هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
تتعرّف التلميذات والتلاميذ في تونس منذ سنوات دراستهم الأولى إلى تاريخ 13 آب/أغسطس 1956. ففي كتاب التاريخ للسنة السادسة من التعليم الابتدائي، الذي خضع للتحليل في إطار هذا التحقيق، تظهر تونس وهي تبني دولتها الجديدة: تُلغى الملكية، ويتوسّع التعليم، ويُنشأ البنك المركزي. وفي خضمّ هذه التحوّلات، يرد صدور مجلة الأحوال الشخصية.
في هذه المرحلة، لا تغيب حقوق النساء عن السرد التاريخي، بل تُمنح أهمية تجعلها جزءًا من نشأة تونس الحديثة. “المرأة، القانون، التحرّر”.
في المرحلة الثانوية، تصبح السردية الوطنية أكثر وضوحًا. ففي كتاب التاريخ للسنة الثالثة من التعليم الثانوي، لشعبتَي العلوم والتقنيات، يستعرض الفصل المعنون “تونس من 1956 إلى 1987” العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال. ويَرِد فيه عنوان “تحديث المجتمع”، يليه عنوان فرعي هو “تحرير المرأة”، ثم “تحرير المرأة من خلال إصدار مجلة الأحوال الشخصية”. وتشكّل هذه الصياغة تسلسلًا زمنيًا قائمًا بذاته: المرأة، ثم القانون، ثم التحرّر.
وتحمل وثيقة أخرى عنوانًا: “تمتّع المرأة التونسية بحقوقها السياسية بعد الاستقلال: حقّ الانتخاب”. واختيار الفعل هنا لا يبدو اعتباطيًا؛ فالفعل “تمتّع” في العربية يعني الانتفاع بشيء أو الاستفادة منه، ولا يعني المطالبة به أو النضال من أجله أو انتزاعه.
وفي موضع لاحق، يتغيّر مسار السرد: “تقتحم المرأة التونسية تدريجيًا مختلف مجالات العمل”. هذه المرة، تصبح المرأة فاعلة، ولكن بعد صدور القانون، وبعد حصولها على حقوقها السياسية، وبعد أن منحتها الدولة المساواة في التعليم والعمل. ووفقًا لهذا التسلسل الزمني، لا يبدأ فعل النساء إلا بعد اكتسابهن حقوقهن.
وتشير “ن. ب. أ.”، وهي مدرّسة لمادة التاريخ تعمل منذ 34 عامًا في التعليم الثانوي العمومي التونسي، وقد أشرنا إليها بالأحرف الأولى من اسمها بناءً على طلبها، إلى أوجه القصور في هذه السردية أيضًا. وعندما سألناها عن الطريقة التي تشرح بها الكتب المدرسية نشأة مجلة الأحوال الشخصية، رأت أن النضالات والمطالب التي سبقت إصدارها لا تُروى فيها على نحو فعلي. إذ تُقدَّم المجلة بوصفها مكسبًا قائمًا، من دون تتبّع المسار التاريخي الذي أوصلنا إليها.
ما الذي تختار الكتب المدرسية أن ترويه؟
تتجاوز رحمة التلمودي مجرد قراءة الكتب المدرسية. فهي باحثة تلقت تكوينها في مجال التدريس، سبق أن درست “آليات تمثيل أفريقيا والأفارقة وتغييبهم في الكتب المدرسية التونسية“.
ورغم أنها ليست متخصصة في تاريخ النساء، فإنها تقترح منهجًا للتساؤل عمّا تُقدمه هذه الكتب، وكذلك عن الأدوار التي تنسبها إلى الشخصيات التاريخية.
وتوضح قائلة: “بعد رصد الأعداد، ينبغي التعمّق أكثر في التحليل… أين تُوضَع النساء، وماذا يفعلن، وكذلك كيفية بناء الجمل نفسها، واختيار الكلمات والأفعال، واستخدام المبني للمعلوم أو المبني للمجهول، وتحديد الفاعل النحوي. كل ذلك يسهم في تشكيل التاريخ الذي يُنقل إلى التلميذات والتلاميذ”.
وتدفع هذه القراءة التلمودي إلى طرح سؤال: “من يصنع التاريخ فعلًا؟”.
