“حين يسمع أطفالي أيّ صوت، يسألونني: هل سنموت؟”. هكذا تروي مريم مراد معاناتها بعد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الذي دخل حيّز التنفيذ يوم 16 نيسان/أبريل. فمريم لم تستطع العودة مع عائلتها إلى بيتها في الضاحية الجنوبية لبيروت، إذ اضطرّوا إلى البقاء في أحد مراكز النزوح في بيروت، مع تعرّض منزلهم لأضرار كبيرة.
كانت مريم، قبل الحرب، تعمل في تحضير الطعام وبيعه للزبائن، لكن القصف والنزوح أفقداها مصدر رزقها، وجعلاها “على باب الله”، كما تروي لـ”ميدفيمينسوية”.
مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في لبنان، لم تنتهِ معاناة آلاف النساء النازحات، بل بدأت مرحلة أكثر قسوة وتعقيدًا. فالعودة التي انتظرتها كثيرات لم تكن إلى حياة طبيعية، بل إلى واقع مثقل بالخسائر، حيث البيوت مدمّرة أو متضرّرة، ومصادر الرزق مفقودة، والاستقرار غائب.
بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي، بهجومٍ أميركي–إسرائيلي على إيران، التي ردّت بقصف إسرائيل والقواعد الأميركية في دول الخليج. وسرعان ما انضمّ حزب الله اللبناني، حليف إيران، إلى المواجهة، موجّهًا صواريخه نحو إسرائيل. وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، تسببت الحرب الإسرائيلية على لبنان، منذ 2 آذار/مارس وحتى 26 نيسان/أبريل، في مقتل 2509 شخصًا وجرح 7755 آخرين/ات.
كما تشير تقديرات صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون شخص اضطروا إلى النزوح خلال الحرب الأخيرة، من بينهم مئات آلاف النساء والفتيات اللواتي وجدن أنفسهن فجأة خارج منازلهن، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والخصوصية. ومع بدء سريان وقف إطلاق النار، عادت بعض العائلات إلى مناطقها، إلا أن هذه العودة بقيت محدودة وهشّة، إذ اصطدمت بواقع الدمار الواسع، حيث أظهرت تقارير ميدانية أن عشرات آلاف المنازل دُمّرت كليًا أو جزئيًا، ما منع شريحة كبيرة من العائلات من العودة، وأجبرها على البقاء في مراكز النزوح أو لدى الأقارب.
في كثير من الحالات، اضطرت عائلات إلى مغادرة منازلها مجددًا بعد اكتشاف حجم الأضرار، ما أعادها إلى دائرة النزوح مرة أخرى
مراكز النزوح... معاناة أيضاً
في مراكز الإيواء، تتضاعف معاناة النساء بشكل قاسٍ، إذ تعيش كثيرات في مساحات مكتظّة تفتقر إلى الخصوصية، مع صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، وارتفاع القلق من التعرّض لمخاطر العنف أو الاستغلال.
وتفيد تقارير صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن نسبة كبيرة من النساء النازحات لا يقمن حتى في مراكز رسمية، بل في أماكن غير مجهّزة، ما يزيد من هشاشتهن ويضعهن في ظروف معيشية صعبة.
أما النساء اللواتي عُدن إلى قراهن وبلداتهن، فوجدن أنفسهن أمام صدمة جديدة لا تقل قسوة عن النزوح نفسه. العودة إلى منازل مدمّرة أو غير صالحة للسكن، وانعدام الخدمات الأساسية، وغياب الدعم، كلها عوامل جعلت “العودة” تجربة ثقيلة ومحبطة. وفي كثير من الحالات، اضطرت عائلات إلى مغادرة منازلها مجددًا بعد اكتشاف حجم الأضرار، ما أعادها إلى دائرة النزوح مرة أخرى.
لم ينهِ وقف إطلاق النار معاناة النساء النازحات في لبنان، بل نقلها من مرحلة النزوح المباشر إلى مرحلة أكثر تعقيدًا
اقتصاديًا، دفعت النساء ثمنًا باهظًا للحرب، إذ فقدت كثيرات وظائفهن أو مصادر دخلهن، بخاصة في القطاعات الهشّة كالأعمال الزراعية والخدماتية. كما خسرت أخريات مشاريع صغيرة كانت تشكّل عماد إعالة أسرهن. وفي ظلّ الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، أصبحت إعادة بناء سبل العيش تحدّيًا كبيرًا، خصوصًا للنساء اللواتي وجدن أنفسهن المعيل الوحيد لأسرهن بعد الحرب.
وهو ما ترويه سهى: “كنت أعمل في مقهى في جنوب لبنان، لكنه دُمّر الآن، وأنا أعيل أمي وأبي، كيف نعيش الآن؟”. وسهى خريجة كلية إدارة الأعمال، لكن الظروف كانت أصعب منها، فاضطرت إلى القبول بوظائف أقل من طموحها بسبب ظروف البلد. “حتى تلك الوظيفة البسيطة، وذاك الراتب الذي لم يكن يتخطى 500 دولارٍ أميركي، حُرمنا منهما”.
ذهبت سهى إلى الجنوب لزيارة قريتها، لكن التحذيرات الإسرائيلية المتواصلة لعشرات القرى، حتى في ظلّ وقف إطلاق النار، أرعبتها، فعادت إلى منطقة الشوف، إلى منزل أحد أقاربها، حيث تمكث مع عائلتها بانتظار الفرج.
معركة النزوح لا تنتهي
على المستوى النفسي، لا تقلّ المعاناة حدّة، إذ تعيش كثير من النساء تحت وطأة القلق والخوف المستمرَّين من المستقبل، إضافة إلى آثار الصدمة الناتجة عن النزوح وفقدان المنزل أو الأحبّة. وتحذّر تقارير صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن هذه الضغوط النفسية قد تمتدّ لفترات طويلة، خاصة في ظلّ غياب خدمات الدعم النفسي الكافية.
ورغم كل ذلك، تلعب النساء دورًا أساسيًا في الحفاظ على تماسك عائلاتهن، حيث يتحمّلن مسؤولية إدارة الحياة اليومية في ظروف شديدة الصعوبة، ويعملن على دعم الأطفال والتخفيف من آثار الصدمة، في محاولة لإعادة بناء حدّ أدنى من الاستقرار. إلا أن هذا الدور، على أهميته، غالبًا ما يتمّ في ظلّ نقص كبير في الدعم والموارد.
في المحصّلة، لم ينهِ وقف إطلاق النار معاناة النساء النازحات في لبنان، بل نقلها من مرحلة النزوح المباشر إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها القتال من أجل البقاء. وبين غياب الحلول المستدامة لإعادة الإعمار وضعف الدعم الاقتصادي والنفسي، تبقى النساء في قلب أزمة مفتوحة، تحاول كلّ واحدة منهن أن تجد طريقها وسط الركام.







