هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
أيلول علي
الفنانات المنسيات في أشهر شوارع إسطنبول
في حديقة غيزي، المجاورة لميدان تقسيم، ينتصب تمثال رخامي يحمل اسم “السلام”، نحتته الفنانة ليرزان بنغيسو عام 1974. كانت ليرزان تعمل بالنحت على الحجر والبرونز في زمن كانت فيه فرص العمل المتاحة للفنانات محدودة، ناهيك عن الاعتراف بأعمالهن المعروضة في الفضاءات العامة. ومع ذلك، قلّما يُذكر اسمها، شأنها شأن كثيرات من الفنانات اللواتي يسهل أن تمرّ آثار حضورهن في المدينة من دون أن يلتفت إليها أحد.
في مايو 2013، أصبحت حديقة غيزي مهدًا لاحتجاجات امتدّت إلى مختلف أنحاء تركيا، واستمرّت أكثر من شهرين. بدأت الاحتجاجات رفضًا لخطط الحكومة الرامية إلى إعادة تطوير إحدى المساحات الخضراء القليلة المتبقية في إسطنبول وتحويلها إلى مجمّع تجاري، ثم تحوّلت إلى حركة أوسع لمناهضة تقلّص الفضاءات العامة وتصاعد النزعة السلطوية. وقد نجت الحديقة من تلك المخططات، ولا يزال تمثال بنغيسو قائمًا فيها حتى اليوم.
لكن مشاريع إعادة التطوير العمراني والتحسين الحضري الذي يدفع السكان القدامى إلى مغادرة أحيائهم واصلت تغيير ملامح منطقة بيوغلو، التي يقع فيها شارع الاستقلال. ومع ذلك، تختبئ خلف واجهاتها التجارية حكايات فنانات عشن وعملن فيها في الماضي. واليوم، تتتبّع راويات نسويات آثار هؤلاء الفنانات، ويكشفن طبقات الذاكرة المتراكمة في هذا الشارع.
في عام 2022، شاركتُ في جولة لاستحضار الذاكرة قادتها راويات نسويات من مبادرة “خطوات فضولية“، وانطلقت من سؤال يبدو بسيطًا للوهلة الأولى: كيف يؤثّر النوع الاجتماعي في الطريقة التي ندرك بها المدينة، وفي علاقتنا بها، وفي ذاكرتنا الجماعية؟
نُظّمت الجولة بالتعاون مع معرض ميشر، بالتزامن مع معرض “أنا – أنت – هنّ”، الذي جمع أعمالًا لفنانات غالبًا ما جرى تجاهل إسهاماتهن في تاريخ الفن.
بدأنا جولتنا من مبنى نارمانلي هان، بالقرب من طرف شارع الاستقلال المتصل بمنطقة تونيل. كان المبنى في الماضي مركزًا يضمّ استوديوهات لفنانات وفنانين وورش عملهم، لكنه تحوّل اليوم إلى مساحة تجارية تعجّ بالمتاجر والمقاهي. ومن هناك، زرنا عشرة مواقع على امتداد الشارع التي عملت فيها فنانات خلال النصف الأول ومنتصف القرن العشرين. لا تزال بعض المباني قائمة، بينما اختفى بعضها الآخر.
وفي كل محطة، عرّفتنا الراويات بالنساء اللواتي شغلن تلك الأماكن، وبممارساتهن الفنية والحياة التي عشنها. غيّرت هذه الجولة نظرتي إلى شارع كنت أظن أنني أعرفه جيدًا، ومنحتني شعورًا أعمق بالانتماء إلى المدينة. ومن بين الحكايات الكثيرة التي سمعناها، بقيت اثنتان راسختين في ذاكرتي.
كيف يؤثّر النوع الاجتماعي في الطريقة التي ندرك بها المدينة، وفي علاقتنا بها، وفي ذاكرتنا الجماعية؟
المرأة التي صوّرت سكان إسطنبول على مدى نصف قرن
وُلدت مريم شاهينيان عام 1911 في مدينة سيواس، لعائلة أرمنية ميسورة الحال. وفي عام 1915، فرّت مع عائلتها من مسقط رأسها خلال الإبادة الجماعية للأرمن.¹ وبعد أن فقدت العائلة ممتلكاتها ومصدر رزقها، استقرّت في إسطنبول وبدأت إعادة بناء حياتها.
تركت مريم المدرسة لمساعدة والدها في استوديو التصوير الفوتوغرافي الذي كان يملكه، وتعلّمت منه أصول المهنة. وبحلول عام 1937، كانت قد تولّت إدارة الاستوديو، لأسباب من بينها مرض والدها، وأصبحت مسؤولة عن إعالة أسرتها. وفي ظل المناخ الاجتماعي المحافظ آنذاك، كانت نساء كثيرات يفضّلن أن تتولى امرأة تصويرهن، وهو ما ساعد مريم على ترسيخ مكانتها في المهنة.
