هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
في زنزانة بسجن الدامون، كانت فاطمة ومنى تجلسان إلى جانب جدتهما البالغة من العمر 70 عامًا، بينما كانت تسرد لهما حكايات من الماضي، عن السفر والقيود التي فرضها الجيش الإسرائيلي واقتحامات المنازل، حاولت أن تخفف عنهما برد الزنزانة وثقل الوقت. في تلك الأثناء كانت الشقيقتان تعيشان تجربة ستصبح بدورها جزءًا من تاريخ المعتقلات.
من المنزل إلى السجن
كانت فاطمة قد أنهت الثانوية العامة وتستعد للجامعة، فيما كانت شقيقتها منى، البالغة من العمر 15 عامًا، تتابع دراستها، حين حوصرتا مع 17 فردًا من عائلتهما، بينهم أطفال ومسنّون، داخل منزل العائلة في حي الزيتون جنوبي شرقي مدينة غزة، واستمر الحصار 5 أيام من دون طعام أو ماء. وفي 8 كانون الأول/ديسمبر 2023 اقتحم الجنود الإسرائيليون المنزل وقتلوا جدّ الشقيقتين ثم فصلوا الرجال عن النساء، وأجبروا الجدة على الزحف فوق الزجاج والركام، فيما خضعت الشقيقتان للتحقيق والتهديد، قبل اقتيادهما مع جدتهما معصوبات الأعين ومقيّدات الأيدي، من دون معرفة وجهتهن أو مصير والدهما وأخيهما.
نُقلت الشقيقتان في شاحنة تقلّ معتقلين/ات، وتعرّضتا خلال الطريق لمعاملة قاسية ومهينة. وتروي فاطمة أن الجنود صادروا المجوهرات والنقود والهواتف بحجة إعادتها عند الإفراج، بالإضافة إلى حقيبة جدتهما التي احتوت على أمانات لأقارب بقيمة نحو تسعة آلاف شيقل أي نحو (2900 دولارٍ أميركي)، ولم تُستردّ لاحقًا.
في المعتقل: الخوف وذاكرة الجدة
في شاحنة الاعتقال تخبّطت الفتاتان واصطدمتا بحديد المركبة وبالمعتقلين الآخرين/ات، حتى وصلن بعدها إلى معتقل عنتوت في القدس، وسط الحرمان من النوم والطعام وتقييد الأيدي. هناك، وجدن أنفسهن داخل قفص مفتوح الجوانب، لا يغطيه سوى سقف من الصفائح الحديدية. “مُنعنا من الحديث مع بعضنا البعض، وكانوا يفصلون بين كل أسيرة وأخرى بمسافة متر”. تقول فاطمة.
وبحسب ما تقول أماني سراحنة، مديرة التوثيق والإعلام في نادي الأسير الفلسطيني لـ “ميدفيمنسوية”: بلغ عدد الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي حتى تاريخ اليوم 89 أسيرة، منهما طفلتان وأسيرتان حاملتان، وغالبية الأسيرات المعتقلات بحكم إداري أو على خلفية ما يسميه الجيش الإسرائيلي: “التحريض””.
ومن هنا تعود منى بذاكرتها إلى أولى لحظات دخول المعتقل: “عندما سألوني عن عمري، فرحت لوهلة ظنًا مني أنهم سيتركوني وشأني لأني طفلة، لكن تبين لاحقًا أن بياناتي غير ظاهرة لديهم كوني طفلة لا أحمل هوية، ثم أمروني بتغيير ملابسي لملابس السجن الرمادية”.
في هذه الأثناء تعرضت الطفلة لكافة أنواع الترهيب من بينها إطلاق النار في الهواء لإخافة المعتقلات وتركهن في البرد القارس. وعندما دخلت المعتقل رأت شقيقتها فاطمة. تقول منى: “انهارت شقيقتي باكية، احتضنتني، لأن الجنود أخبروها أنه تمَّ إعدامي”.
حاولت الثلاث طمأنة بعضهن بعضًا بهمسات شحيحة، وفُصلت الجدة ومنى في البداية عن فاطمة فيما حاولت المعتقلات مساندتها. هناك بقين لنحو أسبوع.
نُقلت الشقيقتان وجدتهما إلى سجن الدامون في حيفا، حيث قضين نحو 45 يومًا في ظروف قاسية.
