هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
مساء السبت، 6 حزيران/ يونيو. لم يتبقَّ سوى دقائق قليلة لبدء الاجتماع، تجلس آية دلاجي بقلق أمام حاسوبها المحمول، تتحقق للمرة الأخيرة من رابط الاجتماع، وعلى مدار ساعتين، كانت تعدّل الشرائح، وترد على الرسائل، وتتساءل إن كان أحد سيحضر الجلسة الأولى من أحدث مشاريعها: “نادي السبت”.
أطلقت آية النادي عبر إنستغرام في أواخر أيار/مايو، وهو نادٍ إلكتروني مخصص للنساء الراغبات في ممارسة اللغة الإنجليزية، يجمع أسبوعيًا مشاركات من مختلف أنحاء الجزائر. ويضم كل لقاء ما بين ثماني واثنتي عشرة مشاركة نشطة، ويوفر لهن مساحة لمناقشة قضاياهن الشخصية والاجتماعية، بالتوازي مع ممارسة اللغة الإنجليزية.
تقول دلاجي، 21 عامًا، وهي طالبة ماجستير في المدرسة العليا للاقتصاد بوهران: “كنت أبحث منذ فترة طويلة عن مساحة كهذه؛ مساحة تجمع بين كونها نسائية وتعليمية في آنٍ واحد. لم أجدها، لذلك قررت أن أنشئها بنفسي.”
الحاجة إلى مساحة خاصة بالنساء
خرجت فكرة المشروع من تجارب شخصية خاضتها دلاجي في نوادي المحادثة المختلطة. وتعود بدايات الفكرة إلى ورشة لتصميم الشخصيات أقيمت في المعهد الفرنسي بوهران خلال شتاء عام 2025، حيث استحوذ الرجال على النقاش، فيما التزمت كثير من النساء الصمت.
وتقول: “لا يعاني الرجال من القلق الاجتماعي في مثل هذه المساحات كما تعانيه النساء. والأسوأ أنهم لا يمنحون النساء حتى فرصة لإبداء رأيهن، لأنهم منشغلون بالاستحواذ على مساحة الحديث بأكملها. لذلك فكرت أن إنشاء نادٍ مخصص للنساء قد يكون نقطة انطلاق جيدة للنساء اللواتي يعانين القلق الاجتماعي أو لم يعتدن التحدث أمام الآخرين.”
أما شيماء، 25 عامًا، وهي أخصائية علاج النطق واللغة، تقيم في مدينة قسنطينة، فتقول إن هذه كانت تجربتها الأولى في نادٍ للمحادثة. وكان اقتصار النادي على النساء هو العامل الحاسم الذي دفعها إلى التسجيل.
وتوضح: “هناك أمور كثيرة ما كنت لأشاركها لو كان هناك رجال في النادي. منذ البداية شعرت براحة أكبر، وبقدر أكبر من الأمان في التعبير عن نفسي.”
وتعمل شيماء مديرةً لمجتمع رقمي ضمن فريق يضم نساءً إلى جانب زميل واحد. ومن واقع تجربتها المهنية، تدرك أن مقاطعة النساء أثناء الحديث كثيرًا ما تحدد من يحظى بفرصة التعبير ومن يُسمع صوته داخل النقاش.
وتقول: “زميلنا يتحدث أكثر منا جميعًا، ويقاطعنا كثيرًا… وكأنه لا يحترم أننا نتحدث أصلًا. ولا أعتقد أن وجود هذا التفاعل كان سيخلق بيئة صحية داخل نادٍ كهذا.”
وتعكس تجربة المرأتين ما يُعرف بمصطلح Manterrupting، وهو مفهوم شاع بعد أن استخدمته محررة صحيفة نيويورك تايمز جيسيكا بينيت عام 2015 لوصف المقاطعة غير المبررة التي يمارسها الرجال بحق النساء أثناء حديثهن. وقد دفعت هذه الممارسات نساءً مثل دلاجي إلى إنشاء مساحاتهن الخاصة.
