هذه المقالة متاحة أيضًا بـ: Français (الفرنسية) English (الإنجليزية)
نور السيد
كنت أزور أمي حين لمعت الفكرة، قطفتها سريعًا وأنشأتُ مجموعة دردشة على “واتساب” باسم “حرملك”. لم أتأنَّ كثيرًا لاختيار الاسم، فالهدف كان متسقًا مع دلالة العنوان. أنتمي لعائلة مترابطة، تجمع أفرادها مناسبات وسهرات صيفية.
اعتدنا الجلسات المختلطة؛ في الريف تكثر المصاطب، وهي منصة أو مقعد مرتفع قليلًا عن الأرض، يُبنى من الحجر أو الإسمنت ويُستخدم للجلوس أو الاستراحة أمام البيوت. هناك كانت جتمع العائلة الكبيرة وتنفرد بمجموعات صغيرة ضمن أحاديث جانبية. حتى مجموعة “الواتساب” العائلي تضم الجنسين. كان العنوان يبعث شيئًا من التفرّد والاستقلالية مزاجها قوة ناعمة. يذكّرني بعنوان لحلقة من مسلسل “الفصول الأربعة”، وهو مسلسل سوري من إخراج حاتم علي، عُرِضَ عام 1999، حين قررت نساء العائلة الاستقلال عن النفوذ الذكوري بإعلان رحلة دونهم كموقف حازم نيّته الانتقام. أما”حرملك” خاصتنا فكان لها مذاق آخر.
"بركي صار معنا شي!"
وفي حين كان “الحرملك” كمصطلح تركي الأصل يدل على الجناح المخصّص للنساء في قصور السلاطين والبيوت الكبيرة، تحت حراسة مشددة من الغلمان والخصيان مخافة المكائد السياسية. انطلقت مجموعتنا متمرّدة على أيّ حراسة؛ تعجّ بالخطط التي تسعى إلى زعزعة السلطة الذكورية في تحدٍّ صريح بأننا قادرات على إدارة رحلة من ألفها إلى يائها دون دعمهم أو حتى استشارتهم.
جذبت الحماسة نون النسوة بدايةً، وتأرجحت ضحكاتنا على طول المحادثة الأولى، وحالما تقدّمتُ بالاقتراح حتى ترجّلت كل نون عن أرجوحتها لتمسك بردّة فعلها الخاصة. بعضهن لم يأخذن اقتراح الرحلة النسائية على محمل الجدّ، في حين اعترضت أخريات على صعوبة التنفيذ. بينما أيّدت الباقيات الفكرة إلا أنهن اقترحن مكانًا قريبًا تحسبًا لأي طارئ يمكن أن يطرأ فتكون “القوة الذكورية” حاضرة للمساندة.
في اليوم التالي، أرسلتُ رسالة نصية لزوجي أعلمه بالأمر، سرعان ما أثنى على الفكرة، كذلك أبي: “إي ليش لأ، خدي أمك بتتسلى” لتعترض بدورها: “أنا مارح روح… بركي صار معنا شي!”
كتبنا لائحة بالحاجيات كما كنّا نفعل أيام الرحلات المدرسية، إلا أن الفارق هذه المرة أننا نحن من نرتبها لا الأهل. تذكّر خالتي كل ما تسنّى لها :”لا تنسوا شي، لازم تكون رحلة سوبر ما بدنا نشمّت الأعادي*.”
ما لم يكن في الحسبان هو انسحاب إحدا القريبات مع بناتها، بعد أن قال لها الزوج: “لا” صريحة بعد نعم مطمئِنة. ما الأمر؟ نعم كان يظنها مزحة، أو أمر جدّي سيتعثّر من تلقاء نفسه ويقع. إلا أن “اللا” جاءت متحججة بكيف يمكنكن أن تذهبن لمكان بعيد دون حماية! ليضحك كلما قالت إحداهن: “معنا الشوفير” ويتمتم :”هون المصيبة!”.
دفع انسحاب زوجة خالي وبناته أخريات للتراجع خوفًا لم يصرّحن به. فما كان من أخريات إلا إلقاء شعارات وخطبة تشجيعية أثنتهن عن التراجع.
جاء الفجر متهاديًا ينقر أبوابنا بأصابعه وومضات هواتف ذكية مكتومة الصوت، حان وقت الانطلاق. من أمام بيت جدي، ركبنا الميكروباص، وهو حافلة صغيرة مخصصة لنقل عدد محدود من الركاب، بدعم من الأبناء وبعض الأزواج يناولوننا الأغراض الثقيلة التي سيتكفل بنقلها السائق حين الوصول. وانطلقنا على أنغام أغنية: “صفّر صفّر يا وابور وخدنا عالزبداني”، وهي أغنية سورية قديمة.