فصل الجنود الشقيقتين عن جدتهما مجددًا، قبل أن يستجيبوا لطلبهما إبقاءها معهما في الزنزانة لمساعدتها على المشي. وهناك، وسط البرد وعلى أرضية لا يغطيها سوى بطانية رقيقة، كانت الجدة تستعيد حكايات الماضي، محاولةً التخفيف عن حفيدتيها وبقية الأسيرات.
كان تاريخ جديد يتشكل للشقيقتين داخل المعتقل، بتفاصيل ستبقى عالقة في ذاكرتهما، وقد تغيب عن التاريخ المكتوب شأنها شأن حكايات نساء أخريات.
وبينما كانت تروي الجدة ذكريات المواجهات السابقة مع الجيش الإسرائيلي، كان تاريخ جديد يتشكل للشقيقتين داخل المعتقل، بتفاصيل ستبقى عالقة في ذاكرتهما، وقد تغيب عن التاريخ المكتوب شأنها شأن حكايات نساء أخريات.
تكشف شهادة فاطمة ومنى، إلى جانب مدة الاعتقال وظروفه، تفاصيل من تجربة النساء داخل المعتقل، من احتياجات الجسد التي لم تُراعَ، إلى الخوف من فقدان العائلة، ومحاولة حماية الجدة المسنّة.
وهي تفاصيل ترى أماني سراحنة ، أنها تساعد على كتابة تاريخ الاعتقال من منظور النساء، بما يتجاوز الأرقام والروايات الرسمية.
وتوضح سراحنة :”تجارب الأسيرات تختلف، فمنهن من دخلت السجن بوعي سياسي، وأخريات دون نشاط سابق، لكن الاعتقال غيّر وعيهن ومسار حياتهن”.
على عتبة الحرية
وحين لاحت بوادر الإفراج، تبدّد أمل منى للحظات بعدما نادت إحدى المجندات اسمها دون شقيقتها وجدتها، قبل أن تنادي عليهما لاحقًا. لكن فرحتهن لم تكتمل، إذ نُقلن إلى معتقل سديه تيمان في صحراء النقب، حيث قضين أربعة أيام في ظروف قاسية، وسط البرد والتهديد بالسلاح.
وتروي منى: “كنا ننتهز الفرصة عندما نجد جنديًا يتحدث العربية أو الإنجليزية نستطيع التفاهم معه، فنخبره أنه من المفترض أن يتم الإفراج عنا، فكانوا يفيدون بأنها بداية الطريق وأنه سيتم اعتقالنا بشكل رسمي”.
حتى اللحظات الأخيرة قبل الإفراج، ظل الخوف يرافق الشقيقتين. تستعيد فاطمة أصوات المعتقلين وهم يصرخون تحت التعذيب، وصوت الكلاب الذي كان يملأ المكان، فيما كانت الهواجس بشأن مصير والدهما وأخيهما تتفاقم. وبعد أربعة أيام، خرجن من المعتقل.
لم يكن الخروج من السجن يشبه أي فرحة في حياة الشقيقتين وجدتهما. اعتقدن أن الحرب قد توقفت أو خفّت حدّتها، وأنهن سيلتقين عائلتهن كاملة وبخير. لكن بعد أن تركهن الجيش الإسرائيلي عند معبر كرم أبو سالم، وهو معبر حدودي على الحدود بين قطاع غزة ومصر و”إسرائيل”، وطلب منهن السير باتجاه معبر رفح، لم يجدن أحدًا في انتظارهن.
هناك، صادفن شخصًا يعرف والدهما وأخاهما، فساعدهن على الوصول إليهما. احتضنت الشقيقتان أخاهما، لكنهما لم تستطيعا التعرّف إلى والدهما من شدّة ما تغيّرت ملامحه بفعل الاعتقال، كان يبدو شخصًا آخر، سألتا بغصّة عن والدتهما وأخواتهما، فعلمتا أنهن ما زلن في شمال القطاع. بكى أفراد العائلة طويلًا ثم ناموا/ن على الأرض لأن لا مأوى لديهم/ن.
“دخلت السجن طفلة، لكنني خرجت منه امرأة واعية وقوية. وجدت نفسي مجبرة على الاعتماد على ذاتي، وتعلّمت كيف أواجه الاحتلال وأساليبه النفسية. “
بعد الاعتقال: حياة تبدأ من الصفر
“دخلت السجن طفلة، لكنني خرجت منه امرأة واعية وقوية. وجدت نفسي مجبرة على الاعتماد على ذاتي، وتعلّمت كيف أواجه الاحتلال وأساليبه النفسية. لقد غيّرت هذه التجربة نظرتي إلى الحياة وإلى العالم الذي تخاذل عن نصرتنا”، تقول منى.
