هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
تشير عقارب الساعة إلى التاسعة صباحًا داخل خيمة في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة. تستعد ريما لرحلتها الرياضية اليومية. تقف لثوانٍ أمام مرآة صغيرة بحجم كف اليد، تتدلى من مسمار صدئ في العمود الخشبي الذي يحمل سقف الخيمة. يشطر زجاجها المتشقق انعكاس وجهها إلى خطوط متباعدة، كأن الحرب لم تكتفِ بتصدع البيوت، بل امتدت إلى الصور التي يرى الناس أنفسهم فيها. ترتب حجابها، ثم تنحني لتشد رباط حذائها الرياضي بإحكام.
تلتقط عبوة الماء، وتضع سماعتيها في أذنيها، لا بحثًا عن الموسيقى، بل هربًا من ضجيج المخيم. تمضي بين الخيام المتلاصقة، وتعبر السوق المكتظ بالحركة، في طريقها وسط الركام نحو الصالة الرياضية. تسير بخطوات سريعة، لا لأنها متأخرة عن موعد التمرين، بل لأنها تعرف أن الساعة المقبلة هي الوقت الوحيد في يومها الذي سيكون لها وحدها.
تدخل الصالة الرياضية التي تشترك فيها، والتي أُعيد افتتاحها في مدينة النصيرات، وسط قطاع غزة، بعد سنوات الحرب.
هنا يتغير كل شيء بالنسبة إليها، يختفي الضجيج خلف الباب الحديدي الثقيل، لتحل محله موسيقى هادئة، واحتكاك الأحذية بالأرضية المطاطية، وصوت المدربة وهي تطلب من النساء الاصطفاف.
بعض الأجهزة الرياضية تحمل آثار الاستخدام المتكرر، وأخرى أُصلحت أكثر من مرة، وبعضها أُخرج من تحت الأنقاض.
تتبادل النساء التحية بصوت منخفض، ولا تسأل إحداهن الأخرى عن الوزن الذي فقدته أو عدد السعرات التي أحرقتها، بل عن نوم الليلة الماضية، وكيف كان وسط حرارة الصيف الملتهبة التي تجعل الخيام كأفران الطهي، وعن حال الأطفال، وصعوبة النزوح، وخروقات الاحتلال الإسرائيلي، والقصف بين اليوم والآخر. هنا لا تبدأ الرياضة من الجسد، بل من محاولة إنقاذ الروح.
ترفع المدربة يدها وتقول: “يلا يا صبايا، لنبدأ”. تتحرك الأجساد ببطء في الدقائق الأولى، كأنها تستيقظ من تعب طويل. مع كل تمرين تخف حدة الوجوه المتعبة، وتبدأ الضحكات بالتسلل بين التكرارات. امرأة تضحك لأنها فقدت توازنها، وأخرى تشجع صديقتها على إكمال الجولة الأخيرة، بينما تصفق المدربة قائلة: “قادرة… كملي”.
وسط هذه التفاصيل الصغيرة، يصعب على الزائر/ة أن يصدق/ت أن معظم هؤلاء النساء خرجن من واقع مثقل بالحرب والنزوح والقلق اليومي.
وارتفع عدد الضحايا في قطاع غزة إلى 73,110 قتيلًا وقتيلة، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية للهدنة. وقُتلت أكثر من 38,000 امرأة وفتاة منذ بدء الحرب الإسرائيلية، بحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أي بمعدل 47 امرأة وفتاة يوميًا في المتوسط.
الساعة التي آتي فيها إلى الجيم لممارسة الرياضة تعيدني إلى نفسي، أرمم فيها روحي، وأشعر خلالها أنني ما زلت امرأة، ولست مجرد ناجية تحاول تدبير يوم آخر
"أصبح النادي ملاذي الوحيد"
تقول ريما حسن، 29 عامًا، خريجة جامعية، ونازحة من شمال غزة: “قبل الحرب كنت أمارس الرياضة حتى أحافظ على لياقتي، أما اليوم فأمارسها حتى لا أنهار، وللتخلص من الصدمات النفسية وآثار الحرب والفقد والمجاعة التي عشناها والضغط النفسي. أجد فيها وسيلة نجاة”.
تتوقف قليلًا، تمسح العرق عن جبينها، ثم تضيف: “الساعة التي آتي فيها إلى الجيم لممارسة الرياضة تعيدني إلى نفسي، أرمم فيها روحي، وأشعر خلالها أنني ما زلت امرأة، ولست مجرد ناجية تحاول تدبير يوم آخر. نحن، كنساء في غزة، تغيرت علاقتنا بأجسادنا بالكامل منذ ثلاث سنوات، لم يعد جسدنا مشروعًا لتحسين مظهرنا، ولم نعد نهتم به ك”ستايل”، بل بقدرته على تحمل التعب، وتعبئة جالونات المياه، وإشعال نار الحطب للطهي، والركض أثناء النزوح، والسير لمسافات طويلة بسبب عدم توافر وسائل النقل. آلام الظهر، وتيبس العضلات، والإرهاق النفسي، كلها صارت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. لكنني هنا بدأت أعود إلى جسدي، وكأنني بدأت أكتشفه من جديد”.
