شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر جدلًا واسعًا، بعد تسريب بنود ومواد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي قدمته الحكومة المصرية للبرلمان لمناقشته على طاولة لجنة مشتركة موزعة بين 40 جلسة تضم ممثلين/ات من الشؤون الدستورية والتشريعية ومكاتب لجان التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، والشؤون الدينية والأوقاف، وأيضًا حقوق الإنسان، بعد أن قدمت أربع جهات رسمية من المؤسسات الحكومية مشاريع قانونية للأسرة المصرية وهي الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية والمجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة.
فسخ عقد الزواج في 6 أشهر مع أو ضد المرأة؟
وأكثر المواد إثارة للجدل هي المادة السابعة في الفصل الثاني الخاصة بتنظيم أمور الزواج، وتنص على السماح للزوجة بفسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر من الزواج إن ادّعى الزوج ما ليس فيه وظهر خلافه بعد الزواج شريطة ألا تكون الزوجة “حاملًا”. وانقسمت الآراء حتى تحولت إلى مادة للسخرية من القانون ذاته على وسائل التواصل الإجتماعي.
فاطمة حسين، 27 عامًا، ترى أن هذه المادة خطوةٌ إيجابية، مشيرةً إلى أن بعض الرجال يحتالون على النساء بادعاء العزوبية، مستعينين ببطاقات هوية قديمة تتضمن بيانات مغلوطة، للتمكن من الزواج مجددًا دون علم زوجاتهم.
وتحمل فاطمة في رصيدها تجربة زواج قصيرة انتهت بالطلاق قبل اكتمال عامها الأول، إذ اكتشفت خيانة زوجها حين وجدته برفقة أحد أصدقائه في مسكن الزوجية. وتروي لـ”ميدفيمنسوية” تفاصيل ما عاشته: “اكتشفت أنه مثلي الجنس، فأفسد حياتي وألصق بي وصمة الطلاق في ريعان شبابي، والناس لا يصدقونني حين أحكي ما جرى”.

فيما ترى هاجر الوكيل المعروفة إعلاميًا بـ “محامية الستات” أن إجازة الزوجة فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر ليس في صالح المرأة ويُسقط جميع حقوقها القانونية، وتوضح أن الفسخ لا يترتب عليه أي آثار قانونية لصالح المرأة. وتضيف: “لا يلزم الفسخ الرجل قانونًا بأي حقوق مادية تجاه الزوجة ويُفقد المرأة جميع حقوقها المادية”. بينما يمنح القانون الحالي حقوقًا للمرأة حتى لو كانت مدة الزواج يومًا واحدًا.
تغيير الملة للوصول للطلاق كان المنفذ الوحيد للخلاص من حياة زوجية غير متكافئة أمام المرأة المسيحية، بينما يلغي القانون الجديد هذه الحيلة
من جهة أخرى، طالبت آراء نيابية بحذف منح الزوجة حق فسخ الزواج من مشروع قانون الأسرة، وقال رضا عبد السلام، في تصريحات محلية: “إقرار هذا البند يدفع الشباب إلى العزوف عن الزواج”، بينما انتقدت النائبة راوية مختار، هذا البند وقالت: “الزواج ليس تجربة”، بينما بررت النائبة أميرة العادلي، إنَّ المادة طرحت بسبب زيادة حالات الغش.
يُذكر أن مواد قانون الأحوال الشخصية الجديد ضمّت 355 مادة ومنها حوالي 75 مادة تشترك مع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين/ات. ووجه الرئيس السيسي بتشكيل لجنة لتعديل القانون عام 2022، تتكون من 10 قضاة بحيث تنتهي أعمال اللجنة خلال شهرين من تاريخ البدء ثم مُددت المهلة شهرين إضافيين وطوال الفترة الماضية لم تسمح اللجنة المشرعة بالتواصل الإعلامي المباشر حتى لا تواجه أي ضغط.
