في خيمة متواضعة بمدينة الزوايدة وسط قطاع غزة، ترقد سماح عفانة، 37 عامًا، على سرير خشبي مهترئ، بجسد مثقل بالألم، يدها اليمنى مبتورة، وقدَمها المصابة عاجزة عن الحركة، بجانبها، ينام طفلها الرضيع في سرير معدني، لكنها عاجزة عن حمله أو إرضاعه أو ضمّه إلى صدرها، تنتظر فرصة استكمال علاجها خارج قطاع غزة بعد حصولها على تحويلة طبية.
بحاجة لطرف صناعي
في 16 أيلول/ سبتمبر 2025، وبينما كانت سماح حاملاً في الشهر السادس، تعرضت لإصابة إثر قصف إسرائيلي استهدف المربع السكني الذي كانت تعيش فيه بمخيم الشاطئ غرب غزة، أدت إلى بتر في يدها اليمنى وتهشم جسدها وجروح في وجهها وكسور في قدميها. خضعت لعدة عمليات جراحية، وتحتاج إلى تركيب طرف صناعي ليدها وعلاج قدمها اليمنى المكسورة.
1280 شخصًا فقدوا حياتهم وهم على قوائم الانتظار، دون أن تتاح لهم فرصة الوصول إلى العلاج خارج غزة
تقول سماح: “عشت رحلة علاج مريرة جدًا، كنت أفكر بإصابتي وبحالة طفلي بأحشائي، هل هو سليم أم مصاب بتشوهات بسبب القصف؟ بعد إنجابي لطفلي حصلت على تحويلة طبية تسمح لي بالسفر للعلاج في الخارج، ولا أزال أنتظر. أريد أن أحمل ابني بين ذراعي، أبدل له ملابسه، أعد له الرضعة بنفسي، أهدهده على جبينه لكي ينام بحضني، أنا محرومة من كل هذا”.
بعد عشرين يومًا من ولادتها، تعرضت سماح لحادثة زادت من معاناتها: بينما كانت تحضّر الحليب لطفلها بمفردها، في ظل غياب عائلتها حينها، انسكب عليها ماء مغلي، ما تسبب بحروق جديدة.
يتقاطع وضع سماح مع واقع صحيّ منهار في غزة، حيث يفاقم الحصار ونقص الإمكانات من معاناة الجرحى والجريحات. ومع تزايد أعداد المصابين/ات المحتاجين/ات للعلاج خارج القطاع، تتحول فرص النجاة إلى سباق غير متكافئ مع الوقت.
في 2 شباط/ فبراير من العام الحالي، استأنف معبر رفح الحدودي، وهو المنفذ الوحيد لقطاع غزة إلى الخارج، عمله بوتيرة بطيئة للغاية بعد إغلاق دام أكثر من عام ونصف، ويسمح بسفر عدد محدود من المرضى/ات والجرحى/ات فقط، وسط قيود إسرائيلية مشددة، في خطوة وُصفت بأنها غير كافية لمواجهة حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة في القطاع.
حياة المصابين والمصابات باتت رهينة قرار إسرائيلي يحدد من يُسمح له بالسفر عبر معبر رفح البري
حرية التنقل حق أصيل
وبحسب إحصائية للأمم المتحدة يعيش نحو 18,500 من المرضى/ات والجرحى/ات في غزة، بينهم 4,000 طفل وطفلة، انتظارًا مريرًا للسفر خارج القطاع لتلقي علاجًا غير متوفرٍ محليًا، وسط أوضاع صحية وإنسانية خطيرة.
بلغ عدد ضحايا ما بعد وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي 784 قتيلًا و2214 إصابة، فيما ارتفع إجمالي الضحايا منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى نحو 72560.
حياة المصابين والمصابات باتت رهينة قرار إسرائيلي يحدد من يُسمح له بالسفر عبر معبر رفح البري، ما يحوّل حقهم في العلاج إلى معركة يومية بلا ضمانات.
وفي هذا السياق، حذّر حقوقيون/ات من أن فتح معبر رفح بشكل تجريبي وجزئي، دون آلية واضحة، يثير مخاوف جدية ويعكس إجراءً هشًا ومشحونًا بالمماطلة. وأكد المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان خلال تصريحات اعلامية على لسان رئيسه رامي عبده أن غياب معايير السفر وآليات التسجيل والمسارات الآمنة يكرّس تحكم الاحتلال الإسرائيلي الكامل بالمعبر.