أكثر من مجرد نادٍ للمحادثة
ورغم أن “نادي السبت” يتحول تدريجيًا إلى مجتمع مترابط، فإن جلسته الأولى بدأت بشيء من التردد. فقد انضمت ثماني نساء بعد أن تعرفن إلى المشروع عبر إنستغرام، إلّا أن مشكلات تقنية أجبرت المجموعة على تغيير منصة الاجتماع قبل أن تتمكن المشاركات حتى من التعريف بأنفسهن. ثم خيّم الصمت، لم ترغب أيٌّ منهن في أن تكون أول المتحدثات، ولكسر الجليد، بدأت دلاجي لعبة “حقيقتان وكذبة”، قبل أن تدعو كل مشاركة، برفق، إلى التعريف بنفسها.
وتقول: “أبذل قصارى جهدي لتشجيع المشاركات، حتى الأكثر خجلًا.” ومنذ ذلك الحين، بقيت الكاميرات مغلقة، ما أتاح للمشاركات الحفاظ على هوياتهن وعدم الكشف عنها.
وجاءت نقطة التحول بعد أسبوع، ففي 13 حزيران/يونيو، انضمت الممثلة الجزائرية مريم عميار إلى النادي في جلسة كان من المفترض أن تناقش مسلسلها “السردين”، لكن الحديث اتجه في مسار مختلف، ليتناول الصداقات، وتوقعات الأسرة، وما يرافق بدايات مرحلة الرشد من حيرة وعدم يقين.
وتستعيد دلاجي تلك الأمسية قائلة: “ظننت أننا سنتحدث في الغالب عن المسلسل، لكنني أحببت كثيرًا المسار الذي اتخذه النقاش، والطريقة التي شاركتنا بها مريم رؤيتها للحياة، كان الأمر مثاليًا.”
“ أصبحت لديّ توقعات كبيرة. أعتقد أن النادي سيتحول إلى بيئة داعمة للغاية لنا، ومكان يمكننا أن نناقش فيه فعلًا القضايا التي نواجهها كنساء“
أما شيماء، فتقول إن تلك الأمسية غيّرت نظرتها إلى النادي: “أصبحت لديّ توقعات كبيرة. أعتقد أن النادي سيتحول إلى بيئة داعمة للغاية لنا، ومكان يمكننا أن نناقش فيه فعلًا القضايا التي نواجهها كنساء.”
ومع توالي الجلسات، التي تناولت موضوعات مثل “النجاة من سنوات العشرينات”، و”التطوع في الخارج: دليل للمبتدئات”، وأحدثها “جلسة علاج نفسي”، أخذ النادي يتحول تدريجيًا إلى مساحة يغدو فيها الدعم المتبادل أهم من ممارسة اللغة الإنجليزية.
وتقول شيماء: “عندما أخبرتني آية أننا سنتحدث عن الفلسفة، والمجتمع، وقضايا النساء، تحمست فورًا. فنحن لا نحظى بفرص كثيرة لمناقشة مثل هذه الموضوعات.”
وبين الجلسات، تستمر المحادثات عبر مجموعة دردشة، حيث تختار العضوات موضوعات اللقاءات المقبلة، ويتبادلن المصادر، ويطمئن بعضهن إلى بعض. ولم تعد هذه المجموعة مجرد وسيلة عملية للتواصل، بل أصبحت امتدادًا للنادي نفسه: مساحة تواصلية تنمو فيها العلاقات وتتعمق خارج اللقاءات الأسبوعية.
تزايد المساحات المخصصة للنساء في الجزائر
إلى جانب “نادي السبت”، باتت المساحات المخصصة للنساء أكثر حضورًا في مختلف أنحاء الجزائر، من الصالات الرياضية والمسابح إلى المقاهي.
وترى خديجة بوسعيد، عالمة الاجتماع الحضري والباحثة الدائمة في مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية (CREAD) بجامعة الجزائر الثانية، والمتخصصة في دراسة اللامساواة الجندرية في الفضاءات العامة، أن ظهور هذه المساحات يعكس التحولات الاقتصادية والعمرانية أكثر مما يعكس مطالب سياسية بتمكين النساء. وتوضح أنه مع ازدياد الاستقلال الاقتصادي للنساء في المدن، أصبحن شريحة استهلاكية رئيسية، فيما أدت عقود من الخصخصة إلى انتقال معظم فضاءات الترفيه إلى القطاع الخاص.
