في حيّ الدرج وسط قطاع غزة، في مدينةٍ اعتاد أبناؤها وبناتها أن يستيقظوا ويستيقظن على أصوات الانفجارات، كانت الشابة روزان خيرة، 24 عامًا، تجري كما لو أن الأرض تفسح لها الطريق، والهواء يعرف اسمها ويحمله أمامها، لتُطارد خط النهاية، غير عابئة بالقيود ولا بالهمسات التي يرى أصحابها في أحلام الفتيات خروجًا عن المألوف. لم يكن الجري بالنسبة لها مجرّد رياضة، بل لغة نجاة، وشكلًا من أشكال الإيمان بأن الجسد خُلق ليقاوم، لا ليُهزم. لكن حين اشتعلت الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وتحوّل المكان إلى ساحة موتٍ مفتوحة، لم تعد المسافات تُقاس بالأمتار، بل بالخسارات. فبين نزوحٍ وقصفٍ وانتظارٍ ثقيل، خسرت روزان قدمًا كانت تركض بها، بعدها تبدّل كل شيء، إلا تلك الروح التي تعلّمت منذ طفولتها الجري.
خسرت روزان قدمًا كانت تركض بها، بعدها تبدّل كل شيء، إلا تلك الروح التي تعلّمت منذ طفولتها الجري
الأبّ يؤمن بابنته
زرع والدها، مدرّب كرة القدم المعروف عماد خيرة، حبَّ الجري في داخل روزان، ليكبر معه الحلم. وشاركت روزان في كثير من المسابقات المحلية في ملعب حيّ التفاح والدرج وغيرها، طامحةً للوصول إلى العالمية ومتابعة حلمها بإشراف مدرّبين ومدربات متمرّسين/ات دون قيود، لا سيّما أنها تعيش في مجتمعٍ محافظ يعتبر ممارسة مثل تلك الرياضات للفتيات أمرًا خارجًا عن العرف والعادات والتقاليد، وغير مسموحٍ به. إضافةً إلى رغبتها في تمثيل فلسطين عالميًا ورفع اسمها عاليًا.

في التاسع عشر من نوفمبر 2023، أُصيبت روزان بشظايا قصفٍ إسرائيلي، ما أدّى إلى فقدان قدمها. تقول: “استيقظتُ وحاولتُ النهوض من السرير، لكنني لم أستطع، فوقعتُ أرضًا. نظرتُ إلى قدمي فلم أجدها في مكانها، بل كانت بجانبي، فصُدمتُ صدمةً كبيرة وموجعة، لتبدأ المعاناة الجسدية والنفسية معي بعد البتر”.
توجّه والدُ روزان بابنته إلى المستشفى الإندونيسي شماليّ القطاع، والذي يبعد عن منزلهم نحو 12 كيلومترًا، في وقتٍ كانت معظم مستشفيات القطاع قد خرجت عن الخدمة. وبعد حصول طاقم الإسعاف على تصريح من السلطات إسرائيل، دخلت الشابة غرفة العمليات بعد معاناةٍ طويلة. ومع ذلك، استهدف الجيش الإسرائيلي المستشفى أيضًا بالصواريخ. “كأنني أهرب من موتٍ إلى آخر”، تقول روزان.
وتسبّبت الحرب الإسرائيلية بنحو 4800 حالة بترٍ للأطراف، 18% منهم أطفال، فيما تعرّض 1200 شخص، بينهم أطفال ونساء، للشلل، ومثلهم من حالات فقدان البصر.

أرى نفسي اليوم مميّزة، مع أن الناس من حولي يعيدون تعريف جسدي بأنه صاحب إعاقةٍ جسدية
اكتئابٌ أنقذه الأب وبترٌ وحّد القلبين
بعد فقدان قدمها وخسارة حلمها بالجري، أُصيبت روزان باليأس إثر شعورها بخسارة مستقبلها وهوايتها وأحلامها معًا. تقول: “مع ذلك، كان والدي خيرَ مشجّعٍ لي، فاهتمّ بي على مدار أسبوعين بنفسه، ليصطحبني يوميًا إلى العيادة الطبية لتعقيم الجرح، ويحملني بين ذراعيه، ويرفع من معنوياتي، مؤكدًا أنني ذات يوم سأسافر لتلقّي العلاج اللازم في الخارج، وأعمل على تركيب طرفٍ اصطناعي، وأمضي في حياتي قُدمًا، لأكرّر “الحمد لله” على لساني دومًا”.

لكن قصة روزان لم تنتهِ؛ إذ أُصيب والدها وبُترت كلتا قدميه بعد أسبوعين من إصابتها، إثر قصفٍ إسرائيلي للحيّ بحزامٍ ناري. وأخرج الدفاعُ المدني العائلةَ من تحت الركام. تقول روزان: “إصابة والدي أثّرت بي أكثر بكثير من إصابتي، وزاد الأمر صعوبةً على عائلتي لأنه العمود الفقري في بيتنا”.
وبطريقةٍ مؤلمةٍ وملهمة، بات الأبُ والابنةُ مقربين أكثر بعد فقدان أطرافهما؛ يشعران بالألم ذاته، ويفهمانه جيدًا، ويشجّع كلٌّ منهما الآخر على الصبر والأمل.
تواجه روزان صعوبات خاصة في ظل النزوح المتكرر، تقول: “صار العكاز رفيقًا لي أينما ذهبت، رغم الصعوبة الكبيرة التي كنت أشعر بها عند التعامل معه في بادئ الأمر بعد السماح الطبي بذلك بعد عام من الإصابة، فعند الذهاب إلى أماكن مختلفة، أشعر أنني أبذل جهدًا ووقتًا كبيرين، وأنني مرتبطة في كل وقت وحين به”.

بين إغلاق المعابر وإعادة تعريف الجسد
“أرى نفسي اليوم مميّزة، مع أن الناس من حولي يعيدون تعريف جسدي بأنه صاحب إعاقةٍ جسدية، لكنني أراه ميزة، بحكم تطوّر العالم الخارجي في تركيب الأطراف الصناعية، فأصبح بإمكاني أنا ووالدي تركيب أقدام لا تختلف عن الطبيعية نهائيًا”، تقول روزان التي لم تتنازل عن حلمها. وانضمّت هي ووالدها إلى مركز السلام للمعاقين، وكان داعمًا لهما، إذ شعرا أنهما ما زالا مرئيَّين.
وبلغ عدد الضحايا منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، أكثر من 72 ألف شخص، وحتى بعد وقف إطلاق النار في كانون الثاني/ يناير قتلت إسرائيل نحو 700 شخص.
وبصوتٍ يحمل مناشدةً تتجاوز حدود المكان، تشعر روزان أن العالم نسي القضية الفلسطينية، مناشدةً إيّاه النظر إلى كل مصاب بعين الإنسانية، ومساعدتهم في الحصول على تأشيراتٍ علاجية للعلاج في الخارج، ومساعدة مبتوري ومبتورات الأطراف في تركيب أطرافٍ اصطناعية حديثة تمكّنهم/ن من استكمال حياتهم كما كانت بشكلها الطبيعي.







