هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
أنا موظفة في المؤسسة العامة للتبغ بنظام العقود، ولم أحصل على تجديد للعقد مع بداية العام الحالي، وبهذا فقدت مصدر الدخل الأساسي للعائلة بعد تقاعد زوجي أيضًا”، تقول أم علاء، وهي سيدة تعيش في منطقة الباردة في ريف دمشق الجنوبي.
بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، قررت أم علاء البدء بصناعة الحلويات، وهو ما تتقنه جيدًا، ثم بدأت بعرض حلوياتها على محلات بيع الحلويات في المنطقة لبيعها كمنتجات منزلية. كان الأمر صعبًا في البداية، خاصة أن الحلويات في المناطق الشعبية تُعد من الكماليات، لذلك لجأت إلى صناعة الألبان والأجبان كصنف أساسي أكثر طلبًا من الحلويات.
تضيف أم علاء: “لا يتناسب الدخل أبدًا مع المجهود، حيث أعمل أغلب الوقت وحدي، ولا أقبل مساعدة زوجي لأن الرجال لا يتقنون مثل هذه الأعمال”، وهكذا يستغرق عملها وقتًا أطول. لكنها تختتم قائلة: “الحمد لله عايشين، غيرنا ما عم يلاقي لقمة الخبز”.
لا تبدو هذه التجربة مجرد حالة فردية، بل هناك كثيرات مثل أم علاء ممّن خسرن مصدر دخلهن، ويبحثن عن بدائل أخرى لإعالة أسرهن.
حين تتحول المهارات اليومية إلى أدوات للنجاة

وبالرغم من أن الدخل الذي توفره مثل هذه الأعمال غير مستقر، ويخلو من أي شكل من أشكال الحماية القانونية، فإن العديد من النساء يفضلنه على العمل خارج المنزل، وخصوصًا في ظل التوترات الأمنية في سوريا.
هذا ما عبّرت عنه السيدة هنادي الحمصي، وهي سيدة تعيش في مدينة صحنايا في ريف دمشق، وتملك مشروع “مكرميتي” لصناعة الكروشيه.
في البداية، كان مشروع السيدة هنادي أقرب إلى التسلية بهدف استثمار وقت الفراغ، ثم تحوّل إلى مصدر دخل يدعم اقتصاد المنزل. بدأ المشروع من الصفر، بمواد أولية وخيوط متوفرة في المنزل، ثم طوّرت مهارتها عبر الإنترنت، وحاولت تسويق عملها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
واجهت السيدة هنادي استخفافًا من البعض بحجة أن ما تقوم به مضيعة للوقت ولا داعي له. تقول: “العمل في المنزل يوفر بيئة آمنة ومريحة، وأنتِ تمتلكين الوقت وتقسمين المهمات بين مشروعك وبين مسؤولياتك تجاه الأسرة”.
تمكين هشّ: دخل بلا حماية ولا استقرار
هذا الواقع يضع النساء في موقع هشّ، خاصة في ظل تقلبات السوق، فغياب الاعتراف الرسمي يجعل قدرة هذه المشاريع على الاستمرار صعبة ودون أفق واضح، ما يطرح سؤالًا حول طبيعة هذه الأنشطة: هل نحن أمام كسر للأدوار التقليدية أم إعادة إنتاج لها بصيغة جديدة؟
في كثير من الحالات، لا يغادر هذا النشاط حدود المنزل فعليًا، بل يعيد ترسيخ وجود المرأة داخله، وإن بدا أكثر إنتاجية. وبالرغم من المرونة التي يوفرها العمل داخل المنزل، وفي غرفة الجلوس، فإنه يظل مرتبطًا بفكرة أن هذا هو المجال “الطبيعي” لعمل النساء. هنا يظهر نوع من التناقض: فالمرأة تعمل وتنتج وتؤمّن دخلًا، لكن ذلك يُضاف إلى المسؤوليات والأعباء غير المدفوعة التي تقدمها للأسرة بشكل يومي.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه التجارب بوصفها مجرد إعادة إنتاج للدور التقليدي. ثمة تحوّل حقيقي، حتى لو كان محدودًا. فالكثير من النساء يختبرن للمرة الأولى معنى أن يكون لهن دخل خاص، أو قدرة على اتخاذ القرار دون التبعية لرب العمل أو الأسرة. قد تبدو هذه المساحة ضيقة، لكنها تظل مهمة، لأنها تعزز الثقة بالنفس وتفتح أفقًا لتخيّل خيارات مختلفة.
