في أحدث أعمالها في بيروت، أنهت الفنانة المكسيكية باولا دلفين، 37 عامًا، جدارية جديدة، منتصف شهر تموز/يوليو الفائت، بالقرب من المركز الثقافي الإسباني وعند حافة جسر الرينغ، لتضيف عملًا جديدًا إلى مشهد الجداريات المتنامي في العاصمة اللبنانية. تمتد الجدارية على واجهة إسمنتية كبيرة بتكوين رأسي أحادي اللون، يندمج مع هندسة المبنى وسياقه الحضري.
لكن هذه ليست الجدارية الأولى، فمن مدينة جونية إلى وسط العاصمة بيروت، تواصل دلفين مشروعها الذي يجمع بين الفن والإنسان والذاكرة. بأسلوبها المعروف بالأبيض والأسود، تحوّل المساحات الإسمنتية إلى أعمال تنبض بالحياة، وتصوّر المرأة في قلب المشهد، بوصفها رمزًا وتجربة وحكاية تستحق أن تُروى. ففي مدينة جونية المطلة على البحر رسمت عددًا من الجداريات، أبرزها رسم لامرأة بزيّ لاتيني تقليدي تحمل تمثالًا لمريم العذراء.

وباولا دلفين تأتي من جيل جديد من فناني/ات الجداريات المكسيكيين/ات. درست التصميم الغرافيكي والرسم في أكاديمية سان كارلوس في مكسيكو سيتي، وبدأت مسيرتها في الفن الجداري عام 2012، قبل أن تنفذ أعمالًا في دول عدة بينها الصين وأوكرانيا وألمانيا وإسبانيا وبولندا وبيرو والولايات المتحدة الأميركية. ومن أبرز مشاريعها جدارية “الملجأ” التي أنجزتها عام 2016 في العاصمة الأوكرانية كييف على مبنى يبلغ ارتفاعه 40 مترًا.
وللحديث أكثر عن عملها في لبنان، التقت “ميدفيمنسوية” بالفنانة المكسيكية. تقول دلفين: “الموضوع يجب أن يشبه الواقع الموجود في لبنان، والواقع الذي استنتجته أن الناس يحاولون التشافي، وهذا ما قدمته في مشروعي، فكلنا لدينا فرصة لإعادة بناء أنفسنا بعد الصعوبات”. وترى أن الرسالة الأساسية في أعمالها هي ارتباط الإنسان بأرضه وجذوره، وقدرته على استعادة نفسه بعد التجارب الصعبة.
وصلت دلفين إلى لبنان قبل نحو سنة ونصف السنة، في زيارة لم تكن تتوقع أن تتحول إلى إقامة طويلة. لكنها سرعان ما وجدت نفسها تنتقل من مشروع إلى آخر، ومن جدارية إلى أخرى، بعدما أصبح البلد مساحة جديدة للتعرف إلى الناس ورواية قصصهم/ن.
بين الرقة والقوة
في هذا السياق، تحتل النساء مكانة مركزية في أعمالها. بالنسبة إلى دلفين، رسم المرأة ليس مجرد اختيار جمالي، بل محاولة لإبراز التناقضات التي تراها في تجارب النساء بين القوة والهشاشة، وبين القدرة على الصمود والقيود التي يواجهنها.
وتقول: “أتيت من بلد تتمتع فيه النساء بالكثير من القوة، ولكن أيضًا الكثير من القمع، لذلك من المهم بالنسبة إلي أن أركز في رسوماتي على قوة المرأة ورقتها. فنحن هكذا، قويات ورقيقات، ويجب أن نجد هذا التوازن”.
وتوضح أن النساء اللواتي ترسمهن غالبًا ما يكنّ شخصيات حقيقية تعرفت إليهن، مضيفة: “من المهم بالنسبة إلي أن أرسم هذا النوع من النساء ، وأختار هذه الشخصيات بما يتناسب مع الفكرة التي أريد تقديمها من خلال اللوحة. الموضوع ليس فقط متعلقًا بالنساء، فالتوازن ضروري، لكنني أشعر بالراحة عند تجسيد ورسم النساء “.
وتقول دلفين إن علاقتها بالأماكن تبدأ من سكانها، إذ تحرص قبل تنفيذ أي جدارية على التعرف إلى الناس والاستماع إلى قصصهم/ن، لأنهم/ن بالنسبة إليها جزء أساسي من العمل. وتضيف: “أعمل مع المجتمعات المحلية وأروي القصص، وأحب لقاء الناس لأتعلم أكثر عن المكان وناسه الذين صنعوا المكان وقصصه، وبين هؤلاء حكايات النساء”.
رسم المرأة ليس مجرد اختيار جمالي، بل محاولة لإبراز التناقضات التي تراها في تجارب النساء بين القوة والهشاشة، وبين القدرة على الصمود والقيود التي يواجهنها.
تقاطعات المكسيك ولبنان

ترى الفنانة المكسيكية أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين لبنان والمكسيك، رغم المسافة الجغرافية الكبيرة بين البلدين. وتقول: “أشعر بأن لبنان هو مكاني الطبيعي ،فنحن كأميركيين لاتينيين، نتشابه كثيرًا مع هذا الجزء من العالم”.
وتروي أن علاقتها بلبنان بدأت قبل وصولها إليه، إذ كان البلد حاضرًا في ذهنها منذ كانت في المكسيك، قبل أن تلتقي لاحقًا بالكثير من اللبنانيين خلال إقامتها في غرب أفريقيا. وتقول: “كانت مجرد زيارة في البداية، لكن في النهاية قررت البقاء للمزيد من الوقت. لم أكن أتخيل أنني سأبقى سنة ونصف السنة، لكنني بدأت أتعلم عن هذا البلد، وبدأت أفكر بتنفيذ مشروعي هنا. إنه مكان رائع لبدء حياة جديدة ودمجها بالثقافة المكسيكية”.
ورغم ضخامة جدارياتها، لا تغفل دلفين عن التفاصيل الصغيرة داخل أعمالها. ففي كل لوحة، تخفي عناصر بصرية يمكن للمشاهد والمشاهدة اكتشافها مع مرور الوقت، من تسريحة شعر أو نظرة أو حركة جسد أو تفاصيل مرتبطة بالشخصية التي اختارت رسمها.
وتعتمد الفنانة في تنفيذ أعمالها على الطلاء البلاستيكي والفُرش، مع اهتمام كبير بتحضير الأسطح قبل بدء الرسم، معتبرة أن الجدار ليس مجرد مساحة فارغة، بل جزء من الحكاية التي تريد سردها.
وتشرح دلفين أن معرفتها بتاريخ الفن الجداري المكسيكي جعلتها تدرك أن الرسم في الفضاء العام ليس مجرد عمل بصري، بل طريقة لترك أثر دائم وفتح حوار مع المجتمعات. لذلك تحاول قبل تنفيذ أي مشروع فهم تاريخ المكان وسكانه، ومعرفة القصص التي حملتها المباني منذ وجودها.
وفي لبنان، اختارت دلفين أن تجعل من وجوه النساء وقصصهن جزءًا من ذاكرة الشوارع، لتحوّل الجدران من مجرد إسمنت صامت إلى مساحات تحفظ حكايات نساءٍ لم تكن أصواتهن دائمًا حاضرة في السرد العام.