عملت قرابة خمسة عقود، حتى عام 1985، في استوديو “فوتو غلطة سراي”، محافظةً على أسلوبها المميّز في التصوير الفوتوغرافي. ورغم انتقال الاستوديو ثلاث مرات، فقد ظلّ دائمًا داخل حي غلطة سراي في منطقة بيوغلو.
خلّفت شاهينيان أرشيفًا استثنائيًا يضمّ نحو 200,000 صورة سلبية (نيغاتيف) فوتوغرافية. وبعد بقائه في المخازن لمدة 20 عامًا، استعاده فريق بقيادة الفنان والباحث تايفون سيرتاش، وعمل على ترميمه ورقمنته خلال ثلاث سنوات. وفي نهاية المطاف، أُتيح الأرشيف للجمهور من خلال معرض وكتاب فوتوغرافي نُشرا عام 2011.
تقدّم صور شاهينيان مشهدًا غنيًا لتنوّع المجتمع في إسطنبول؛ فمن بين آلاف الصور الشخصية التي التقطتها، نجد راهبات أرمنيات، ونساء يونانيات، وفرقًا مسرحية، وموسيقيات وموسيقيين، وأشخاصًا متنوّعي/ات الهويات الجندرية. وأصبح استوديو مريم فضاءً يستطيع فيه أشخاص من مجتمعات مختلفة توثيق حياتهم/ن وهوياتهم./ن
وفي مقالتها “تفرّد لا يقبل التجزئة، ووحدة مكتظّة” تكتب كارين كاراكاشلي: “يتجلّى التنوّع الكوزموبوليتي (متنوع الثقافات) الحقيقي لإسطنبول بكل أبعاده في آلاف الصور، وربما يعود ذلك إلى مكانة مريم في المدينة، فضلًا عن الثقة التي لا بدّ أنها كانت تبعثها في نفوس الناس”.
ومن خلال عدستها، حفظت شاهينيان مشاهد من مدينة كان تنوّعها الاجتماعي والثقافي على موعد مع تحوّلات عميقة.
المرأة التي كرّست حياتها للفن
وُلدت إيفي ستانغالي عام 1922 في إسطنبول، وتولّت والدتها ماريكا تربيتها، بعدما عملت خيّاطة إثر وفاة زوجها. افتتحت ماريكا متجرًا للأزياء في شارع الاستقلال، وأصبحت معروفة في أوساط الموضة بمنطقة بيوغلو. وكانت إيفي طالبة ذكية ومجتهدة، كانت عائلتها تتوقّع منها مواصلة دراستها في الخارج، لكنها اختارت البقاء في إسطنبول ودراسة الفن.
بين عامَي 1942 و1949، درست في أكاديمية الفنون الجميلة على يد بدري رحمي أيوب أوغلو، أحد أبرز رموز الرسم التركي. وبعد تخرّجها، واصلت العمل معه عن قرب، بصفتها فنانة ومساعدة له، حتى عام 1964.
استلهمت ستانغالي أعمالها من الزخارف المحلية وتقاليد الرسم المصغّر، وصوّرت الحياة اليومية في شوارع بيوغلو، وطوّرت أسلوبًا مميّزًا في الرسم التوضيحي. وخلال خمسينيات القرن العشرين، حين كانت المنشورات الأدبية تعتمد كثيرًا على الرسوم التوضيحية، رافقت رسوماتها العديد من الكتب.
ولم تقتصر مساهمتها في الحياة الفنية بإسطنبول على أعمالها الخاصة، بل كانت من مؤسِّسات مجموعة “أونلار”، المعروفة أيضًا باسم “مجموعة العشرة”، التي سعت إلى استكشاف سبل إقامة حوار بين الأشكال الفنية التقليدية والمحلية والرسم الحديث. وفي خضمّ النقاشات الدائرة حول التقاليد الفنية الشرقية والغربية، ساعدت ستانغالي على استمرار نشاط المجموعة من خلال تنسيق الاجتماعات والحفاظ على التواصل بين أعضائها.
في عام 1963، أنجبت إيفي ابنتها مايا، وتولّت تربيتها بصفتها أمًّا عزباء. ولم تكن مايا قد تجاوزت شهرها الحادي عشر حين ظهر اسم إيفي على قائمة تضمّ مواطنات ومواطنين يونانيين صدرت بحقهم أوامر بمغادرة تركيا، وسط تصاعد التوترات بشأن قبرص.²
وفي أكتوبر 1964، رُحّلت إيفي وابنتها قسرًا إلى اليونان. وكانتا من بين آلاف الأشخاص الذين أُجبروا على المغادرة خلال حملة أدّت في نهاية المطاف إلى طرد أكثر من 12,000 مواطنة ومواطن من حاملي الجنسية اليونانية من تركيا. ولم يُسمح للمُرحَّلين والمُرحَّلات باصطحاب أكثر من 20 كيلوغرامًا من الأمتعة ونحو 20 دولارًا أمريكيًا.