“كما هو الحال في مختلف أنحاء العالم، تتعرض النساء في الجزائر للتحرش… وعندما يتعلق الأمر بفضاءات الترفيه، يزداد إقبال النساء على المساحات المنفصلة عن الرجال“
لكن بوسعيد تؤكد أن العوامل الاقتصادية وحدها لا تفسر سبب إقبال النساء على هذه المساحات. وتضيف: “الفضاء العام في الجزائر، كما في كثير من بلدان العالم، شُيّد إلى حد كبير من أجل الرجال وبما يتوافق مع احتياجاتهم. وكما هو الحال في أماكن أخرى، تتعرض النساء في الجزائر للتحرش… وعندما يتعلق الأمر بفضاءات الترفيه، يزداد إقبال النساء على المساحات المنفصلة عن الرجال.”
ومع ذلك، تشير بوسعيد إلى أن هذه المساحات ما تزال “محدودة ومتفرقة”، كما أن إمكانية الوصول إليها ماتزال مرتبطة بعوامل الموقع الجغرافي، والانتماء الطبقي، والجندر. فالنساء المقيمات في المدن الكبرى أكثر قدرة على العثور على مقاهٍ أو صالات رياضية أو مسابح مخصصة للنساء، كما أنهن أكثر قدرة على تحمل تكلفتها، بينما تقل الخيارات، أو تكاد تنعدم، أمام النساء في المدن الصغيرة أو المنحدرات من الطبقات العاملة.
وتوضح: “لكي تتمكن المرأة من دخول مساحة مخصصة للنساء، عليها غالبًا أن تدفع مقابل ذلك”، مشيرة إلى تكاليف الاشتراك في الصالات الرياضية أو الشواطئ الخاصة أو المسابح، “أما الرجال، فيمكنهم تحويل أي فضاء عام إلى مساحة خاصة بهم، من دون أن يكلفهم ذلك شيئًا.”
وتضرب مثالًا بالمقاهي التقليدية. فمع أن النساء غير ممنوعات قانونًا من دخولها، فإن كثيرًا منها ما يزال يُنظر إليه اجتماعيًا ورمزيًا بوصفه فضاءً رجاليًا.
وتقول: “لكي تشعر المرأة بالراحة، غالبًا ما تضطر إلى الذهاب إلى مقهى أو مطعم تدفع فيه نحو 250 دينارًا، قرابة 0.90 يورو، مقابل فنجان قهوة. أما الرجل، فيستطيع شراء القهوة نفسها بـ30 دينارًا فقط، نحو 0.10 يورو، ثم الجلوس حيث يشاء، على مقعد في الشارع أو حتى على إحدى الدرجات.”
ولا تشكل نوادي اللغات استثناءً من ذلك. فمبادرة “Her “Lingua، التي تتخذ من الجزائر العاصمة مقرًا لها وتنظم منذ أيلول/سبتمبر 2025 لقاءات حضورية لممارسة اللغة الإنجليزية حول موضوعات تتعلق بتجارب النساء، تتقاضى نحو 500 دينار، قرابة 1.80 يورو، عن كل جلسة. أما “نادي السبت”، الذي يعمل بالكامل عبر الإنترنت، فيتيح للنساء من خارج العاصمة المشاركة مقابل اشتراك شهري قدره 800 دينار، نحو 2.80 يورو، ويجمع مشاركات من وهران، وقسنطينة، والأغواط، وتيبازة، ومدن أخرى. لكن دلاجي تؤكد أن الرسوم لم تكن يومًا شرطًا للانضمام إلى النادي.
وتقول: “أخبرتني كثير من الفتيات أنهن لا يملكن المال، لكنهن يرغبن في الانضمام، وما زلن جميعًا معنا. لم تُفرض الرسوم لإقصاء أحد، بل هي مجرد وسيلة لدعم المشروع وضمان استمراره.”
وترى بوسعيد أن المسألة الجوهرية لا تتعلق بوجود مساحات مخصصة للنساء، بل في ما إذا كان الفصل الجندري فيها قائمًا على الاختيار أم مفروضًا.
وبوصفها ناشطة نسوية وعضوة في” Fahlat”، وهي مجموعة تقدم تدريبات في الدفاع النسوي عن النفس، ترى أن المساحات المخصصة للنساء قد تعيد إنتاج أنماط الفصل القائمة، وقد تتحول، في المقابل، إلى فضاءات لبناء التضامن.