وتؤكد أن مقتل جدّها أمام عينيها من أكثر المشاهد العالقة في ذاكرتها. فقد كان الجد مقعدًا ومصابًا بالزهايمر، وحين سمع أصوات الانفجارات، ظنّ أن أحدًا يطرق الباب، فأخذ يسأل عمّن في الخارج. ولإبقائه هادئًا، أخبرته العائلة أن موعد صلاة الظهر قد حان، فبدأ يصلّي على فراشه، قبل أن يقتحم الجنود الإسرائليون المنزل ويقتلوه، وبعد الإفراج عنهن قتل أخوهما محمد بقصف إسرائيلي.
“فقدتُ بسبب الاعتقال أول مراحل الجامعة، تأخرت في دراستي لأكثر من عام ونصف، بسبب ما مررت به”. تقول فاطمة، التي ترى أن الخسارة لم تكن عند بوابة السجن فقط، إنما امتدت إلى مستقبلها.
وبابتسامةٍ تخفي سنواتٍ من التعب، تقول منى: “تلك الفترة حين نزحنا ثماني مرات، فضلت كتبي على أغراضي الشخصية، وقدمت الامتحانات في إحدى الشوارع عند الركام، بسبب صعوبة الوصول إلى الإنترنت، وحصلت على معدل 85% الفرع العلمي”.
ومن هنا، توضح سراحنة أن آثار الاعتقال تمتد إلى ما بعد الإفراج، وتنعكس على حياة النساء وعلاقاتهن الأسرية ومساراتهن الشخصية. وهو ما يظهر في تجربة الشقيقتين، اللتين تحاولان استكمال تعليمهما وسط النزوح والخسارات المتلاحقة، رغم الصعوبات الجمّة التي يواجهنها بشكل يومي.
شهادات على هامش التاريخ
فاطمة ومنى فتاتان عاديتان، لم تنتميا إلى أي جهة أو حزب سياسي قبل اعتقالهما، وجدتهما كانت امرأة مسنة. أرادت الشقيقتان أن تعيشا حياة طبيعية، لكن حياتهما اتخذت مسارًا قاسيًا.
لقد ارتبط تاريخ السجون الإسرائيلية بأسماء بارزة من بينها فاطمة برناوي، التي اعتُقلت عام 1967 وتُعد أول أسيرة في الثورة الفلسطينية، وعائشة عودة، التي اعتُقلت عام 1969 ووثّقت تجربتها لاحقًا في كتاب “أحلام بالحرية”. تقول سراحنة: ” وفي مقابل هذه التجارب التي وجدت طريقها إلى السرد التاريخي والأدبي، بقيت بعض تجارب النساء المعتقلات خارج كتابة التاريخ، لأن التركيز كان على الأسيرات المناضلات، بينما دخلت نساء أخريات الاعتقال دون أن يكن ناشطات أو صاحبات دور سياسي، فهناك العديد من التجارب التي دُفنت مع صاحباتها”.
” فالأرشيف الرسمي المتعلق بالاعتقال يخضع في معظمه للجهة التي اعتقلت، أما الشهادة فهي أرشيفنا المضاد، وإذا رحلت صاحبتها دون أن تُسمع، رحل معها ما لا يعوض”.
وتعزو سراحنة تهميش حكايات المعتقلات الفلسطينيات في الذاكرة التاريخية إلى ضعف التوثيق، وغياب المؤسسات المعنية بجمع الشهادات، وتركيز الخطاب الوطني على صورة “الأسيرة المناضلة”، ما أبقى تجارب نساء أخريات خارج الرواية السائدة.
وتختتم سراحنة: “يمكن أن يؤدي غياب الشهادة فعلًا إلى فقدان جزءٍ من الذاكرة النسائية الفلسطينية، لأن بعض هذه الذاكرة لا يوجد في مكان آخر، فالأرشيف الرسمي المتعلق بالاعتقال يخضع في معظمه للجهة التي اعتقلت، أما الشهادة فهي أرشيفنا المضاد، وإذا رحلت صاحبتها دون أن تُسمع، رحل معها ما لا يعوض”.







