوى الدولي”.
بالنسبة للسوريات، لا يُقاس مسار العدالة الانتقالية بعدد الهيئات أو المراسيم، بل بقدرته على الاعتراف بتجاربهن بوصفهن معتقلات سابقات، مختفيات قسرًا، أو ناجيات من عنف قائم على النوع الاجتماعي
ولا يزال مسار العدالة في سوريا محكومًا بمنطق فوقي مركزي، تُحدده المراسيم أكثر مما تصوغه مشاركة الضحايا.
وتختتم رُفيدة: “المحاسبة والعدالة الانتقالية هما الأولوية القصوى، إلى جانب الاعتراف بحقوق الضحايا وضرورة وجود تعويضات طويلة الأمد للناجين والناجيات. فالحرية التي وصلنا إليها لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة دماء الشهداء ومعاناتنا.”
بالنسبة للسوريات، لا يُقاس مسار العدالة الانتقالية بعدد الهيئات أو المراسيم، بل بقدرته على الاعتراف بتجاربهن بوصفهن معتقلات سابقات، مختفيات قسرًا، أو ناجيات من عنف قائم على النوع الاجتماعي، وكذلك بمدى إشراكهن كصاحبات قرار لا كضحايا فقط.
ووفقًا لـ “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فإنَّ ما لا يقلّ عن 181312 شخصًا، بينهم 5332 طفلًا/ة و9201 سيدة، لا يزالون قيد الاعتقال التعسّفي أو الاختفاء القسري في سوريا منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2025، وكان نظام بشار الأسد السابق المسؤول الرئيس عن الغالبية العظمى من حالات الاختفاء القسري، حيث تتحمل مراكزه وحدها نحو 90% من إجمالي الحالات الموثقة، أي ما يعادل 9 من كل 10 مختفين/ات.
تمييز ضد النساء داخل منظومة العدالة
وفي هذا السياق، أكد القانوني والنسوي مجار الجابر أن الإشكالية لا تقتصر على بطء الإجراءات، بل تتمثل في غياب المقاربة الجندرية كإطار منهجي يحكم عمل العدالة الانتقالية.
وأوضح أن “الحياد المعلن في إدارة هذا الملف هو حياد شكلي، لأن تجاهل الفوارق البنيوية والانتهاكات الخاصة التي تعرضت لها النساء يعني عمليًا إعادة إنتاج التمييز داخل منظومة العدالة ذاتها”.
وأشار إلى أن “التمثيل الرمزي للنساء في اللجان لا يرقى إلى مستوى المشاركة الفعلية في صنع القرار، وهو ما يهدد بتحويل المسار إلى عملية شكلية تفتقر إلى العدالة الحقيقية”.
أما فيما يتعلق بالتمثيل السياسي للمرأة في مجلس الشعب، فقد وصلت ست نساء فقط عبر الانتخابات الأخيرة، أي ما يقارب 2.4% من إجمالي المقاعد، رغم أن النساء شكّلن نحو 14% من بين 1578 مرشحًا ومرشحة.
أمّا الصحفية وعضوة الحركة السياسية النسوية آلاء محمد، تقول: “شاركت العديد من النساء الناجيات في لجان وهيئات معنية بالعدالة الانتقالية في سوريا. فعلى سبيل المثال، تضم اللجنة الخاصة بأبناء المفقودين ثلاث نساء من الناجيات، في خطوة تُعدّ مهمة نحو إشراك النساء المتأثرات بشكل مباشر في هذا الملف، وضمان حضور أصواتهن وتجاربهن في مسارات العدالة.”
تتابع آلاء: “ورغم أنني لا أملك اطلاعًا كاملًا على جميع الهيئات الأخرى، فإن هناك مؤشرات تُظهر وجود مساحة متقدمة نسبيًا لمشاركة النساء في بعض اللجان والمواقع المرتبطة بصنع القرار. إلا أن هذه المشاركة لا تزال تفتقر إلى الاستقرار الكافي، ولم تتحول بعد إلى حضور مؤسسي راسخ يضمن تمثيلًا حقيقيًا وفاعلًا للنساء، بعيدًا عن الأدوار الشكلية أو الحضور الرمزي”.
لعبت النساء، ولا سيما الناجيات من الاحتجاز وقريبات المفقودين/ات، دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات والمناصرة والحفاظ على الذاكرة والمطالبة بالحقيقة
الموقف الرسمي: خطاب بلا التزامات
يقرّ محمد الدغيم عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في تقرير بأن المسار لا يزال في بداياته، مشيرًا إلى تعقيدات المرحلة الانتقالية والحاجة إلى التدرّج. إلا أن هذا الخطاب، من منظور نسوي، يفتقر إلى التزامات واضحة بزمن محدد، أو بضمان مشاركة النساء، أو بإدماج قضاياهن بوصفها أولوية لا ملفًا مؤجلًا.