"على القانون أن ينتصر لمدنية الدولة، وإلا فُرضت علينا الوصاية الدينية"
وأثارت سابقًا المادة التي تشترط أخذ إذن كتابي من الزوجة الأولى تقر فيها بموافقتها على تعدد الزوجات غضب الرجال المصريين، واتهم البعض مشروع القرار بإنه “ينصف النساء ويحرضهن ضد أزواجهن ويخالف الشريعة الإسلامية التي تمثل الدين الرسمي للدولة”.
أثارت تصريحات المستشار عبد الرحمن محمد، رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية، موجة من الانتقادات النسوية، بعدما أكد أن تعدد الزوجات يُعد “حقًا شرعيًا” للرجل غير مقيد بأي شروط، وذلك عقب تداول أنباء تفيد بأن مشروع القانون الجديد قد يُلزم الرجل بالحصول على موافقة كتابية من الزوجة الأولى قبل الإقدام على التعدد.
وتنتقد الكاتبة سحر الجعارة الدفاع عن تعدد الزوجات وتبريرَه بوصفه حلاً لما يُعرف بـ”العنوسة”، معتبرةً أنه يكرّس أشكالًا من الزواج، مثل زواج المسيار، بما يهدر حقوق المرأة الإنسانية والاقتصادية. وترى أن تعدد الزوجات يفقد الزواج قيمته الأساسية القائمة على تكوين الأسرة والمودة والسكن، كما تنص المبادئ الدينية. وتضيف في حديثها مع ميدفيمنسوية: “على القانون أن ينتصر لمدنية الدولة، وإلا فُرضت علينا الوصاية الدينية”.
أما الكاتب والمفكر المصري خالد منتصر فيقول: “ليس تعدد الزوجات وحده ما يستحق الرفض، بل هناك الكثير من البنود القانونية المتعلقة بالمرأة”، مشيرًا، على سبيل المثال، إلى “مشاركة ابن العم في الميراث مع بنات عمه في حال وفاة الأب”.
لا طلاق إلا بعد محاولات الصلح
وبينما يسمح مشروع القانون بفسخ عقد الزواج خلال الأشهر الستة الأولى، تنص المادة 280 على التزام المحكمة بعرض الصلح في جميع دعاوى الأحوال الشخصية، مع اشتراط تكرار محاولات الصلح أمام المحكمة الاستئنافية قبل إصدار حكم الطلاق، في محاولة للحفاظ على “تماسك الأسرة والحد من معدلات الانفصال”. إلا أن هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى اتساق بعض المواد مع بعضها البعض، خاصة فيما يتعلق ببند فسخ عقد الزواج.
وتقول رباب عبده محامية بالنقض ومسؤولة ملف المرأة بجمعية الأحداث وحقوق الإنسان: “هناك تناقضٌ بين السماح بفسخ العقد خلال 6 أشهر، وبين الاتجاه إلى تقليص الطلاق عبر إلزام الأزواج باللجوء إلى وسطاء ومحكمين نفسيين ودينيين قبل اتخاذ إجراءات الانفصال، خاصة خلال السنوات الأولى من الزواج”. وتضيف: “يجب إلغاء القيد الزمني الخاص بفسخ العقد حتى يصبح النص أكثر اتساقًا مع فلسفة القانون وأهدافه”.
قانون الأحوال الشخصية الجديد لا يحقق المواطنة، كونه احتكم للطوائف بخصوص حل المشاكل الأسرية
لا طلاق للمسيحيين إلا بوصمة "الزنا"
لجأت سابقًا النساء المسيحيات المعنفات أسريًا والرجال الراغبين في الانفصال إلى حيلة تغيير الملة للطلاق، ولكن قانون الأحوال الشخصية الجديد ألغى هذه الحيلة بإقرار عدم الاعتداد بتغيير الملة حال وقوع خلاف بين الطرفين، واعتبار “الزنا” السبب الرئيسي للطلاق، وتم توسيع مفهوم “الزنا” ليشمل كل أشكال الخيانة، مع ترك تقدير الوقائع للقاضي بالرغم من الوصمة الأخلاقية الاجتماعية لهذا السبب، فيما احتكم القانون للشريعة الإسلامية في النفقة وانتقال الحضانة للأب بعد الأم، كما استحدث نظام الاستزارة و”هي اصطحاب الطفل/ة مع الطرف غير الحاضن لمدة مقررة، كما يجوز أن تشمل مبيته”، وإقرار “الرؤية الإلكترونية” للأب المسافر والمريض.