فعندما تتناول الكتب المدرسية الحركة الوطنية، يظهر الفاعلون بأسمائهم وتنظيماتهم وأدوارهم. يقود بورقيبة الحركة ويُعتقل، ويقاوم الحزب الحر الدستوري الجديد، ويظهر مناضلون ونقابيون، ويجري الحديث عن مظاهرات واعتقالات ومفاوضات ومعارك. إذًا، تعرف الكتب المدرسية كيف تروي قصة نضال. فعندما يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية، تقدّم سردية انتزاع للسيادة، أما عندما يتعلق الأمر بحقوق النساء، فتقدّم سردية إصلاح.
وترى التلمودي أن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أن التغييب متعمّد. بل ينبغي مساءلة عملية الانتقاء نفسها: لماذا يقع الاختيار على بعض الشخصيات دون غيرها؟ فقد يكون التغييب واعيًا أو غير واعٍ، أو موروثًا أو يعاد إنتاجه. وتذكّر قائلة: “لكن الانتقاء ليس محايدًا تمامًا أبدًا”.
وتدعو الباحثة إلى النظر فيما سبق صدور القانون. ففي السرد التاريخي، يمكن تقديم القانون بوصفه نقطة بداية أو محطة وصول في مسار تاريخي أطول، وتتساءل: “هل هي سردية منح أم انتزاع؟ هل مُنحت المرأة حقوقها؟ أم أنها ناضلت من أجلها؟ ومن الذي ناضل للحصول على هذه الحقوق؟”.
ينبغي مساءلة عملية الانتقاء نفسها: لماذا يقع الاختيار على بعض الشخصيات دون غيرها؟ فقد يكون التغييب واعيًا أو غير واعٍ، أو موروثًا أو يعاد إنتاجه. وتذكّر قائلة: “لكن الانتقاء ليس محايدًا تمامًا أبدًا”.
بورقيبة، أب التحرّر
في 10 آب/أغسطس 1956، ألقى الحبيب بورقيبة خطابًا مسجّلًا بُثّ عبر إذاعة تونس، عرض فيه الثورة القانونية التي تمثّلها مجلة الأحوال الشخصية وشرح تفاصيلها. وفي 13 آب/أغسطس 1956، صدرت المجلة بموجب أمر بايلي، بناءً على اقتراح رئيس الوزراء بورقيبة، ودخلت حيّز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/يناير 1957.
ولا يتعلق الأمر باستبدال سردية أسطورية بأخرى معاكسة، عبر الادعاء بأن بورقيبة لم يفعل شيئًا من أجل حقوق التونسيات، بل بالنظر في الكيفية التي يتحوّل بها فعل سياسي تدريجيًا إلى سردية تأسيسية تمحو سائر الأفعال والأدوار.
خلال العقود التي حكم فيها بورقيبة (1956–1987)، ساهمت المدرسة في تشكيل ذاكرة وطنية. فالكتب المدرسية لا تكتفي بالقول: “بورقيبة يمنح النساء حقوقهن”، بل تدرج تحرّرهن ضمن مشروع تحديث الدولة التي نشأت بعد الاستقلال. وهكذا، يصبح منطق السرد أشبه بمنطق الهبة: الدولة تُصلح، والمرأة تستفيد.
قبل بورقيبة بقرون طويلة، امرأة من القيروان
قبل صدور مجلة الأحوال الشخصية بأكثر من ألف عام، تزوّجت أروى في القيروان، خلال القرن الثامن الميلادي، رجلًا سيصبح الخليفة العباسي الثاني، واشترطت عليه ألّا يتزوّج امرأة أخرى أو يتّخذ جارية. ويربط المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب هذا الشرط بتقليد أقدم في عقود الزواج بالقيروان، يُعرف باسم “الصداق القيرواني”.
ولا تعادل هذه الممارسة الحظر العام لتعدّد الزوجات الذي أقرّه الفصل الثامن عشر من مجلة الأحوال الشخصية. لكنها تُظهر أن نساءً استخدمن القانون بالفعل للتفاوض بشأن شروط زواجهن، قبل إصلاح عام 1956 بزمن طويل.