ولأن إيفي لم تتمكّن من حمل لوحاتها معها، رتّبت لإرسال نحو 50 عملًا فنيًا إلى أثينا بالقطار لكن الأعمال لم تصل أبدًا.
كانت خسارة لوحاتها مدمّرة. فقد انتُزعت ستانغالي من المدينة وزميلاتها وزملائها والوسط الفني الذي بنت حياتها حوله، ولم تنتج سوى القليل جدًا من الأعمال الفنية خلال السنوات 35 عامًا التي أمضتها في أثينا. وتوفيت هناك عام 1999.
وكان تهجيرها القسري أيضًا بدايةً لمحوٍ طويل الأمد لحضورها في تاريخ الفن. وكما تلاحظ مؤرّخة الفن سيزا سينانلار أوسلو في مقالتها “اسم منسي في تاريخ الرسم التركي”: “حتى اليوم، حين تُعاد نشر صور تجمعهما أثناء العمل، لا تزال التعليقات المرافقة لها، من قبيل “بدري رحمي مع إحدى مساعداته” […]، تحجب اسم إيفي وتسهم في محو حضور إيفي ستانغالي”.
إعادة إدراج الفنانات في صفحات التاريخ
جاءت مريم وإيفي من خلفيتين فنيتين مختلفتين، لكن ثمة خيوطًا مهمة تجمع بين قصتيهما. فقد انتمت كلتاهما إلى الجماعات غير المسلمة في إسطنبول، وعانت كلتاهما تبعات العنف القومي والتهجير القسري، وإن كان ذلك في مرحلتين مختلفتين من حياتهما. كما سعت كلتاهما إلى بناء مسيرة فنية وتحقيق الاستقلال المالي، في زمن كانت فيه حياة النساء محكومة بتوقعات اجتماعية مقيّدة مرتبطة بالنوع الاجتماعي. ومع ذلك، سلك إرث كل منهما الفني مسارًا مختلفًا تمامًا.
قطع المنفى مسيرة إيفي الفنية الغزيرة الإنتاج، وحرم فقدان لوحاتها الأجيال اللاحقة من جزء كبير من أعمالها. أما أرشيف مريم، فقد نجا من الضياع، وحفظ سجلًا بصريًا لمجتمعات إسطنبول المتنوّعة، لكنه ربما ظلّ مجهولًا لولا الباحثات والباحثون الذين استعادوه. ويُظهر هذا الاختلاف في المصير أن الإرث الفني لا يتوقف على ما تبدعه الفنانة وحده، بل يتوقف أيضًا على ما يبقى من أعمالها وما تحتفظ به الذاكرة.
وتلفت الباحثة بانو كاراجا، التي تتناول في أبحاثها الذاكرة الثقافية وسياسات النسيان، الانتباه إلى العنف البنيوي الذي تعرّضت له ستانغالي، وإلى صمت من عرفوها أيضًا. وفي حلقة من بودكاست تناولت الفنانات والفنانين الذين تعرّضوا للتهجير، تقول: “إن إدراج إيفي والفنانات والفنانين المنفيين ضمن عملية إنتاج المعرفة الفنية يعني أيضًا تغيير تاريخ الفن نفسه. وهذا يعني، بدوره، إعادة بناء تصوّراتنا عن الحياة والعيش المشترك في هذه المنطقة”.
وتدعونا قصتاهما إلى التساؤل: من يجد مكانًا في تاريخ الفن، ومن يُستبعد منه؟
وفي حديقة غيزي، لا يزال تمثال “السلام” الذي نحتته بنغيسو قائمًا، في مفارقة بين اسمه والعنف والتهجير اللذين طبعا حياة النساء اللواتي نستعيد ذكراهن هنا. وعلى امتداد شارع الاستقلال، اختفت استوديوهات الفنانات أو تحوّلت إلى أماكن تؤدّي وظائف أخرى. لكن حكاياتهن لا تزال حاضرة. وأحيانًا، عبر همسات تتناقلها الألسن من شخص إلى آخر، تجد هذه الحكايات طريقها مجددًا إلى الذاكرة الجماعية للمدينة.
الهوامش
1. شملت الإبادة الجماعية للأرمن عمليات تهجير ممنهجة وعمليات قتل جماعي ارتكبتها السلطات العثمانية بحق الأرمن، بدءًا من عام 1915. وتشير التقديرات إلى مقتل نحو 1.5 مليون أرمني.
2. في عام 1964، وفي ظل تصاعد التوترات بين تركيا واليونان بشأن قبرص، بدأت الحكومة التركية بطرد المواطنين اليونانيين المقيمين في تركيا، وكان كثير منهم قد وُلدوا في إسطنبول، أو عاشت عائلاتهم فيها على مدى أجيال. كما دفعت عمليات الطرد هذه كثيرًا من المواطنين الأتراك من أصول يونانية إلى مغادرة البلاد.
أُنجز هذا المقال بدعم من مكتب تونس التابع لـ مؤسسة روزا لوكسمبورغ.