بعد الوصول، نظرنا إلى أنفسنا بامتنان، ها هي الطبيعة ترحب بنا وتنتظر منا قرار الاختيار لأول مرة. لطالما كان القرار بأيدٍ ذكورية، تشير لنا أن ترجلوا سنمضي النهار هنا.
نزلت عمتي واستطلعت أكثر من مكان لنقيم فيه رحلتنا، ثم عادت لتعلمنا بالأنسب. بعد الفطور لعبنا الكوتشينا وضحكنا دون حرج. لم تصمت التعليقات والمقارنات طوال الرحلة، قالت إحداهن: “كنت أنظر لمنظمي الرحلة من الشبان على أنهم عباقرة يبذلون جهدًا كبيرًا، في حين أننا قمنا بذلك بكل سهولة!” لتجيبها أخرى: “لا تحكمي إن لم تمضِ الرحلة دون كوارث!”، فيما عبّرت أخرى عن غبطتها بالاستقلالية: “لو أنهم معنا، لاستنفرنا على قدم وساق لتلبية الطلبات من فطور وغداء وتجهيزات…”
كانت المتعة دون سقف، ارتفع الدوبامين لأقصاه، إذ لا تابوهات تؤطّر الحديث أو الردود العفوية، اخترنا ما نحب من طعام. كان فضاءً ورديًا يخصّنا، وحينها فقط اكتسبت الألوان دلالة جديدة بالنسبة إليّ! خصوصية منحتنا قدرًا من الاستقرار الداخلي، كانت كل واحدة منا بحاجة إليه، ولم تدرك قيمته إلا بعدما عاشته. تلك المساحة لم تعنِ الاستغناء عن الآخر، بل ضرورة لنعلم أن لذواتنا حقّ علينا، التخفّف من المسؤولية وشعور الأمومة لبرهة من الزمن جعل التعافي من الإرهاق والتكلّف والذنب سهلًا وبسيطًا تكثّف بلقاء نسائي تشبثنا به.
تلك المساحة لم تعنِ الاستغناء عن الآخر، بل ضرورة لنعلم أن لذواتنا حقّ علينا، التخفّف من المسؤولية وشعور الأمومة لبرهة من الزمن جعل التعافي من الإرهاق والتكلّف والذنب سهلًا وبسيطًا تكثّف بلقاء نسائي تشبثنا به.
ما بعد الرحلة
استمرت لقاءات الحرملك أسبوعيًا طيلة الصيف. نكرّر: “لماذا لم نبادر لتلك اللقاءات سابقًا؟” تشدّد إحدانا أن لا مانع شخصي لديها بوجود رجال، بل برأيها سيغنون الجلسة بحضورهم. لتعترض أخريات بأنها مساحة خاصة تشحن الطاقة الداخلية. إحداهن صارحتنا:”كيف لنا، لو أن أحدهم، معنا أن نخوض في المزحات الخاصة؟”.
لم نكن وحدنا، رحلات مشابهة تُنظّم باستمرار، كما سررتُ لافتتاح مقهى خاص في بالنساء في منطقتنا اسمه Rose ، إذ أعلم أهمية هذا وسط بيئة ريفية محافظة نوعًا ما، تجعل من هفوة المرأة جناية عظيمة إذا ما قادت سيارة أو قادت مشروعًا. زرتُ المقهى للاطّلاع، لمسة ناعمة توحي بفكرة المكان. بعيدًا عن المطالبة بالمساواة، وعن القواعد الدينية والاجتماعية، قريبًا من دعم استقلالية مؤقتة نتوق لها لِما تُدخل على النفس من راحة نرفع بها عتبات الحرج، ننطلق دون مقاطعة في الحديث أو تقديم مشورة تُشعر صاحبها بالتفوّق، حرية باللباس والجلوس والحديث. أحلّل كل ما سبق؛ ولسان حالي يسأل:”لمَ علينا تبرير المساحة الخاصة!، أليست تُعاش وتُبنى من الداخل؟”
ربما لو كنا في موقع “الذات” لما احتجنا لكل هذا. فـ”الآخر” الذي نمثّل كما بيّنت سمون دي بوفوار في مقدمة كتابها (الجنس الثاني) هو التابع للذات التي يمثلها الرجل حيث أعطاه المجتمع الأبوي تلك الصلاحية. جعل منه مركزًا يحقّ له التجاوز والمقاطعة وفرض الرأي والاستئثار بالقرار. وعليه يبقى السؤال مشروعاً “هل الفضاءات الخاصة تُعاش، أم تُبرّر لتُنتزع؟”







