هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
مساحات خاصة للنساء، وعربات مخصصة لهن في المترو، وأندية رياضية، وغيرها من الفضاءات التي توفر لهن شعورًا أكبر بالأمان، وتتيح لهن فرصًا للتطور وبناء الثقة بالنفس والمشاركة. بات هذا التوجه أكثر انتشارًا مؤخرًا، خاصة مع تأثير موجات الحراك النسوي العالمي، سواء عبر مبادرات خاصة أو برامج تقودها هيئات دولية.
على سبيل المثال وعلى مدى عشر سنوات، عملت المبادرة العالمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، “مدن آمنة وفضاءات عامة آمنة للنساء والفتيات”، ومن بين المدن التي شملتها المبادرة القاهرة والمغرب.
أعاد هذا التحول جدلًا سوسيولوجيًا ونقاشات حقوقية قديمة – حديثة حول حقيقة اختيار النساء لهذه المساحات بحرية. فهل تلجأ النساء إليها بإرادتهن فعلًا، أم أنهن يُدفعن إليها بتأثير التربية والتقاليد وتحت وطأة نظام ذكوري لم يترك لهن فضاءات عامة آمنة؟
وتتطلب الإجابة على هذا السؤال تفكيك العوامل التي تشكل هذه التجربة وذلك بالإجابة على أسئلة من قبيل: من يمتلك السلطة؟ وما الغاية من إنشاء هذه المساحات؟ وهل تملك النساء حق الاختيار الحقيقي؟
من هنا، فإن الفضاءات غير المختلطة هي ظاهرة متعددة الأبعاد، يتحدد أثرها الإنساني والاجتماعي بحسب السياق والمكان الذي نشأت فيه والغاية التي تؤديها وتطمح لها.
خصوصية ثقافية أم امتثال جندري؟
عند النظر إلى فصل النساء والرجال في كثير من الأعراس والمناسبات الاجتماعية السورية، قد يبدو الأمر وكأنه اتفاق بين الطرفين أو اختيار مشترك على الأقل. لكن هذا التبسيط قد يكون مضللًا، لأن السؤال ليس: هل اختارت النساء ذلك؟ بل إن كانت هذه الموافقة نابعة من حرية حقيقية أم من منظومة اجتماعية تجعل الخيارات الأخرى أكثر كلفة بالنسبة إلى النساء؟
فماذا لو كانت النساء يلتزمن بهذا الفصل لأن مخالفة الأعراف قد تعني التعرض للوصم أو الانتقاد أو الإقصاء أو حتى الموت؟ ما يعني أنهن لم يخترن بحرية. وهكذا يصبح الامتثال وسيلة للتكيف مع الواقع أكثر منه تعبيرًا عن رغبة شخصية، وما يبدو خيارًا شخصيًا قد يكون، في صلبه، استجابة لضغوط اجتماعية وثقافية راسخة تحدد حدود ما يمكن للمرأة وحتى الرجل أن يختاراه. لا بل قد يكون هذا الفصل هو أداة للتحكم بوجود المرأة ذاته.
وتفسر الباحثة والأكاديمية التركية دنيز قنديوطي هذا الانصياع المبطن من خلال مفهوم “المساومة الأبوية” (Patriarchal Bargaining)، واشتهرت قنديوطي بتغيير طريقة فهم الباحثين/ات للعلاقة بين النساء والنظام الأبوي، ليس فقط في تركيا، بل في كثير من المجتمعات الآسيوية والشرق أوسطية. وترى دنيز، صاحبة كتاب “النساء، الإسلام والدولة” صدر عام 1991 أن النساء قد يلجأن إلى استراتيجيات تبدو ظاهريًا أنها خيارات حرة، لكنها في الحقيقة محاولات للتكيف مع القيود الاجتماعية وتقليل كلفتها، ما يحوّل “التوافق الظاهري” إلى إذعان بنيوي لواقع مفروض وآلية دفاعية فرضها السياق، وليس إرادة حرة مستقلة تمامًا.
فهل تلجأ النساء إليها بإرادتهن فعلًا، أم أنهن يُدفعن إليها بتأثير التربية والتقاليد وتحت وطأة نظام ذكوري لم يترك لهن فضاءات عامة آمنة؟
فرض قيود على المساحات الترفيهية والتعبيرية
على النقيض تمامًا من الخصوصية الاجتماعية التوافقية، يبرز “فصل النساء عن الرجال في أماكن العمل” أو فرض قيود معينة على تواجدهن كأحد أوضح أنماط التمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي (Gender-based Discrimination).