جعفر فقيه، مساعد مسؤول حقوق الإنسان في المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين/ت في الجمهورية العربية السورية يقول: “إن إشراك النساء في مسارات العدالة الانتقالية ليس مسألة تمثيل رمزي فحسب، بل هو شرط أساسي لنجاح هذه المسارات وشرعيتها واستدامتها. ففي السياق السوري، لعبت النساء، ولا سيما الناجيات من الاحتجاز وقريبات المفقودين/ات، دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات والمناصرة والحفاظ على الذاكرة والمطالبة بالحقيقة، وقد أسهمت جهودهن ومناصرتهن المتواصلة ضمن مجموعات الضحايا في إنشاء المؤسسة عام 2023 للبحث عن المفقودين/ات وتقديم الدعم لعائلاتهم/ن.”
يتابع فقيه: “نظرًا لأن غالبية المختفين هم من الرجال، فقد وجدت نساء كثيرات أنفسهن يتحملن العبء الأكبر في البحث عن أحبائهن، بالتوازي مع مسؤوليات إعالة أسرهن وإدارة شؤون حياتهن اليومية في ظروف بالغة الصعوبة، ما يجعل خبراتهن المباشرة ومعرفتهن باحتياجات العائلات جوهرية في تصميم وتنفيذ أي عملية بحث”.
وتعمل المؤسسة حالياً على تطوير استراتيجية جندرية شاملة لإدماج منظور النوع الاجتماعي في جميع جوانب عملها، ومعالجة العوائق التي تواجه النساء في الوصول إلى المعلومات أو المشاركة. ولتسهيل التواصل وتوثيق حالات الاختفاء، صمّمت المؤسسة نظام إحالات في تركيا، كما تُعدّ صلة وصل بين عائلات المفقودين/ات والهيئة الوطنية للمفقودين. وأجرت المؤسسة سلسلة مشاورات مع العائلات، شملت تسع مجموعات نقاش مركزة ضمت 74 من أقارب المفقودين/ات، شكّلت النساء قرابة 80% منهم، بهدف فهم احتياجاتهن وتطوير آليات استجابة تضمن مشاركتهن الكاملة.
ويختتم الفقيه: “إن أي عملية بحث عن المفقودين/ات لا تضع النساء في صميمها، كصانعات قرار وكشريكات معرفة وكصاحبات حق، ستكون عملية ناقصة، فيما يساهم ضمان مشاركتهن الفعلية في إنجاح هذه الجهود وإعادة بناء الثقة والروابط الاجتماعية اللازمة لتحقيق سلام مستدام”.
هيئة العدالة الانتقالية دون انجازات ملموسة
لا تكمن الإشكالية فقط في بطء العمل، بل في غياب تمثيل النساء الفعلي داخل البنية المؤسسية للهيئات، سواء في مواقع صنع القرار أو في صياغة آليات التحقيق وجبر الضرر. فكيف يمكن أن تتحقق عدالة للنساء وهي لم تصمم بأصواتهن أصلًا!
تزامن إنشاء الهيئتين مع صدور الإعلان الدستوري في آذار/مارس 2025، الذي تعهّد بإطلاق مسار للعدالة الانتقالية “مرتكز على الضحايا”، ويكفل الحق في معرفة الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر. وتضمّ “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” خمس نساء وثمانية رجال، غير أن مرسوم 17 أيار/مايو حصر صلاحياتها بالجرائم التي ارتكبتها حكومة الأسد فقط، مستبعدًا الانتهاكات التي نفذتها أطراف أخرى خلال النزاع، والتي تشمل تنظيم الدولة داعش وجبهة النصرة وحتى هيئة تحرير الشام التي وصلت إلى السلطة، بالإضافة إلى جهات أخرى، دون توضيح كيفية إشراك الضحايا أو تمثيلهم/ن في صياغة عمل الهيئة أو متابعته.
ليتصاعد النقاش العام حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثّل بداية فعلية لمسار مساءلة وكشف حقيقة، أم مجرّد استجابة شكلية لضغوط داخلية وخارجية.
حتى شباط/فبراير 2026، لم تُسجّل الهيئة أي إنجازات تنفيذية ملموسة لصالح المعتقلات أو المختفيات قسرًا. اقتصر عملها على التأسيس القانوني، وطرح خطط تشريعية أولية، وإجراء حوارات محدودة، من دون نتائج عملية كتحقيقات مستقلة، أو محاكمات، أو برامج جبر الضرر. هذا الواقع يجعلنا نتساءل: هل تمضي سوريا نحو عدالة انتقالية شاملة، أم نحو مسار انتقائي يعمّق إقصاء النساء تحديدًا ويعيد إنتاج الانقسام؟