1924: منوبية الورتاني تعتلي المنبر

ولا حاجة إلى العودة إلى القرن الثامن للعثور على تونسيات يتحدّثن بأنفسهن عن حقوقهن.
في 15 كانون الثاني/يناير 1924، اعتلت منوبية الورتاني، وكان عمرها آنذاك نحو 15 عامًا، منبر جمعية “ليصور” الفنية والثقافية في تونس العاصمة، خلال نقاش حول النسوية. وطالبت علنًا بتحرير النساء، وخلعت حجابها أمام الحاضرين والحاضرات، وتطرّقت إلى الحدّ من تعدّد الزوجات والمساواة وإعادة النظر في التفسيرات الفقهية السائدة.
ولم يصدر كتاب الطاهر الحداد المرجعي “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” إلا بعد ذلك بست سنوات. وهكذا، تعترف الكتب المدرسية بوجود جذور تاريخية لحركة المطالبة بحقوق النساء، لكنها تمنح هذه الجذور وجهًا ذكوريًا.
وهكذا، يصبح السرد التاريخي خطيًا: يفكّر الطاهر الحداد في الإصلاح، ثم يحوّله بورقيبة والدولة إلى قانون، وبعد ذلك تستفيد المرأة التونسية من مكتسباتها. ورغم أن منوبية تشكّل جزءًا من هذا التسلسل الزمني، فإن اسمها لا يرد في الكتب المدرسية.
ولكن كيف تترسّخ هذه السردية في أذهان التلميذات والتلاميذ؟
تتذكّر “م. ل”، وهي تلميذة في السنة الثالثة من التعليم الثانوي، شعبة التقنيات، تاريخًا وشخصيةً على وجه الخصوص، فتقول: “لم يقدّموا لنا سوى تاريخ إصدار مجلة الأحوال الشخصية، ولم يخبرونا شيئًا عن النساء، باستثناء أنهن حصلن على حقوق. كل ما نعرفه هو أن بورقيبة حرّر النساء”. وعندما تتحدّث عن دروس التاريخ المتعلقة بتونس، تضيف: “عندما نتحدّث عن تونس، نتناول أساسًا التطوّر الديمغرافي، وعندما يتعلق الأمر بالتاريخ، لا نذكر سوى الرجال”.
ولا يمكن تعميم ما تتذكّره هذه التلميذة على سائر تلميذات وتلاميذ المرحلة الثانوية في تونس. لكنها تُظهر كيف تمحور تاريخ حقوق النساء، في تجربتها المدرسية، أساسًا حول إصلاح قانوني وشخصية بورقيبة.
وترى مدرّسة التاريخ التي أُجريت معها المقابلة أن هذه المشكلة ترتبط أيضًا بالحيّز المخصّص لمادة التاريخ في الجداول الدراسية. وتأسف لأن السنة الثالثة من التعليم الثانوي لا تُخصَّص فيها سوى ساعة واحدة أسبوعيًا للتاريخ. ونظرًا إلى أن المواد العلمية تحظى بمعاملات أعلى في احتساب المعدّلات، غالبًا ما يكتفي التلاميذ والتلميذات بحفظ دروس التاريخ.
وبحسب المدرّسة، كثيرًا ما يُشجَّع التلميذات والتلاميذ على حفظ الدروس بدلًا من مناقشتها. وتقول: “لم تعد المشكلة في المعلومة، ولا في تواريخ الأحداث. فليس هذا هو الأهم. اليوم، يمكنك الدخول إلى الإنترنت والحصول على المعلومة […] لكن النقاشات داخل الفصل هي التي تنمّي التفكير النقدي في التاريخ. وهذا ما نفتقده. ليس لدينا الوقت”.
وإلى جانب ضيق الوقت، تشير مدرّسة التاريخ إلى صعوبة استكمال البرامج الدراسية. وتؤكد أن بعض الفصول المخصّصة للتحوّلات الاجتماعية، ولا سيما وضع النساء ودخولهن سوق العمل، قد لا يتسنّى تناولها. وتعزو ذلك إلى التغييرات التي طرأت على التقويم المدرسي بعد عام 2011، والتي لم تُكيَّف معها البرامج الدراسية، بحسب قولها.