وتنظر نهاد أبو القمصان رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة إلى حق “الاستزارة” وضوابط الأمان (الرؤية والاستضافة) باعتباره تحولًا هامًا يسمح للأب باصطحاب طفله/ته لفترات أطول تشمل المبيت، فيما تشدد على ضرورة اقتران هذا الحق بضوابط صارمة لضمان سلامة الطفل/ة ومنها: وجوب حرمان الأب من حق الاستزارة في حال الامتناع عن سداد النفقة، أو إذا كان له سوابق إجرامية، أو في حال عدم ارتياح الطفل النفسي. كما تطالب أبو القمصان بإنشاء آلية مراقبة متخصصة تتولى متابعة الاستزارة وتقديم تقارير دورية تضمن عدم تعرض الطفل/ة لأي نوع من أنواع الأذى البدني أو النفسي، على أن يتم تخفيف وتيرة هذه التقارير تدريجياً بعد التأكد من استقرار الوضع.

أما الدكتورة نورا حنا، مؤسسة منتدى فتيات الصعيد، وعضوة الهيئة الاستشارية العليا بالهيئة الدولية للتنمية والتعاون، فتقول: “القانون الجديد لم يقدم أي أسباب منطقية للطلاق بينما احتكم للطوائف المسيحية وكل طائفة وضعت أسباب مختلفة، حيث يصر الكاثوليك والأرثوذكس على وقوع “الزنا” بينما الطائفة الإنجيلية أتاحت ما يدل على حدوث “الزنا، وتتمثل أدلة إثبات وقائع الزنا في المحادثات عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تشير إلى وقوع لقاء جنسي بين الطرفين، أو في الصور التي قد تفيد بحدوث ذلك.
ويُعتبر ترك كل طائفة لتحديد أسبابها المختلفة لما يُسمى “الزنا” أمرًا فضفاضًا يفتح الباب أمام تفسيرات وتأويلات واسعة قد تفتقر إلى معايير واضحة وموحدة، بدلًا من الاستناد إلى أسس قانونية دقيقة تضمن العدالة والمساواة في تطبيق القانون. كما أن الاعتماد على محادثات أو صور بوصفها أدلة محتملة يطرح تساؤلات حول الخصوصية وحدود الإثبات، وإمكانية إساءة استخدام مثل هذه المعايير في نزاعات الأحوال الشخصية.
وتقول حنا في هذا الشأن: “قانون الأحوال الشخصية الجديد لا يحقق المواطنة، كونه احتكم للطوائف بخصوص حل المشاكل الأسرية وكل مواطن ومواطنة يواجه مشكلة يلزم بالعودة إلى رئيس الطائفة”.
وتؤكد حنا: “تغيير الملة للوصول للطلاق كان المنفذ الوحيد للخلاص من حياة زوجية غير متكافئة أمام المرأة المسيحية، ما قد يتيح لها عيش حياة جديدة بعيدًا عن وصمة الطلاق المرفوضة اجتماعيًا بينما يلغي القانون الجديد هذه الحيلة وهذا يضيق الخناق عليها”.
وبحسب حنا، القانون لا يُحدد قيمةً ثابتةً للنفقة، مما يجعلها عُرضةً للتلاعب من قِبَل الزوج. كما أشارت إلى أن القانون يمنح الأسرة مهلةً لا تتجاوز ستة أشهر للمطالبة بتطليق الفتاة التي تزوجت قبل بلوغ سن الرشد وبغير علم ذويها، وبعد انقضاء هذه المدة لا يحق للأسرة المطالبة بالتطليق، ولا سيما إذا بلغت الفتاة السن القانونية التي تُخوِّلها عقد زواجها باستقلالية. وتضيف: “قد تتعرض القاصر للتزويج الإجباري لاسيما في الصعيد بينما قد ترغب في الطلاق بعد ذلك ولا يسمح لها”.