ولعلَّ أبرز مثال حديث يأتي من سوريا، ففي2 حزيران/ يونيو 2026، أصدرت مديرية الرياضة والشباب في مدينة حماة تعميمًا يحظر الإعلان عن دورات “الرقص الشرقي” أو افتتاحها في المنازل والمراكز الرياضية الخاصة، ملوحةً بإغلاق المنشآت المخالفة استنادًا إلى مخالفة “القوانين والأنظمة والتقاليد”. ورأت حقوقياتٌ وحقوقيون أن مثل هذه القرارات تتجاوز تنظيم النشاط العام، إذ تفرض بوضوح قيود على المساحات الترفيهية والتعبيرية المخصصة للنساء.
وترفض أدبيات حقوق الإنسان والدراسات السوسيولوجية الحديثة هذا النوع من العزل المؤسساتي لأنه ينطلق من موقع “الفرض والتحكم”، وغايته الضمنية هي حرمان النساء من الانخراط في المشهد العام.
في كتاب “الحريم السياسي” (صدر عام 1993) وهو إعادة قراءة للنصوص والتراث الإسلامي المرتبطين بالمرأة والسلطة السياسية، تلخص الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي هذا النوع من الفصل بقولها: “إن مفهوم الحريم في جوهره ليس مجرد جدران مادية، بل هو “حدود” فضاء سياسي واجتماعي مرسوم بدقة، يُراد منه إبقاء النساء خارج مربع القرار والإنتاج، وتحويل الفضاء العام إلى امتياز حصري للرجال”.
وهكذا، فإن عزل النساء سواء في العمل أو التعليم أو غيرها من المساحات قد يؤدي أيضًا إلى الحد من الفرص والموارد والتطور. دون أن ننسى أن سياسات الفصل التي تؤدي إلى التمييز في الفرص تتعارض مع مبادئ اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW).
من جهة أخرى، لا يُخفى أن استخدام السلطة لحجة “التقاليد والأنظمة” كمسوغ قانوني لإغلاق مساحات تعبيرية أو ترفيهية ترتادها النساء، ليس بهدف حماية المجتمع، كما تدعي، بل إن السلطة تمارس هنا ضبطًا أبويًا يقيد خيارات النساء الجسدية وحقهن في التجمع وممارسة أنشطة تقع في صلب رفاههنّ النفسي والجسدي.
الخصوصية حين تصبح أداة للتمكين
لكن ليست كل المساحات المخصصة للنساء تعتبر شكلًا من أشكال الإقصاء، إذ أن الفرق الأساسي يكمن بين “العزل الإقصائي المفروض” و”المساحات الآمنة الاختيارية”.: الفصل المفروض يحرم النساء من الفضاء العام، أمّا المساحات الآمنة التي تختارها النساء طوعًا، فتمنحهن شعورًا بالأمان والخصوصية وفرصة أكبر للمشاركة والتطور.
هذه الفكرة عبّرت عنها الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف في كتابها “غرفة تخص المرء وحده”، (صدر عام 1928) الذي يُعد من أهم النصوص المؤسسة للفكر النسوي الحديث، حين ربطت حرية المرأة في الإبداع بامتلاك مساحة مستقلة تستطيع فيها التفكير والعمل، وهو ما لخصته في مقولتها الأيقونية: “لكي تبدع المرأة وتكتب الروايات، يجب أن تملك شيئين: المال، وغرفة تخصها وحدها، مغلقة الأبواب لتتحلل من أحكام الآخرين”. فالغرفة، في هذا المعنى، ليست عزلةً عن العالم، بل شرطًا لبناء الذات والانطلاق إليه.
ليست كل المساحات المخصصة للنساء تعتبر شكلًا من أشكال الإقصاء، إذ أن الفرق الأساسي يكمن بين “العزل الإقصائي المفروض” و”المساحات الآمنة الاختيارية”.
وتقارب نانسي فريزر، وهي فيلسوفة أمريكية ومن أبرز منظّرات النسوية المعاصرة والنظرية النقدية، في مقالها “إعادة التفكير في المجال العام: مساهمة في نقد الديمقراطية القائمة فعليًا”، الفكرة من زاوية أخرى، إذ ترى فريزر أن الفئات التي تعرضت للتهميش التاريخي تحتاج بنيويًا إلى فضاءات موازية وخاصة بها لفترات مؤقتة، لتتمكن من صياغة خطابها وتجاربها المشتركة وتعزيز تمكينها الذاتي.
ومن هنا، لا تُعتبر وسائل النقل المخصصة للنساء، أو الأندية الرياضية والثقافية النسائية، إقصاءً ما دامت لا تحرم النساء من حقهن في استخدام الفضاء العام وتوفر لهن خيارًا إضافيًا يمنحهن قدرًا أكبر من الأمان والراحة. فإن الاستقلالية الفكرية والإنتاجية التي تصوغها النساء داخل فضاءاتهن الخاصة، هي بمثابة تراكم معرفي وحركي لا يمكن حصره داخل غرف مغلقة، وهو ما يمكن، على المدى الطويل، أن يدفع نحو بيئات عمل وإنتاج أكثر عدالة، مغيرًا بذلك موازين القوى الرمزية.