وشدد على أن الاحتلال لا يملك أي حقّ قانوني أو سيادي في إدارة معبر رفح، الذي يفترض أن يُدار بآلية فلسطينية– مصرية، داعيًا مصر إلى ضمان تشغيل ثابت يحفظ الكرامة الإنسانية، والبعثة الأوروبية إلى عدم التحول إلى غطاء للاحتلال. كما أكد أن حرية التنقل حق أصيل لا يجوز إخضاعه للمساومات أو التفاهمات المؤقتة.
وجوه مختلفة وقصة تتكرر
مثل سماح، هناك مئات القصص. الفتاة فرح الكحلوت، 17 عام، هي أيضًا تنتظر فتح معبر رفح لتتمكن من العلاج في الخارج. تنتقل بين أكوام الركام في مخيم جباليا شمال غزة، على كرسي متحرك بمساعدة شقيقها، ترتدي نظارات سوداء بعدما فقدت بصرها وقدمها بسبب إصابة تعرضت لها قبل عام ونصف إثر قصف استهدف منزل عائلتها قبل عام ونصف، وأسفر عن مقتل والديها و25 من أقاربها.
تقول فرح: ” في لحظة واحدة تغيّر كل شيء، لم يتبق لي سوى شقيقتي وشقيقي فيما أُصبت إصابة بالغة، وبعدها دخلت في غيبوبة في مستشفى الشفاء غرب غزة لمدة أسبوع وعندما استفقت، أخبروني أنني فقدت بصري وقدمي. لم أستوعب ما حدث، شعرتُ أنني استيقظت في حياة لا تشبهني”.
حصلت فرح على تحويلة طبية منذ أشهر، لكن علاجها لم يبدأ. تحتاج إحدى عينيها إلى استئصال، بينما يمكن إنقاذ الأخرى إذا تلقت العلاج سريعًا خارج غزة، وهو ما لا يتوفر محليًا.
تضيف فرح: عندما سمعت بإعادة فتح المعبر شعرت بالأمل، لكن سرعان ما تلاشى. الأعداد المسموح لها بالسفر قليلة جدًا. أكثر ما أخشاه أن أفقد عينيّ بالكامل. لا أريد أن أعيش في ظلام تام”.
قبل الحرب، كانت فرح تعيش حياة بسيطة مع عائلتها تحلم باستكمال دراستها الثانوية العامة والتي حرمت منها بسبب إصابتها.
“كنت أحب الرسم قبل إصابتي، كانت طريقتي للتعبير عن نفسي، إذا تمكنت من السفر وتعافيت، ربما أستعيد الرؤية بإحدى عينيّ، وربما أستعيد جزءًا من حياتي التي فقدتها، هذا أملي الوحيد، ولن أتخلى عنه”. تختتم فرح حديثها.
لا آلية واضحة لعمل معبر رفح
من داخل مجمع الشفاء الطبي، أحد أكثر المرافق الطبية اكتظاظًا، يضع محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، ملف الإجلاء الطبي على الطاولة بوصفه أحد أخطر الملفات الإنسانية العالقة حتى اللحظة.
بحسب المعطيات المتوفرة لدى أبو سلمية لا توجد أي آلية واضحة أو مُعتمدة تتيح مغادرة المرضى/ات والجرحى/ات عبر معبر رفح، ما يجعل آلاف الحالات الحرجة رهينة الزمن وتدهور الوضع الصحي. ويشير بقوله إلى أن الآلاف من المرضى/ات والجرحى/ات لديهم/ن تحويلات طبية تتطلب سفرًا فوريًا للعلاج في الخارج لكن الاحتلال يماطل بأعداد المسافرين دون وضوح.
القلق الأكبر، وفق أبو سلمية، يتمثل في العودة إلى الآلية السابقة التي استُخدمت خلال فترات التهدئة الماضية، والتي لم تُفضِ إلا إلى تعقيد عملية الإجلاء بدل تسريعها. تلك الآلية، كما يوضح، تسببت في إبطاء خروج المرضى والمريضات نتيجة التأخير المتعمد في الموافقات، وتقليص أعداد المسموح لهم بالسفر. وكانت نتيجة ذلك مأساوية: نحو 1280 شخصًا فقدوا حياتهم وهم على قوائم الانتظار، دون أن تتاح لهم فرصة الوصول إلى العلاج خارج غزة.