من رفع الصوت إلى العمل المنظّم
في عام 1936، أسّست بشيرة بن مراد الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي. ولم تعد النساء يكتفين بالمطالبة بحقوقهن، بل أصبحن ينظّمن صفوفهن.
ولم يتوقّف هذا النشاط عند ذلك الحدّ. ففي عام 1947، تولّت المناضلة راضية الحداد رئاسة جمعية “صديقات الكشافة”، وانضمّت إلى الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي، وشاركت عام 1952 في تقديم الدعم المادي والمعنوي لعائلات السجناء السياسيين المنتمين إلى الحركة الوطنية، قبل أن تتولّى رئاسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية عام 1958، وتصبح عضوة في البرلمان ابتداءً من عام 1959. وخلال رئاستها للاتحاد، نفّذت المنظمة أنشطة في محو الأمية والصحة وتنظيم الأسرة. وتُظهر مسيرتها، وصولًا إلى خلافها مع سلطة بورقيبة في مطلع سبعينيات القرن العشرين، أن النساء كنّ أيضًا فاعلات سياسيات، قبل الاستقلال وبعده.
وهكذا، فإن تاريخ النساء قبل الاستقلال وبعده لا يقتصر على الأفكار التي صاغها الرجال بشأن أوضاعهن. فالمشكلة هنا لا تقتصر على غياب اسم من السرد التاريخي، بل تتعدّاه إلى محو فعلٍ ودورٍ تاريخي.
“يمكننا أن نتحدّث كثيرًا عن المرأة من دون أن نتيح لها الكلام أبدًا”.
المرأة التونسية بين الظهور والفاعلية
تلاحظ رحمة التلمودي أنه “يمكننا أن نتحدّث كثيرًا عن المرأة من دون أن نتيح لها الكلام أبدًا”. فالتغييب لا يعني بالضرورة عدم الحديث عن النساء. فقد يُكثر المرء من الحديث عن “المرأة”، ويُدرّس حقوقها والمساواة التي تتمتّع بها ومكانتها داخل الأسرة، فضلًا عن دخولها عالم العمل ومكتسباتها، من دون أن يروي بالقدر نفسه تاريخ النساء بوصفهن صانعات لهذا التاريخ. وهنا يكمن الفرق بين الظهور والفاعلية.
وتصل مدرّسة التاريخ إلى ملاحظة مماثلة انطلاقًا من الوسائل التعليمية التي تستخدمها. وتشير خصوصًا إلى كتاب التاريخ للسنة الأولى من التعليم الثانوي، الذي تقول إنها لم تجد فيه سوى صورة واحدة تُظهر نساءً يشاركن في مظاهرة ضمن الحركة الوطنية، يُرجّح أنها تعود إلى عام 1953. وتقول بأسف: “لا يجري الحديث عنهن، إنهن موجودات هناك فحسب. إنها مجرد صورة”.
إذًا، ليست النساء غائبات عن السردية الوطنية. فلهن حضور رمزي في سردية الحداثة التونسية. لكن هذا الظهور لا يكفي للاعتراف بدورهن التاريخي.
ولذلك، سيكون من التبسيط المُخلّ القول إن النساء غُيّبن تمامًا عن الكتب المدرسية التونسية، فهن حاضرات فيها. غير أن تحليل هذه الكتب له حدوده أيضًا. وكما تؤكد رحمة التلمودي: “الكتاب المدرسي ليس المدرسة كلّها. فهو لا يتيح لنا معرفة ما أضافه المدرّس شفهيًا، أو النقاشات التي دارت داخل الفصل، أو ما احتفظ به التلميذ والتلميذة في ذاكرته/ا في نهاية المطاف. لكنه يظلّ أثرًا مكتوبًا، وأرشيفًا لما تختار المؤسسة التعليمية نقله، وللأهمية التي تمنحها للأحداث والشخصيات، ولمن تختار تقديمهم بوصفهم شخصيات تاريخية”.
وفي الكتب المدرسية التي شملتها الدراسة، يظلّ هناك تفاوت واضح: تُروى الحركة الوطنية بوصفها نضالًا من أجل السيادة، بينما تُربط حقوق النساء أساسًا بإصلاح قانوني وتاريخ محدّد.