تكمل: “في أماكن النزوح لا توجد خصوصية، حتى في أبسط الأشياء، كأن أتمرن. حتى الملابس أصبحت جزءًا من حياة النزوح، فلا أستطيع ارتداء ما يناسب حر الصيف أو ما يمنحني راحة أثناء الحركة. أشعر دائمًا أنني مضطرة لمراعاة المكان والناس من حولي، لهذا أصبح النادي ملاذي الوحيد، المكان الذي أستطيع فيه أن أرتدي ملابسي الرياضية بحرية، وأتحرك دون تردد، وأشعر أن جسدي لم يعد محاصرًا كما هو خارج الجدران هنا”.
وتشير ريما، التي فقدت خطيبها خلال الحرب على غزة، إلى أنها ترى في الرياضة علاجًا نفسيًا يساعدها على تخطي وجع الفقد، وأنها أصبحت أكثر قدرة على مواجهة التراكمات الحياتية والمجتمعية، كما أنها تحب شكل جسدها الجديد. لكنها تشكو من حاجتها أحيانًا إلى بعض المكملات الغذائية وأطعمة مثل الأسماك والفواكه والخضروات، لكنها لا تستطيع شرائها بسبب غلاء أسعارها وضيق الوضع المعيشي. فهي تعيش مع أسرتها المكونة من سبعة أفراد، ووالدها لا يعمل، ويعتمدون في مأكلهم على طعام المطابخ المجتمعية “التكيات” والمساعدات الإغاثية التي تقدمها مؤسسات مجتمعية.
أعدنا افتتاح هذا النادي بعد ثلاث سنوات من الحرب، ليس كرفاهية، بل كحاجة لخلق مساحة من الحرية والمتنفس للنساء في غزة
مساحة تستعيد النساء أجسادهن فيها
وأثناء حديث ريما داخل الصالة الرياضية، كانت المدربة تتنقل بين النساء لتصحح وضعية الأكتاف والركبتين، تعرف معظمهن بالاسم، وتحفظ قصصهن أيضًا.
تقول المدربة بيسان حسونة، 32 عامًا: “أعدنا افتتاح هذا النادي بعد ثلاث سنوات من الحرب، ليس كرفاهية، بل كحاجة لخلق مساحة من الحرية والمتنفس للنساء في غزة. في البداية كانت النساء يأتين صامتات ومتعبات، وأجسادهن هزيلة، خاصة أنهن خرجن من مجاعة وسوء تغذية. اليوم أصبحن أكثر نشاطًا وتفاعلًا، يضحكن أكثر، وأحيانًا يبكين أكثر. وفي بعض الأوقات تنتهي الحصة ولا يغادرن، بل يجلسن هنا نصف ساعة إضافية ليتحدثن، ويتبادلن قصصهن. لم تعد الصالة مجرد مكان للرياضة، بل مساحة اجتماعية ونفسية أيضًا”.
خلال الاستراحة، تجلس المشاركات في دائرة صغيرة. إحداهن تشرب الماء وتلتقط أنفاسها بعد جولة تمارين، وأخرى تعيد مشاهدة مقطعٍ فيديو صورته لنفسها أثناء التمرين، بينما تسأل ثالثة المدربة عن تمرين يساعدها على تخفيف ألم أسفل الظهر. وتبتسم أخرى لصديقتها قائلة: “أريد جسدًا منحوتًا”، فترد عليها: “أكثر من النحت الذي عشناه في المجاعة؟”، ليبدأ الجميع بالضحك والسخرية من الواقع.
تعود المدربة لتنادي: “الجولة الأخيرة”. تنهض النساء والفتيات، كأن العودة إلى الحركة هي أيضًا عودة مؤقتة إلى الحياة.
حان موعد الانصراف. خارج الصالة، تعود ريما إلى خيمتها، لكن بخطوات أخف وطاقة إيجابية. تستبدل ملابس الرياضة بملابس الخروج، ثم تقول قبل أن تغادر: “غدًا سأعود… يا ريت لو ننام بالجيم”. تسألها المدربة: “لهذه الدرجة تحبين الرياضة؟”. تضحك وتجيب: “ليس لأنني أريد جسدًا أجمل… بل لأنني أريد أن أتذكر، ولو لساعة واحدة، أنني ما زلت أعيش”.