فالمرأة تعمل وتنتج وتؤمّن دخلًا، لكن ذلك يُضاف إلى المسؤوليات والأعباء غير المدفوعة التي تقدمها للأسرة بشكل يومي.
هذا الواقع يضع النساء في موقع هشّ، خاصة في ظل تقلبات السوق، فغياب الاعتراف الرسمي يجعل قدرة هذه المشاريع على الاستمرار صعبة ودون أفق واضح، ما يطرح سؤالًا حول طبيعة هذه الأنشطة: هل نحن أمام كسر للأدوار التقليدية أم إعادة إنتاج لها بصيغة جديدة؟
في كثير من الحالات، لا يغادر هذا النشاط حدود المنزل فعليًا، بل يعيد ترسيخ وجود المرأة داخله، وإن بدا أكثر إنتاجية. وبالرغم من المرونة التي يوفرها العمل داخل المنزل، وفي غرفة الجلوس، فإنه يظل مرتبطًا بفكرة أن هذا هو المجال “الطبيعي” لعمل النساء. هنا يظهر نوع من التناقض: فالمرأة تعمل وتنتج وتؤمّن دخلًا، لكن ذلك يُضاف إلى المسؤوليات والأعباء غير المدفوعة التي تقدمها للأسرة بشكل يومي.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه التجارب بوصفها مجرد إعادة إنتاج للدور التقليدي. ثمة تحوّل حقيقي، حتى لو كان محدودًا. فالكثير من النساء يختبرن للمرة الأولى معنى أن يكون لهن دخل خاص، أو قدرة على اتخاذ القرار دون التبعية لرب العمل أو الأسرة. قد تبدو هذه المساحة ضيقة، لكنها تظل مهمة، لأنها تعزز الثقة بالنفس وتفتح أفقًا لتخيّل خيارات مختلفة.
نحو اقتصاد أكثر عدالة للنساء
هذا النوع من الاقتصاد ساعد الكثير من الأسر على تأمين احتياجاتها، خاصة تلك التي فقدت معيلها، كما ساعد النساء بشكل خاص على تأمين حماية اقتصادية، أو حتى الوقاية من أشكال العنف المختلفة التي قد يتعرضن لها نتيجة غياب الاستقلال المادي. هذا ما عبّرت عنه الناشطة النسوية ريما سوّاح في حديثها لـ”ميدفيمينسوية”، حيث قالت: “هذا النوع من الاقتصاد يساهم، بشكل أو بآخر، في الاقتصاد العام وحركة الحياة الاقتصادية في البلاد، لكن ما نخشاه حقًا هو ما يحدث الآن من انفتاح اقتصادي غير مدروس، يؤثر بشكل مباشر على المنتجات المحلية، وبالتالي على تلك المشاريع التي تُسمّى مشاريع صغيرة جدًا، مثل الكروشيه والشموع أو حتى الحلويات. ومع ذلك، فإن هذه المشاريع، على صغرها، قادرة على تأمين دخل جيد في كثير من الأحيان، إذا ما اقترن إنجاز المشروع بتدريبات تتعلق بالتسويق ومهارات السوق، وهذا ما نعمل عليه في كل نشاط نستهدف فيه النساء. ففي نهاية كل ورشة أو تدريب، تكون هناك جلسات توعية لها علاقة بالتمكين الاقتصادي وكيفية الاستفادة منه للوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.”
وأضافت سوّاح، إن مثل هذه المشاريع تحمل الكثير من الإيجابيات ولكن كل عمل يحوي تحديات وسلبيات، فغياب قوانين تحمي مثل هذا النوع من المشاريع تَعرّض بعض النساء للنصب، وخاصة إذا كان التواصل عبر الإنترنت، ومن الممكن أيضًا التعرض لانتهاكات إلكترونية، لذلك من المهم تكثيف حملات التوعية لحماية النساء من أي انتهاك ثم حماية حقوقهن المالية، والعمل من أجل إيجاد قوانين حقيقية وفاعلة تساهم في دعم هذه المشاريع.







